قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

حسين كركوش
&
تزداد حدقة العين الفرنسية اتساعا هذه الأيام, وتتسارع دقات القلب الفرنسي, مع تصاعد وتيرة التهديدات الأمريكية بشن حرب ضد بغداد, والإطاحة بنظام الرئيس العراقي, وهو أمر يعني, في نهاية المطاف, اقتراب الخطر من المصالح الفرنسية في هذا البلد0وقد تتساهل فرنسا إزاء قضايا دولية عديدة, لكنها ستناضل حتى النفس الأخير, ضد تهميش دورها في العراق0 فقد حاولت فرنسا منذ بدايات السبعينيات من القرن الماضي, ونجحت إلى حد كبير, ان يكون العراق ضمن مناطق نفوذها الاستراتيجية. وطوال الثلث الأخير من القرن الماضي, وظفت فرنسا كل حسنات ميراث (المدرسة الديغولية العربية) لتستعين به على أيجاد موطئ قدم لها داخل ارض الرافدين.
ولم تكن مجرد زلة لسان عندما قال الرئيس الفرنسي الحالي ورئيس وزراء فرنسا في السبعينيات, جاك شيراك, لصدام حسين, عندما كان هذا الأخير ( نائب لرئيس مجلس قيادة الثورة), أي الشخصية الثانية في العراق : انت صديقي الشخصي. فالكل يعرف ان تلك الصداقة أثمرت عقود تجارية وعسكرية ونفطية وثقافية0.وإذا صدقنا بعض المبالغات, فان العراق كاد ان يتحول, بفضل نوعية العلاقات الفرنسية- العراقية, الى واحدة من الدول الفرانكوفونية, بسبب انتشار اللغة الفرنسية وتعميم تدريسها في المعاهد والجامعات العراقية. وحتى خلال سنوات الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على العراق, فان فرنسا جهدت لإيجاد ثغرات في جدار المقاطعة, تدخل منها لهذا البلد, لاعادة اللحمة الى نسيج علاقاتها مع بغداد التي تأثرت بفعل الحصار0 وتمثلت تلك ( العودة ) بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع بغداد, وان على مستوى محدود, والتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقيات نفطية جديدة, واعادة فتح المركز الثقافي الفرنسي في العاصمة العراقية, وارسال وفود برلمانية الى بغداد ل( تقصي الحقائق) حول الأضرار التي خلقها الحصار, واقامة معارض للكتاب العراقي في العاصمة الفرنسية بدعم من رجال أعمال فرنسيين, وتشكيل جمعيات غير حكومية للعمل على رفع الحصار, برعاية شخصيات سياسية بارزة من اليمين واليسار الفرنسي,منها الوزيرة الحالية للتنمية المستديمة روزلين باشلو, ووزير الخارجية الاشتراكي الأسبق كلود شيسون ووزير الخارجية الأسبق هيرفيه دي شاريت, بالإضافة الى قادة عسكريين.
وكانت التحقيقات القضائية في قضية بيع أسلحة محظورة الى انغولا, وهي القضية التي باتت تعرف في فرنسا ب( فضيحة انغولا غيت ), قد كشفت ان شخصيات رسمية فرنسية مقربة من الأحزاب اليمينية الفرنسية, كانت قد قبلت وساطة رجال أعمال عراقيين يعيشون في أوربا وعلى علاقة بالحكومة العراقية, فمنحت تأشيرة دخول لنائب رئيس مجلس الوزراء طارق عزيز, الذي قام بزيارة سرية عام 1993 الى باريس لغرض العلاج الطبي, عندما كانت المقاطعة ضد العراق في أوج صرامتها.
ولكي نعرف مدى أهمية تعويل الشركات النفطية الفرنسية على عقودها السابقة والحالية والمستقبلية في العراق, فتكفي الإشارة الى ما سبق ان قاله ألفريد سيرفين,المسؤول الكبير السابق في شركة ( الف) الفرنسية, والموجود حاليا داخل السجن الفرنسي, بسبب دور له في استلام عمولات مالية في قضية بيع فرقاطات فرنسية الى تايوان في بداية التسعينيات, والمتورط فيها, ايضا, وزير الخارجية السابق رولاند دوما. فقد قال سيفرين, الذي يصفه البعض بأنه (الذراع الفرنسية النفطية في الشرق الأوسط), بان ما كان يقض مضجعه عام 1991, ليست قضية بيع الفرقاطات الى تايوان, رغم الفوائد المالية التي كانت تحصل عليها فرنسا, وانما التفكير حول العقود النفطية الموقعة في العراق, والاحتياطي النفطي هناك, الذي كان يوشك ان يفر من أيدي فرنسا, بسبب تداعيات حرب الخليج الثانية, أو عاصفة الصحراء, كما تسمى.
ويجد موضوع رفع الحصار عن العراق ومعارضة الحرب التي تهدد الولايات المتحدة بشنها ضد بغداد, إجماعا من قبل جميع ممثلي الطبقة السياسية الفرنسية,كل لاسبابه ومنطلقاته السياسية والأيدلوجية, بما في ذلك أحزاب اليمين التقليدي الحاكمة,واليمين المتطرف والشيوعيين والخضر والاشتراكيين وأحزاب اليسار المتطرف, والنقابات الرئيسية, وجمعيات مناهضة العولمة, مثل تجمع (اتاك), وفيدرالية المزارعين الفرنسيين بزعامة الداعية المناهض للعولمة, جوزيه بوفيه, وأوساط واسعة من المهاجرين العرب والمسلمين في فرنسا.
وتعطي هذه المواقف الشعبية الرافضة لخيار الحرب ضد العراق, لصناع القرار الفرنسي, حرية الحركة والجرأة في طرح المواقف الفرنسية والإصرار على التمسك بها, بوجه الحليف الامريكي0وكانت الجلسة التي عقدها البرلمان الفرنسي قبل اقل من ثلاثة اشهر, خصيصا لمناقشة الاوضاع في العراق, اظهرت تطابق جميع الكتل البرلمانية, ما عدا اليمين المتطرف لانه غير ممثل في البرلمان, على رفض الخيار العسكري الامريكي لحل الازمة العراقية0 بل ان بعض احزاب المعارضة اليسارية كالحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي طالبا بان تستخدم فرنسا حق النقض (الفيتو) لأبطال اي مشروع بشن الحرب.
وظلت فرنسا متمسكة بالموقف الذي كان الرئيس جاك شيراك قد أعلن عنه في بداية تموز (يوليو) الماضي,ثم اعاد التأكيد عليه في مقابلته الشهيرة مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية, حيال أيجاد حل للمسألة العراقية. وتمثل الموقف الفرنسي برفض (تفرد) الولايات المتحدة بتوجيه (ضربة استباقية) ضد العراق, والتشديد على ضرورة الرجوع الى مجلس الأمن الدولي, باعتباره الجهة المرجعية الدولية الوحيدة المؤهلة للبت في شن الحرب. وكذلك, ظلت فرنسا تطالب باستصدار قرارين على مرحلتين, أي قرار يلزم العراق بقبول عودة غير مشروطة لمفتشي الأسلحة, وفي حال رفض العراق, أو ثبت عدم تعاونه معهم, فان على مجلس الأمن ان يجتمع من جديد لتقرير ما يراه مناسبا من إجراءات بحق العراق, بما في ذلك استخدام القوة المسلحة.
ومن اجل تأكيد هذه الثوابت والدفاع عنها, فان فرنسا خاضت, على حد تعبير كبار المعلقين الفرنسيين (معركة شرسة), في العلن مرة, وسرا داخل كواليس الأمم المتحدة, مرات عديدة. وشحذت الدبلوماسية الفرنسية كل ترسانة أسلحتها, قبل صدور القرار 1441, لجعل هذا القرار ملبيا, على الأقل, للحد الأدنى للمطالب الفرنسية. وشملت تلك الأسلحة, تنشيط المحور الفرنسي- الألماني, وتنسيق العلاقات مع روسيا والصين, والتوجه نحو الدول العربية لكسب دعمها, وتقوية الجبهة الداخلية الفرنسية, بحيث بدت الصحف الفرنسية, على اختلاف توجهاتها السياسية, تصور ما دار من مناورات, قبل صدور القرار1441 وكأنها معركة مصيرية, يتوقف على نتائجها, مستقبل فرنسا كلها, وليس مصير هذا الحزب السياسي أو ذاك. وكان من السهولة على المراقب ان يرى مدى اقتراب, أو في بعض الأحيان تطابق, ما تقوله افتتاحيات صحف اليسار واليمين, على السواء, فيما يخص انتقاد السياسية (التبسيطية) التي تنهجها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش.
وعندما صدر القرار 1441 من مجلس الأمن الدولي, اعتبرته فرنسا انتصارا لدبلوماسيتها. وأعادت الصحف الفرنسية المقربة من الأوساط الديغولية الحاكمة, الى الأذهان مواقف الرئيس الفرنسي الأسبق الجنرال ديغول, موحية بان (خليفته) الرئيس الحالي جاك شيراك, لم ينحن هو الآخر أمام الضغوط الأميركية, وها هو يحقق لفرنسا هيبتها الدولية وحريتها في اتخاذ القرارات الملائمة, في اصعب اللحظات.
وخلال خوضها لـ"معركة القرارات", حرصت فرنسا على السير في سياسة "إمساك العصا من الوسط". فقد ظل المسؤولون الفرنسيون يواصلون القول ان فرنسا لا يمكنها ان تمنح (شيك على بياض) للولايات المتحدة, لكن دون تأزيم العلاقات مع الولايات المتحدة ودفعها الى حافة الهاوية. ومن جهة أخرى, حرصت فرنسا على رفض خيار الحرب, ولكن مع التأكيد بأنها ستقبله, إذا صدر بشرعية دولية. وهذه المعركة, التي خاضت فرنسا مرحلتها الأولى, وما تزال تخوض مرحلتها الثانية, إنما خاضتها وتخوضها منفردة, تقريبا0فالاتحاد الأوربي, الذي تتصدره فرنسا, فشل كتكتل دولي كبير, في اول اختبار يواجهه. إذ لم تظهر دول الاتحاد موقفا موحدا حيال حل الازمة العراقية, بعد ان اتخذت بريطانيا موقفا مؤيدا بدون شروط, للولايات المتحدة, ووقفت المانيا ضد قرار شن الحرب على بغداد, حتى بموافقة من مجلس الامن, ووقفت ايطاليا واسبانيا مواقف مؤيدة للولايات المتحدة، وبموازاة هذه المواقف, واحيانا بالضد منها, فان فرنسا سلكت طريقا فيه من الخصوصية الشيء الكثير, وهي خصوصية تنبع من (خصوصية) فرنسا نفسها. فبالاضافة الى عضويتها الدائمة في مجلس الامن الدولي, وامتلاكها لحق النقض(الفيتو) الذي يعني, في نهاية المطاف, امكانيتها في التحكم بمجريات السياسة الدولية, وهي امكانية لا يمكن لفرنسا ان تفرط بها, باي حال من الاحوال, فان لفرنسا مصالح اقتصادية في العراق, قد لا تملكها دولة اوربية اخرى. وليس من باب (التطير) او ( المخاوف المجانية) ان تنشغل كبريات الصحف الفرنسية في مناقشة تصريح لأي معارض عراقي من انصار الولايات المتحدة, يقول فيه ان اي حكومة عراقية قادمة ستعيد النظر في الاتفاقيات التي وقعها العراق مع بعض الشركات النفطية, على ضوء مواقف حكومات هذه الشركات من قضية الاطاحة بالرئيس العراقي الحالي.
والخصوصية الفرنسية الاخرى هي وجود اكبر جالية عربية داخل فرنسا, تناهض في غالبيتها العظمى خيار الحرب ضد العراق. بالاضافة الى ذلك, فان فرنسا ترى ان منطقة الشرق الاوسط لا تتحمل اندلاع حربين, في آن واحد, أي الحرب الاسرائلية- الفلسطينية والحرب الامريكية المحتملة ضد بغداد. وترى باريس ان الجهود يجب ان تتركز في الوقت الحاضر على ايجاد مخرج سلمي لقضية النزاع الاسرائيلي- الفلسطيني. وكانت فرنسا سباقة في تاييد المبادرة السعودية التي طرحها نائب ولي العهد, الامير عبد الله اثناء انعقاد قمة بيروت الاخيرة. زد على ذلك كله, ان فرنسا تراودها مخاوف حقيقة من ان تساهم الحرب المحتملة ضد العراق, في حال نشوبها, على اذكاء نزعات التطرف والارهاب, التي يخشى الفرنسيون من انعاكاساتها في ساحتهم الداخلية.
لكن, ماذا بمقدور فرنسا ان تفعله, وقد صدر القرار1441 وها هم المفتشون الدوليون يمارسون مهماتهم داخل العراق؟
رسميا, تسعى فرنسا من اجل اعطاء المفتشين الدوليين فرصتهم الاخيرة, لكنها تدرك جيدا ان الولايات المتحدة ستستغل مجموعة الالغام التي تم وضعها بعناية داخل القرار1441 والاعتماد عليها لشن حرب ضد بغداد, ان لم يكن اليوم فغدا. وكل ما ستفعله فرنسا, وستصر عليه, هو ان تنشب الحرب, اذا كان لا بد لها ان تقع, بغطاء شرعي من مجلس الامن, اي ان تنشب الحرب بحضور فرنسي, وربما بمشاركة فرنسية, لان فرنسا لم تغلق جميع الابواب, وحرصت على ابقاء جميع الجسور قائمة للعبور عليها, متى رات ان عبورها اصبح لا بد منه. فقد اعلنت وزيرة الدفاع الفرنسية ماري اليوت الاسبوع الماضي, بان قرار المشاركة, او عدم المشاركة في الحرب ضد العراق هو, قرار سياسي يحدده الرئيس جاك شيراك, لكن الوزيرة الفرنسية اشارت الى "جاهزية" القوات الفرنسية.