قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

نبيل عمـر


سيدي الرئيس صاحب أكبر قوة عسكرية واقتصادية في العصر الحديث والجالس على عرش النظام العالمي الجديد منفردا..
لن تستطيع أن تعرف إلى أي مدى أصابني الخوف على حياتي والفزع على مستقبل وطني والقلق على مصير العالم حين قرأت حوارك مع الصحفي اللامع بوب وودوارد، الذي أجراه معك ليضمه إلي فصول كتابه الجديد "بوش في حالة حرب"، فالعبارات التي انطلقت منك ليست عادية ولا مألوفة، ودائما غير العادي وغير المألوف هما طريق البشر إلى التطور، لكن عباراتك محفوفة بالمخاطر لا بالأمل فهي خليط مشوش من الدين والسياسة، بل بها كثير من الدين وقليل من السياسة وخاصة عندما قلت: "مهمتي هي التأكد أن السيف الأمريكي حديد وحاد في كل الأوقات"، وتذكرت على الفور عبارة قالها قاتل متعصب :"أنا أقرب إلى سيف الله"، وهو يبرر بها قتله لسبع ضحايا بطريقة وحشية ارتكبوا الخطايا السبعة المميتة وفروا بها من عقاب القانون وهي الشره والجشع والكسل والشهوة والزهو والحسد والغيظ، متصورا نفسه مبعوث العناية الإلهية ليخلص العالم من شروره!
كان يمكن أن تقول أن مهمتك هي أن تظل قوة أمريكا قادرة على ردع أعدائها في كل وقت، لكن جريان لفظ " السيف" على لسانك بتلقائية يدل على مدى سيطرة الأفكار الدينية عليك، وإذا ربطنا "السيف بعبارات من عينة " كنت أريد أن ينظر إلينا ليس باعتبارنا قاهرين بل محررين"، "هناك نظام للقيم لا يمكن المساومة عليه وهذه هي القيم الني نحمدها ونتمسك بها وهذا لا يعني أننا نفرضها بل يعني أنها قيم إلهية"، "أنا أتبع حدسي وغريزتي"، " أنا القائد، أنا لا أحتاج إلي الشروح، ليس من واجبي أن أشرح لماذا قلت ما قلته، هذا هو الجانب المثير في أن تكون رئيسا، من الممكن أن يشرح لي شخص ما لماذا قال ما قال، ولكنني لا أشعر بأنني مدين لأي شخص بشرح ما أقول"!
سيدي الرئيس
هل ترى قدر الخطورة الساكن في تلك العبارات الكاشفة التي تشبه ضوء فنار في الليل أمام سفينة العالم التي تحاول أن تقودها منفردا؟!،لم تكن تتحدث عن علاقات شخصية أو إدارة شركة خاصة أو جمعية أهلية أو في جلسة سمر واعترافات ليلية، وإنما كنت تتحدث عن السياسة الخارجية لأمريكا، وهي لا تخص 250 مليون أمريكي فقط، وإنما تتقاطع مع ما يقرب من نصف سكان الأرض تقريبا، من أستراليا إلى كندا ومن اليابان إلى بنما، وبالقطع لن تري أي خطورة في تلك العبارات وإلا ما قلتها أصلا، وهذه هو لب الأزمة التي يعيشها العالم الآن بسبب قيادتك له نحو الحرب لا السلام، نحو القتل باسم حرية الإنسان والديمقراطية، نحو تغيير نظم حكام والفتك برؤساء من عينة صدام حسين تتصور أنهم يرتكبون الخطايا السبعة المميتة ولا ينالون العقاب الواجب على أيدي شعوبهم، أذن فليأتي السيف الأمريكي الحديد والحاد ليثأر منهم، ويحد من شرورهم ويخلص العالم منهم، لأنه الأقرب إلى سيف الله، دفاعا عن"قيم إلهية"!
والمثير حقا أن كلماتك تحتوي دون قصد على بعض الخطايا السبعة كالزهو والغيظ!
سيدي الرئيس..
إن حوارك مع بوب وودوارد يحتاج منك إلي بعض الشجاعة والحنكة، وأدعوك إلى تغليب مصالح الولايات المتحدة على المجد الشخصي، وإلى تجاوز جراح نجاحك في انتخابات الرئاسة بعدد من الأصوات أقل من عدد الأشخاص الذين يحضرون الاستديو& ليصفقوا لضيوف أي برنامج تليفزيوني أمريكي، وإلى أن تعلو على رغبتك الدفينة في أن يعاد انتخابك بتفوق..فأنت رئيس أمة عظيمة لها ثورة حملت مشاعل الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وهي تؤسس دولة عظيمة!
فقط أعرض كلماتك حوارك على أي طبيب نفسي تثق فيه وخذ معها عبارات أخرى استخدمتها كثيرا مثل محور الشر، الأخيار ضد الأشرار، ولا تشن حربك إلا بعد استشارته وفهم نفسك، فالفيلسوف أرسطو قال إن معرفة النفس هي أول مدارج المعرفة، ولا انتصار في حرب أو سلام إلا بالمعرفة، وليس بالحدس والغريزة، الحدس والغريزة يصلحان في العلاقات الخاصة..لكن في العلاقات الدولية هما بمثابة كارثة عاجلة أو مؤجلة!
سيدي الرئيس..
لا أقول لك ذلك من باب الاستفزاز، فأنا أعرف من حوارك مع بوب وودوارد أنك تحب استفزاز من حولك وأنك ذو مزاج ناري، وإنما أقول لك ذلك من باب الحرص على العالم الذي نعيش فيه، وهو ممعن في حالة من الاضطراب والتمزق والعنف والصراع، وأريدك وأن تقود القوة العظمى الوحيدة فيه أن تستغل تلك القدرات في تخفيف هذه الحالة لا زيادتها، في التقليل من حدة الصراعات لا إثارتها، في نشر السلام والسكينة والعمران لا إذاعة الفزع والقلاقل والدمار!
وأعرف أيضا أنك رئيس في دولة ديمقراطية، ولا تجلس مطلق اليد في كابينة القيادة، لكن الأمريكيين يمرون لأول مرة في تاريخهم بلحظة قاسية هزتهم من الأعماق وهم يسلمون قيادهم الآن دون تفكير لمن يقول لهم إنه لن يسمح بتكرار 11 سبتمبر مرة أخرى ويعطونه كارت بلانش ليفعل كل ما يراد، وبالفعل 11 سبتمبر جريمة بربرية همجية ضد الحضارة الإنسانية كلها وليس ضد الولايات المتحدة فقط، لكن لا يجب أن تسقط أمريكا في فخها ولا تجر العالم معها وتتصرف كما تصرف الإرهابيون البرابرة وهم ينتحرون في مركز التجارة العالمي ويقتلون أكثر من ثلاثة آلاف برئ!
فما أسهل تبريرات الحرب والقتل باسم الله أو باسم الدفاع عن النفس..وما أكذبها أيضا!
وما أصعب مهمة منع الحرب والقتل ونشر السلام دون إراقة نقطة دماء من طفل برئ لم يجد مكانا بعد تحت الشمس..وما أنبلها أيضا!
سيدي الرئيس..
قرأت أيضا رسالتك إلى قادة العالم الإسلامي التي كتبها توماس فريدمان بقلمه ونشرها في جريدة نيويورك تايمز، وهي لا تختلف في جوهرها عن حوارك مع بوب وودوارد، لكنها تتضمن بعض الوقائع المغلوطة، وإن كانت تأخذ شكل إعلان لمنع حرب حضارية بين المسلمين والغرب!
لم أكن أود أن أقول أن الشيخ الملعون أسامة بن لادن قد نجح في استدراجنا جميعا إلى حلبة الصراع المباشر، لكن هذا ما يبدو للأسف الشديد فكما نخطئ أنتم أيضا تخطئون، ومقال فريدمان يكاد أن يكون "وثيقة تبرير" للحرب، فهو يعدد الحوادث التي وقعت أخيرا من قنبلة بالي التي راح ضحيتها 200 من السياح الأبرياء الذين كانوا يلتمسون بعض المرح في إندونيسيا، وإطلاق النار على جنديين أمريكيين في الكويت، ومقتل ممرضة أمريكية تعمل في عيادة للنساء الحوامل في جنوب لبنان، ومصرع دبلوماسي أمريكي أمام بيته في الأردن، وتفجير شاب فلسطيني نفسه في أوتوبيس إسرائيلي ينقل أطفال المدارس، ويفسرها بأنها ردود أفعال من متعصبين دينيين يعيشون في دول ضعيفة وبين جدران أيديولوجيات مهزومة كالناصرية وأجيال من الحكم المطلق الاستبدادي والأمية والإذعان التام للسلطة..ويخلص إلى أن الأصولية الغاضبة والمسلحة باتت تمثل تهديدا واستفزازا للمسلمين المعتدلين، ويطالب قادة المسلمين بإعلان حرب داخلية ضد التعصب الديني حتى نتجنب نشوب تلك الحرب الحضارية!
وما قاله فريدمان يا سيدي الرئيس فيه كثير من السم على قليل من العسل، واعترف بداية بأننا متخلفون، ونظامنا الحاكمة غير ديمقراطية لا تعرف حقوق الإنسان ولا تعترف بها، وتكره المجتمع المدني، بل لا تمقت شيئا في الدنيا قدر كراهيتها لكلمة الديمقراطية، فهي تقلل من امتيازات الحكام وبطانة السوء من حولهم وتمنحهم سلطات مطلقة بلا حساب!
ونود أن نتخلص منها بطريقة سلمية ونؤسس نظم ديمقراطية حقيقة، لكن بالتأكيد ليس على جناح صاروخ كروز، قد نحتاج بعض الوقت، لكن الحاجة تولد الاختراع، ونحن الآن في مسيس الحاجة إلى الحرية والاجتهاد ولن يصنعهما السياف الأمريكي!
واعترف أيضا أن لدينا مشكلات ليست هينة في فهم النص الديني والتعليم العصري، وأن المزاج العام ينحو نحو التعصب، لكنها مشكلات قديمة مزمنة& لها قرون، صحيح هي زادت الآن عن معدلات سابقة، لكنها ليست جديدة، ولكن لم يخرج أبدا بعض المتعصبين منا إلي قتل المدنيين الأجانب، ولا يمكن أن نقبل تفسير السيد فريدمان بأن إطلاق النار على الجنديين في الكويت أو قتل الممرضة البريئة أو الدبلوماسي العجوز سببه إخفاق النظم والدول والأيديولوجيات، فالنظم في عالمنا العربي على الأقل دائما مصابة بالإخفاق، ولم ينجح نظام على امتداد البقعة الجغرافية من جبال أطلس إلى خليج العرب من انتشال شعبه من قاع الجهل والخرافة والتخلف والتفكير العشوائي وعشق الفردية& إلى ضفاف العلم والحقائق المجردة والتفكير المنظم والعمل بروح الفريق، لأنها أنظمة لا تبحث إلا عن البقاء في السلطة، ولا تصاب بفيروس النشاط والاجتهاد إلا& لتثبيت أركان سطوتها، صحيح هي تعمل أشياء مفيدة لمواطنيها، لكن في حدود عملية استقرار الأنظمة، ولا تكمل أي أعمال إلى درجة يستطيع فيها المواطن أن يصبح حرا قادرا على النقد والرقابة والمحاسبة، وهذا هو سبب تخلف نظم التعليم وجمود حركة الاجتهاد الديني وتقديس أغلب المسلمين مظاهر التدين لا جوهر الدين وغياب الديمقراطية!
وبالتالي إذا غضبنا فلن يكون منكم بل من حكامنا، ولا يعقل أبدا أن نحول غضبنا العاجز من حكامنا إلى الولايات المتحدة صاحبة القوة العظمى، وما حدث في 11 سبتمبر من "القاعدة" هو تصفية حسابات قديمة بينكم وبين التنظيم الذي رعيتموه لأكثر من عشر سنوات، ولا علاقة لنا به من قريب أو بعيد!
باختصار..نحن يا سيدي نعيش أنظمة يرتبط استمرارها بمظاهر الحياة العصرية لا جوهرها، مظاهر في الديمقراطية وحرية الصحافة وحقوق الإنسان وسيادة القانون والفصل بين السلطات، وفي المقابل يمارس المواطن نفس الدور، مظاهر في أداء الواجب والعمل والتدين واحترام القانون!
نفعل ذلك منذ زمن طويل..ولم يحدث أن قتلنا أجنبيا أو عبرنا محيطا أو بحرا لنخرب أو ندمر..فما الذي أستجد؟!
بالقطع أعرف أن العقول التي تعيش على المظاهر تفقد قدرتها على التسامح بالتدريج، لكن أيضا ما يراه المسلمون كل يوم على شاشة التليفزيون وما يسمعونه من نشرات أخبار عما تفعله الآلة العسكرية بالفلسطينيين من بطش وإرهاب بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية يعبأ نفوسهم بغضب شديد، هل تعرف كم شابا مصريا حاول عبور الحدود سرا إلى غزة ليشارك الفلسطينيين حربهم التحريرية من الغاصب الإسرائيلي؟!..فتيان أعمارهم بين الثالثة عشر والسابعة عشر!
ولا تصدق ما يقول توماس فريدمان بأن ما يرتكبه جنود إسرائيل بقتل الأطفال الفلسطينيين خطأ وما يقوم به "الانتحاريون" من قتل أطفال إسرائيليين خطأ، الأول جريمة دولة معتدية مع سبق الإصرار والترصد، والثاني جريمة إنسان يائس لا يعرف كيف يطرد جيش الاحتلال من أرضه، والمساواة بينهما أيضا جريمة تعضد جريمة الدولة!
الرئيس جورج دبليو بوش..أكبر الأخطار على العالم هي أن تركب جواد منقذ العالم وتتقلد سيف أمريكا الحديدي والحاد وتنطلق إلى الحرب، فلن تزيد عن الرجل الذي قال: أنا الأقرب إلي سيف الله!
هذا هو الطريق إلى الحرب الحضارية!