رياض الأمير

&
يقام منذ منتصف خمسينات القرن الماضي معرض عالمي يعتبر الأهم والأكثر اعترافا في مجال التصوير الصحفي تعرض فيه الصور الفائزة خلال عام. ويتنقل المعرض عبر الكثير من دول العالم. وفي محطته الحالية العاصمة النمساوية عرضت 200 صورة التي حصلت على المراتب الثلاث الأولى في تسع مجالات مختلفة خلال العام.
&
وقد لقي المعرض إقبالا كبيرا كما هي العادة في أي مكان ينتقل إليه. ومن الملفت للنظر أن اكثر من نصف الأعمال المشاركة هذا لعام صورت بكاميرات رقمية. وقبل الوصول إلى هذه المرحلة المتطورة في فن التصوير الفوتوغرافي، مر هذا الفن بمراحل عدة منذ أن حاول الفرنسي جوزيف نيسفور عام 1816 محاولته الأولى تصوير منظر طبيعي على ورقة حساسة. وكان اختراع آلة التصوير طفرة كبيرة في مجال الثقافة والسياسة على حد سواء عندما غدت الكاميرا آلة بسيطة الاستخدام وسهلة الحمل وغير غالية السعر. ولعب المصورون دورا مهما،& قبل بداية السينما في نقل الحدث العالمي ونشره. كما لعب المصورون المحترفون دورا مهما في تسجيل حياة الشعوب الأخرى وتدوينها& بشكل دقيق اكثر من الرسامين الذين أضافوا عليها من خيالهم الخاص،& وقد وصلت في بعض الأحيان إلى خيال مفرط في اللون والسلوك ولإضفاء الصدقية على الرسومات وضعت على خلفية تراثية في فن العمارة،& وهذا ما نشاهده في& أعمال بعض الرسامين المستشرقين الذين صوروا الحياة في الشرق بشكل عام. ومنذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر& أصبحت الكاميرا أداة لدي المكتشفين والرحالة في المنطقة العربية الذين خلفوا لنا صورة& واقعية لنمط حياة الشرق ومستواه الحضاري وهي الوثيقة الحية لما كانت عليه حياة العرب في بلدانهم في تلك الفترة وإلى نهاية الحرب العالمية الثانية.
وكانت أول صورة أنتجتها آلة تصوير تحمل أسم "Obscura" في العام 1826 أو 1827& بمساعدة الإسفلت قام بإنتاجها الفرنسي "Niepce" . وسمى الصورة التخطيط "بالإشعاع الشمسي" . وفي تلك المرحلة كان وقت إظهار الصورة يستغرق ثماني ساعات. وكانت تتحسن تقنية التصوير كما تتطور وسائطه عن طريق تحسين الرقائق التي تظهر الصورة وكذلك كفاءة الصورة فيها. ومن محاولات استخدام ألواح من النحاس مغطاة بطبقة من الفضة وبمساعدة بخار اليود لجعلها حساسة& بالضوء الساقط إلى استخدام بخار الزئبق لتصنيع رقائق حساسة لإظهار الصورة. كان الفضل بعض الأفكار التي ساعدت على تطوير فن التصوير جاءت بالتعاون بين مصمم مسارح فرنسي لويس جال ماند داغوار "Daguerre"مع الفرنسي الآخر "Niepce" الذي يعتبر مخترع آلة التصوير. وفي العام 1837 تم استخدام ملح الطعام في عملية إظهار الصورة مما ساعد على تقليل كلف التصوير. وكانت أهم مرحلة في تأريخ التصوير الفوتوغرافي عندما اشترت الحكومة الفرنسية حقوق اختراع آلة التصوير من الشريكين "Daguerre" و "Niepce" وطرحتها للاستخدام والتصنيع العام. بعد أن قدمت لهما منزلة اجتماعية رفيعة بمنحهم لقب نبيل،& لكن أصحاب الاختراع استطاعوا الحصول على براءة له في بريطانيا مما حقق لهم ثروة مالية أيضا. ونتيجة ذلك اصبح التصوير عامل تطوير ثقافي وسياسي عام،& ليس في فرنسا وحدها وإنما في أوربا لما لقيته الآلة الجديدة من اهتمام كبير لدي الناس وانتشر تأثيرها إلى الدولة القريبة من أوربا كالمغرب العربي وبعض دول مشرقية. ساعدت تلك الخطوة المهتمين على تطوير الآلة وإجراء إضافات جديدة عليها لتسهيل عملها. وبعد التطورات المهمة في تقليل وقت إظهار الصورة بقيت& عملية التصوير تحتاج& إلى غرفة مظلمة ترافقها مجموعة من المواد الكيماوية حتى وصل وزنها إلى ربع طن من اجل تصوير عملية تسلق جبل. وفي العام 1871 استطاع طبيب بريطاني هو ريجارد ليج مادكس "Maddox"من اختراع رقيقة ناشفة مغطاة بطبقة من الجلادتين تحوى مادة بروميد الفضة،& وبذلك انتفت الحاجة إلى الغرفة المظلمة في التصوير وحمل المواد الكيمياوية المختلفة. وكان العام 1933 بداية مرحلة مهمة في انتشار آلات التصوير الفوتوغرافي بأسعار رخيصة عندما طرحت شركة"AGFA" الألمانية آلة تصوير " العلبة" بسعر الكلفة وهو أربعة ماركات ألمانية. وكانت تلك اكبر عملية تسويق قامت بها شركة في ذلك الوقت. ولم تمضي فترة قصيرة حتى كان إقبال الناس على شراء كاميرا " العلبة " كبيرا،& فقامت الشركة على أثره بتوظيف 800 شخص قاموا بتصنيع مليون كاميرا خلال عام . وكانت النقلة الثانية التي أنتظرها المصورون جاءت في العام 1948 عندما& أنتجت كاميرا من نوع "Polaroid" التي تسمح في الحصول على صورة في الحال. لكن محاولات الإنسان استمرت دون هوادة من اجل تخفيف عمل المصور وتقليل سعر آلة التصوير عن طريق تحسين التقنية وتطوير عدسات التصوير إلى أن وصلت الآن إلى آلة التصوير الرقمي الحالية التي تتسابق الشركات الكبيرة في تقديم الأفضل منها،& من حيث الجودة وخفة الوزن وصغر الحجم. والكاميرا الرقمية خففت كثير من عمل المصورين الصحفيين ودور النشر لأنها تساعد على إيصال الصورة إلكترونيا إلى وسيلة الإعلام بعد قليل من تصويرها بكفاءة وجودة عاليتين.
وعلى الرغم من التطور الكبير الذي وصلت إليه كفاءة التصوير وجودة آلاته والنشاط الواسع الذي قام به المصورون الصحفيون،& خصوصا في نقل الحدث إلى العالم لم يفكر في إقامة مسابقة لأفضل الصور الصحفية إلا في العام 1955 عندما قامت مؤسسة خاصة في هولندا رئيسها الفخري الأمير برنارد تحمل أسم "World Press Photo" . كما تعمل المؤسسة على توسيع المعرفة في مجال التصوير وتبادل الخبرة وإقامة الندوات وورشات عمل لذلك الغرض. تدعو كل عام مصوري الصحف والمجلات وشركات الإعلان ووكالات الأنباء من جميع دول العالم للمشاركة في مسابقة تحمل اسم المؤسسة وتقوم لجنة من حكام محايدين لاختيار افضل الصور التي أثارت فعلا الإحساس الإنساني بفكرتها وقيمتها الفنية والتي صورتها عدسات المصورين الصحفيين . وقد قسمت الصور حسب المواضيع إلى تسعة وهي : واقع صعب (المجازفة)،& صانعي الأخبار،& صور شخصية،& الرياضة،& الحياة العادية،& الثقافة،& الطبيعة والبيئة،& العلوم والتقنية،& والخبر المصور. وينتقل معرض الصور الفائزة في اكثر من 35 بلد يشاهدها اكثر من مليون زائر كل عام. وقد وصل عدد المشاركين في مسابقة العام الحالي 2002 اكثر من أربعة آلاف مشارك من 123 بلدا. بينما كان عددهم في العام 1999 وصل إلى 3.733 من 116 بلدا . ونسبة المشاركين هذا العام بصور رقمية 55,7% وهي نسبة تفوق الضعف عن عددها في مسابقة العام الماضي التي كانت نسبة الصور الرقمية فيها 27,5%. ومنذ عام 1987 استحدثت جائزة للمصورين في مجال الطفولة. كل المحكمين في لجنتها هم من الأطفال تتراوح أعمارهم بين أحد عشرة عاما واثني عشرة عاما. ويصدر عادة عن المعرض الجوال "كتالوج" يظم جميع الصور الفائزة وفي لغات مختلفة مع اسم الفائز ولمحة عنه. ويجول معرض هذا العام عبر 70 دولة واحدة منها هي جمهورية مصر العربية وكان مكانه مكتبة الإسكندرية الجديدة. كان محور الصور الفائزة ، لهذا العام حدثين مهمين في الدرجة الأولى& هما أحداث سبتمبر الماضي2001 وأفغانستان. وعلى الرغم من أن الكاميرا السينمائية غطت الحدثين،& لكنها تتخلف عن عدسة المصور الصحفي الذي يختار اللقطة الأهم في الحدث. ومن الصور الفائزة& ليست تلك التي تصور ارتطام الطائرتين بمركز التجارة العالمي ،& كما شاهدها الناس عن طريق الإذاعة المرئية، وإنما سقوط بعض الناس من الطوابق العليا أو إطلالة البعض من النوافذ وهم يلوحون بأيديهم لطلب المساعدة قبل تهدم البرجين. أو تلك الصورة التي تعتبر اكثر تعبيرا عن اغلب ما صور،& وهي لمجموعة من موظفين في البرجين غطاهم& الغبار الكثيف. ومن أفغانستان فكانت عدة صور منها السعادة العارمة لانفتاح البيت الأفغاني بعد سقوط طالبان تمثله صورة "الشقيقات الثلاث" للمصور النرويجي الاسكندر نوردهال الذي حصل على الجائزة الثانية . أو صورة مقاتل طالباني مجروح تجره قوات الشمال بعد استسلامه للمصور الفرنسي لوك دالاهاي الذي حصل على الجائزة الثالثة . لم يفلح العالم العربي فلم يفلح في الوصول لتقديم ما فيه من مآسي إلا في صورة واحدة من الأراضي المحتلة التي تصور& أطفالا فلسطينيين يحملون السلاح في رام الله للمصور الدنيماركي جان غاروب. وغابت عن عيون المصورين لحظات تهديم البيوت على يد قوات الاحتلال الإسرائيلية. أو استشهاد الأطفال الفلسطينيين برصاص الجنود الإسرائيليين وهم في طريقهم إلى مدارسهم،& وغيرها الكثير في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبقيت صورة اغتيال الطفل محمد الدرة افضل صورة أوصلت المأساة الفلسطينية على يد القوات الشارونية إلى العالم في مسابقة العام الماضي. ومن جراء ذلك،& وما يمكن أن تفعله الصورة من تأثير في نقل الممارسات الصهيونية،& أبعدت قوات الاحتلال الصحفيين من ساحة عملياتها. ويفتقر العالم العربي لمسابقة مشابهة لتقديم واقعها بعيون محلية . ولربما ستفوز صور من بعض الدول العربية بالمراتب الأولى في حاله إتاحة نقلها. ومنها مثال ردة فعل عائلة تستلم ابنها في كيس اسود من اللدائن& تسيل منه الدماء مع إشارة عدم إقامة مراسيم العزاء. أو صورة شاب تقطع أذنه تحيط برأسه ضمادات والدم يسيل ينفذ عبرها. أو شاب يفقد لسانة ودموع الأسى لا تكفيه ليعبر عن لوعته لمصيبته بعد أن انتهى صوته.
وأقيم معرض "World Press Photo" للصور الفائزة لهذا العام في فيينا في قاعة "Westlicht" التي تغطي ألف متر مربع وكانت أستوديو للتصوير منذ خمسينات القرن الماضي وأعيد تأهيلها لتكون& قاعة عرض& في مجال التصوير بالدرجة الأولى. وهي تحوي مكتبة عامرة في مجال التصوير الفوتوغرافي وغيرها من الفنون المتصلة به. وقدمت عدة متاحف وكذلك بعض الأشخاص كاميرات وصل عددها& 800 آلة تصوير قديمة ذات قيمة أثرية تمثل& المراحل المختلفة التي مرت بها الآلة منذ "Daguer" الذي تعتبر أول كاميرا فوتوغرافية،& وفي المعرض واحدة أصلية منها .
&
نسخة مخلفة بعض الشيء من هذه المقالة نشرت في جريدة الحياة مع صورة واحدة