موسى جعفر محمد
&
هناك عاملان رئيسيان كان لهما الأثر الأول والرئيس في تكوين رؤية الإمام الراحل السيد محمد الحسيني الشيرازي "قدس سره" عن مفهوم الدولة التي أفنى معظم عمره المديد الذي شمل سني القرن العشرين المنصرم كلها تقريباً، في العمل من اجل& إقامتها وتحقيقها كتجسيد وحقيقة واقعة على ارض العراق اولاً. العاملان كانا هما؛الإسلام اولاً، وتأريخ الكفاح البطولي للشعب العراقي ثانياً. ووفق ذلك نستطيع ان نقول واثقين، ولسنا في ذلك نكون متجاوزين على احد من العارفين من كون رؤية الإمام الراحل عن الدولة، كانت ذات أساس وجوهر إسلامي أصيل،& لكنها كذلك كانت عراقية الصورة والشكل واللون. تماماً كرز العنبر، فهو رز من حيث الجوهر ولكنه ذو طعم ورائحة تميزانه عن باقي الرز في العالم كله وتشيان عن عراقيته. بيئته ونشأته ودراسته وعقيدته (الإسلاميات) قد كونت لديه العامل الأول، الذي تجذر وترسخ وازداد قوة ووضوحاً، بعد ان تبوأ رحمه الله، مكانة المرجعية الدينية. وحيث ان الإسلام يعتبر خلاصة الفكرة الإلهية لغاية وهدف وجود الإنسان على هذه
الأرض؛ فان الدولة كانت هي البناء والكيان(الاقتصادي- الاجتماعي- والسياسي) الذي تميز به الإسلام عن باقي الأديان، هذا هو ما قاله وأكده الإمام الراحل في كتابه "أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة" حيث جاء في الصفحة الرابعة عشرة منه: إن للدين& المسيحي طبيعته ومبادئه الخاصة بأمور اخلاقية فحسب، ولرجال الكنيسة سلوكهم ومفاهيمهم التي لا تشتمل أمور الحياة، أما النبي محمد(ص) فقد فهم الدين فهماً شاملاً متكاملاً، وكونه أصولاً وأحكاماً موحاة إليه، وكونه نسيجاً واحداً يضمالأخلاق الخاصة والعامة، ويتناول حياة الفرد وحياة الأمة، وينسق العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى أن يقول رحمه الله: وله نظريته الخاصة في المال العام وميزانية الدولة، والمال الخاص المملوك للأفراد.. ويضيف وعلاقات الدولة الإسلامية بجيرانها من الدول على مختلف نظمها وأشكالها ولغاتها.وحيث أن أول قانون شرعه وأول عمل قام به رسول الله(ص) في عاصمته "يثرب" هو قانون المساواة وتحقيق العدالة الاجتماعية(المؤاخاة) التي لم تعرف البشرية لها مثيلاً لا قبلها ولا بعدها، وسيرأً على نهج الرسول وسنته؛ فأن الإمام الراحل كان يعتبر كلاً من العدالة الاجتماعية والمساواة هما الأساس الواجب أن تقوم وتبنى عليه الدولة المنشودة. ولذلك فأنك تستطيع أن تتلمس ذلك، من خلال تقديمه تلكما المسألتين على باقي المسائل عند حديثه ووصفه لدولة الرسول(ص) في المدينة، إذ قال وفي الصفحة الخامسة عشرة من نفس الكتاب المشار إليه آنفأ: وهناك شاهدان من التاريخ من ان الدين والمذهب ليسا فقط يؤثران تأثيراً في المجتمع والحياة بل نراه بشكل واقعي واضح للعيان يأتي بالقدرة ويشكل الحكومة العادلة، ومثل هذه الحكومة هي عين(الديانة) بل تعتبر(اصل الحياة) تلك الحكومة التي يقل نظيرها في تاريخ البشرية، فكانت تدير المجتمع بقوانين السماء العادلة وبأصول ديمقراطية صحيحة. الحكومة العادلة إذن وفق رؤية الإمام الراحل هي عين الديانة أي أنها هي الديانة نفسها، بل وأكثر من ذلك فهي تعتبر(اصل الحياة) وهو بهذا يؤكد ان لا حياة من دون حكومة عادلة، هذا هو جوهر وأساس العامل الإسلامي الذي كوّن الركن الأول من رؤية الإمام الراحل، لماهية الدولة التي دعا وعمل لأجلها.كما ان الدولة التي كان يريدها الإمام رحمه الله؛ هي دولة قانون لا دولة شريعة غاب تقوم على مبدأ القوة، وكما هو سائد حالياً في معظم دول العالم سواء بينها وبين شعوبها أو بين بعضها البعض، فالإمام الراحل يؤكد على أهمية سيادة القانون، حيث يورد نصاً لابن خلدون يستشهد فيه على ان الدولة التي أقامها الإسلام للعرب كانت دولة قانون على عكس حياة السلب والنهب التي كانوا يعيشون فيها قبل وجود الإسلام، فيقول في الصـفحة (21): بنت الأعراب من العصبية القبلية قوة اجتماعية ووحدة& متماسكة، وكانت فاقدة للقيادة والقانون فقط فجاء الإسلام بهذين السلاحين.والدولة التي أرادها الإمام الراحل هي دولة مؤسسة وفق الشريعة الإسلامية السمحاء، ولكن ليست على شاكلة الدول التي أقامها المسلمون قديمها وحديثها كدول بني أمية أو بني العباس أو آل عثمان، بل هي دولة تأخذ في الاعتبار التطور التاريخي وعلوم العصر الحديث، أي انه أرادها دولة عصرية حديثة تبنى على العلم والمعرفة فهو يقول وفي كتابه "كتاب الدولة الإسلامية" ج2الصفحة (23) منه: ولذا كان الأمر بحاجة إلى استنباط فقه من الأدلة الأربعة يكون فقه الحاكم وفقه الأمة في حال واحد مع الأخذ بعين الاعتبار لدى التطور الحاصل في العالم الحاضر بسبب الأنظمة المتقدمة والتكنولوجيا.وللمرأة دور فاعل وبارز ورئيس كما لها شأن كبير في بناء الدولة التي عمل لأجلها فهو وفي نفس كتابه أعلاه، وفي الصفحة (104) منه يقول رحمه الله: من اللازم على الدولة الإسلامية والتيار الإسلامي قبلها مراعاة حال المرأة فأنها نصف المجتمع، نصفاً عرفياً لا نصفاً هندسياً، ثم يضيف بعد ذلك فيقول: واهتم الإسلام بها كمااهتم& بالرجل.
ولكون الإمام الراحل ولد من اسرة عراقية عريقة وفي خضم الإحداث الكبيرة والجسام التي حصلت في العراق الحديث ومنذ بداية القرن العشرين المنصرم، والتي كان لأسرته الدور القيادي والفعال في حصولها ومن بعد رسم وتحديد مساراتها، ومن بين أول واهم تلك الإحداث على الإطلاق حدثان حيث الثاني هو نتاج الأول، والحدثان هما؛ ثورة العشرين الوطنية الكبرى، وتأسيس الدولة العراقية الحديثة، وكما صار لهذين الحدثان التأثير الكبير والرئيس في خط مسار تاريخ العراق الحديث كله، فأنهما كذلك كانا المصدرين الرئيسيّين اللذين أقاما الركن الثاني من أركان رؤية الإمام الراحل لماهية الدولة التي سعى من اجل إقامتها، ذلك ما يمكن ان نسميه ان حق لنا ذلك بالركن العراقي في بناء رؤية الإمام رحمه الله.
وكما ان العدالة كانت هي لب الركن الإسلامي في رؤية الإمام للدولة فأن الحرية كانت هي لب الركن العراقي لتلك الرؤية.فهو بسبب كرهه الفطري الإنساني والعقلي العقائدي للظلم والظالمين أينما كانوا وحيثما كانوا قديمهم وحديثهم ومعاصرهم، فلقد جاءت الحرية في مقدمة كل ما كتب عنه بشأن الدولة بصورة عامة أو عن العراق بصورة خاصة، فهو يقول في كتابه (العراق.. ماضيه ومستقبله) وفي الصفحة العاشرة منه: إن من اهم العوامل التي ساعدت الغربيين في السيطرة على العراق المسلم هي إزالة الركائز الأساسية للحرية، ووفق هذه الرؤية فأن هناك قواعد وركائز في المجتمع العراقي لعبت قديماً دوراً رئيسياً في وجود الحرية والتوازن والتنافس الحر في ذلك المجتمع، حيث يقول رحمه الله في الصفحة 21من كتابه المشار إليه أعلاه: ولذا نستطيع ان نقول ان مراكز القوةفي العراق كانت متعددة ولم تكن تجتمع بيد واحدة، الأمر الذي يسبب الاستبداد والفوضى وانعدام الأمن وتزايد الإرهاب والفقر وغير ذلك من مساوئ الاستبداد. ثم يعدّد سماحته رحمه الله هذه القوى فيقول:
1-&قوة المراجع و الحوزات العلمية وهي تمثل سلطة روحية ودينية على الشعب والدولة.
2-&قوة الأحزاب السياسية وكانت تمثل قوة الأعلام والجماهير.
3-&قوة العشائر وكانت تمثل قوة الشعب العسكرية لأنها كانت مسلحة.
4-&قوة الدولة لأنها تمثل قوة القانون.
ثم يبين الإمام ميزات الدولة ذات الحكم التعددي والديمقراطي فيقول: ومن الواضح ان الدولة التي تشهد تعدد القوى والقدرات بشكل واقعي وصحيح ترفل في أفضل أوضاع سياسية واجتماعية حرة.وفي كتابه (حكم الإسلام بعد نجاة العراق وأفغانستان) يؤكد رحمه الله على دورالأحزاب والنقابات فيقول وفي الصفحة (20) منه: ان وجود الأحزاب الحرة والنقابات والجمعيات يعتبر من أهم أسس ازدهار البلاد، وهو لا يدعو الى دولة تؤمّن حرية الناس فقط، بل وحرية الاقتصاد وأوله التجارة أيضاً، فتراه يقول في الصفحة (32) من نفس الكتاب& أعلاه: يقتضي عند قيام الحكومة الإسلامية القادمة جعل التجارة حرة غير مقيدة. وتعتبر الديمقراطية في دولة الإمام المنشودة هي صمام الأمان للناس والوطن حيث يقول في الصفحة (25) من كتابه (الشورى في الإسلام) ما نصه: ان الاستشارية (الديمقراطية) سواء كانت في الحكومات الزمنية مما تسمى بالديمقراطية أو في الحكومة الإسلامية هي صمام الأمان.
واخيراً فأن الإمام الراحل رحمه الله يرى ان العراق هو وطن يشترك فيه الكرد والتركمان سواء بسواء مع إخوانهم العرب، ولهم نفس الحقوق والواجبات حيث يقول سماحته في الصفحة (52) من كتابه المعنون (إلى المجاهدين في العراق) ما نصه: للأكراد والتركمان وأمثالهم كامل الحق في المشاركة القادمة، وقبل ان ننهي مقالتنا هذه لابد لنا من إشارة مهمة وهي ان الإمام الراحل كان يريد الدولة القادمة، دولة مسالمة، تعيش وفق مبادئ القانون الدولي مع دول العالم كافة ووفق مبدأ حسن الجوار مع جيرانها كافة ايضاً، فهو يؤكد على ذلك في الصفحة (53) من الكتاب المشار إليه آنفاً فيقول رحمه الله: ينبغي ان تتخذ الدولة القادمة سياسة (المعاهدة) أو(المصادقة) مع سائر الدول.
&
*مركز الإمام الشيرازي للبحوث والدراسات/ مؤسسة الإمام الشيرازي العالمية.