قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

نزار آغري
&
يشهد الوسط الثقافي الكردي انتشاراً واسعاً في وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية. ويضاف إلى ذلك، في الفترة الأخيرة، كم هائل من المواقع الكردية على شبكة الإنترنيت. ولا شك في أن هذا علامة على السعي للتعويض عمّا إنصرم من زمن طويل لاذ فيه الأكراد بالصمت مكرهين. فقد دأبت الحكومات المسيطرة على أجزاء كردستان في إنتهاج سياسية صارمة تقضي بمنع الأكراد من التعبير عن مكنوناتهم ومحاولة إيصال صوتهم إلى الآخرين.
ينتبه المراقب الحيادي إلى واقع صارخ يتمثل في أنّ الغالبية العظمى من قنوات الثقافة الكردية ووسائل إعلامها إنما ترتبط بأحزاب سياسية. وتنظر هذه الأحزاب إلى وسائل الثقافة والإعلام بوصفها أدوات للدعاية. ولا يستطيع المراقب أن يغفل تشابه الذهنية التي تتحكم في رؤية وسلوك هذه الأحزاب مع الذهنية المهيمنة لدى الحكومات غير الديمقراطية التي تحجب عن الأكراد حريتهم وحيث& تسود الأيديولوجيات القومية أو الدينية أو العسكرتارية التي تنظر إلى الثقافة والفنون كتابع للسياسة وملحق بها. وكل فعالية ثقافية وفكرية تقولب وفق متطلبات الدعاية. ولهذا يسود التمويه والحجب أكثر من الإفشاء والكشف.
المالكون بزمام وسائل الإعلام الكردية، وهم عادةً رجالات الحزب، الذين غالباً ما تكون ثقافتهم أحادية الجانب وسطحية، يعاملون المثقفين والكتاب من منظور إسداء الخدمة الدعائية. وهم يتقرّبون ممن يقبل بالتحول إلى داعية ومعظّم ومفخّم ومادح ويبتعدون عمن تظهر عليه علامات الرفض أو الإختلاف. وقد نشأت، من جراء ذلك، ظاهرة الكتبة الوظيفيين الذين يسخرون ما عندهم من مؤهلات فكرية وثقافية، إن وجدت، للصياح مدحاً وإطناباً. وهم بهذا يقزّمون قيمة الثقافة ويجعلون منها بطاقة دخول إلى حلبة الإعلام الحزبي بغية التمتع ببعض الإمتيازات. ويتسابق هؤلاء من أجل كسب ودّ المالكين للقنوات. ويتكرس سلوك ذيلي يظهر فيه المثقف بمثابة رقم بائس في كورس ضخم. وتتعمم لغة واثقة من نفسها تنشر المبالغة بكلمات منمّقة ولكن فارغة من كل معنى فعلي. ويكون الإنتباه مشدوداً طوال الوقت إلى السعي لإشباع الأنا المتضخمة للزعيم، أما الشؤون الأخرى، بما فيها مصير الناس والوطن والحرية، فتبقى تفاصيل صغيرة لا أهمية لها.
ورغم أن الإعلام الكردي يعلن أنه ساعٍ في أثر الحرية وماضٍ في طريق رفع الضيم عن الأكراد وإزالة القيود التي تكبّل طموحهم في نشدان ما يتوقون إليه فإن الواقع يبين في التطبيق العملي أنه، أي هذا الإعلان، يحمل في داخله من القيود ما هي أكبر من تلك التي يدعو إلى محاربتها.
&إن مجرد التصرف تبعاً للنظرة الفوقية للزعيم أو حزبه يقضي على كل فسحة للحرية. فالفكر الذي يتقوقع في شخص أو في جهة يتحول إلى منظومة ثابتة من القوالب الجاهزة التي تمنع النقد. هو فكر يزعم امتلاك الحقيقة كاملةً. والحقيقة هذه تتجسد في الزعيم وحزبه.&
&
&في مثل هذا المناخ تتضاءل الثقافة لتصير حزمة من الوصفات المختصرة تنتشر في هيئة أحكام وشعارات. وتتحدد بشكل نهائي وجازم معاني الوفاء والوطنية والإلتزام مع ما يقابلها من معاني الخيانة والجبن والالتزام. وتحصل الثقافة نفسها على تعريف خاص بها يجد صياغته في أيدي كتاب الحزب ودعائييه. وسمة هذا الثقافة أنها مغلقة لا مجال للإبداع فيها. هي ثقافة أجوبة جاهزة. ثقافة استماع وتلقين. ثقافة تطرد الأسئلة والنقد خارجاً. وعلى صورة هذه الثقافة ينشأ المثقف: آلة مطيعة& توزع الإتهامات يميناً وشمالاً وترسم الزعيم في هيئة عبقري لا يطال نبوغه أحد. ويتأسس فضاء من الرموز والصور والمحرمات تؤلف حبلاً محكماً يضيق الخناق على الفكر ويمنعه من الحركة. وتتحدد علاقة الناس مع هذه الرموز والمحرمات من خلال تربية تحض على الطاعة والولاء والعبادة والتقديس. أما الذين يرفضون الانخراط في دائرة كهذه فيرسمون كخونة ومنشقين بحيث يصير ممكناً، بل ومرغوباً، تصفيتهم ليس فكرياً وحسب بل جسدياً أيضاً، إن أمكن.
إن الأحزاب الكردية هي التي تسيطر على وسائل الإعلان وقنوات نشر الثقافة الكردية. وتجند هذه الأحزاب موارد وإمكانيات وافرة من أجل إحتكار تلك الوسائل وتسخيرها لنشر دعوتها. ويجري من ضمن ذلك جر المثقفين إلى حظيرتها من خلال شراء ذممهم. وبالمقابل فإن أعداداً متزايدة من القوالين والمتصنعين وأشباه المتعلمين والكتبة يتسابقون للوصول إلى قنوات الإعلام تلك وإسداء خدماتهم لها. وفي ظل مناخ يفتقد إلى الثقافة الجادة والمواهب الأصيلة يطفو على السطح مثقفون مزيفون من كل صنف ولون. ولا يهم هؤلاء أمر الثقافة وجوهرها في شيء فغايتهم استعراض ذواتهم وإبراز وجوههم وقاماتهم. ويتحول الجميع إلى ما يشبه فرقة من المنشدين في موكب مدائحي قل نظيره. ويبقى& كسب ود الزعيم والحصول على فيض من كرمه وكرم الحزب غاية الغايات. وتظهر إلى الملأ ثقافة قوامها التملق الفج والمدح المجاني وتحويل الأكاذيب إلى حقائق. ويجري التستر على كل ذلك بالشعارات والصرخات والشتائم. وينصب جهد المثقف لا على البحث والنقد والفحص بل على دفع آلة استمرار الوضع الراهن لأن ذلك يصب في خدمته.
&
الحرية، تعريفاً، هي حرية الآخر في أن يقول رأيه الذي يختلف عن رأينا. وتفقد الحرية معناها حين تمنح للآراء التي نرضى عنها وحسب. الحرية، بداهة،حرية فردية. وليست هناك في الواقع حرية جمعية. والدعوة إلى رفع القيود عن الجماعات (الشعوب، الإثنيات، الطوائف، الأقليات.........إلخ) لإظهار هوياتها دون عائق لا تعني إلغاء الحريات الذاتية للأفراد المنضوين في هذه الجماعات. وحق تقرير المصير لشعب معين هو محصلة حقوق الأفراد المنتمين لهذا الشعب. إن الديماغوجيا المضللة وحدها والمتسترة بمقولات الأمة والسيادة والقضية والنضال والفترة التاريخية الحرجة وما شابه هي التي تشطب حرية الأفراد لصالح حرية غامضة لا قوام لها على أرض الواقع. والحال أن الجهات الشعبوية، المخادعة هي التي تلح على حرية كهذه. ويقود هذا الأمر إلى حالات يزعم فيها شخص واحد تجسيد رغبات شعب بكامله أو أمة من دون نقصان. ويُرسم أفراد الجماعة كما لو كانوا كتلة واحدة لا فروق فيها. ولعل النموذج البارز، ولكن المضحك، لهذه الحالة هو ذلك الذي يجسده سلوك دكتاتور العراق صدام حسين. ألم يعلن أن الشعب العراقي أعاد إنتخابه بنسبة 100%؟ وفي الحالة الكردية تهيئ العقلية الحزبية نماذج واضحة لذلك. فالحزب يرسم في هيئة المرآة التي يجد الشعب كله صورته فيها. أما الزعيم فهو تجسيد لهذا الشعب وخلاصة للأمة.& يقول أنصار حزب العمال الكردستاني أن مصادرة حرية آبو هي مصادرة لحرية الشعب الكردي كله. ومثل هذا القول، ويوجد منه الكثير، يعد إهانة للحس السليم فضلاً عن أنه يمثل تعدياً مكشوفاً على حرية أعداد هائلة من الأفراد في المجتمع الكردي. ولا شك أن عدد كبيراً من الأكراد يؤيدون آبو ويعتبرونه زعيماً له. إلا أن هؤلاء لا يشكلون إلا نسبة ضئيلة من مجموع السكان الأكراد.ولنفترض أن هؤلاء يؤلفون 10% من الناس ويعني هذا أن رأي 90% يتعرض للإنتهاك والتزييف والمصادرة. إن تعميم الروح الجماعية يقود إلى التبشير بمجتمع قطيعي يتشابه أفراده وتتماثل شخصياته ويتحولون إلى كم رقمي. ويصير هذا الكم، بمرور الأيام، جمهوراً سلبياً تقوم وظيفته في التصفيق وترديد الأغاني. وفي صفوف هذا الجمهور يتأسس الفكر القومي الذي يتغذى بالبلاغة والإنشاء العاطفي والشعارات.
إن الفرد ينزل درجات في سلم التفكير حين يذوب في صفوف الجمهور ويصير محركه الغريزة والعاطفة وليس الثقافة والمحاججة. وهو يغدو في هيئة الجماعات البدائية وحماستها وضراوتها. والجمهور أدنى مرتبة في سلوكها وتفكيرها من الإنسان المفرد.
يعتمد الجمهور على الصور الإيحائية والرموز المثيرة والخطابات المحرضة. وهو يكره التفكير النقدي ويتجنب السجال مفضلاً الشتم أو المدح في هيئة منفعلة. ووسط هذا الجمهور يتحول المثقفون إلى مستكتبين يبشرون بمستقبل واعد، ولكن كاذب، في أكثر الحالات، بعيداً عن أي سعي في البحث والتمحيص. إن الروح الجماعية التي يتم الترويج لها تقود إلى التسلط وتقتل الرغبات الفردية. ولا يقوم التسلط في الحيلولة دون الكلام وحسب بل هو يكمن أساساً في فرض نوعٍ معينٍ من الكلام، وأما ما يزيد عن ذلك فيغدو بمثابة ترف فكري لا حاجة له. وفي هذا المناخ يغدو قمع الرأي المخالف، بدعوى أنه يشكل خطورة على الشعب والقضية، أمراً عادياً لا يثير استغراب، دع عنك استنكار أحد. وتكمن الخطوة الأولى على طريق هذا القمع في تجريد الآخر، المخالف، من صفاته الإنسانية وتلخيص وجوده في بضعة أحكام. إن طغيان التعصب (الحزبي المستتر برداء القومية) يقود إلى اختزال البشر والثقافة والتاريخ جميعاً. ويؤدي ذلك إلى تراكم نوازع الإحتقان وإمكانية الإنزلاق إلى الممارسات التي تقترفها الحكومات غير الديمقراطية بحق أفراد مجتمعاتها تحت ذرائع شتى. ومن يقبل بقمع فرد اليوم سوف يعتبر القمع
العام، غداً، شيء طبيعياً. والتزييف الذي ينشره الإنتهازيون قد يتحول مع الأيام إلى "حقيقة" يصعب تفنيدها. وسيتعذر التغلب على سطوة الرموز والصور التي يجري الحديث عنها بعبارات طنانة. وقد يكون من المستحيل نزع النقاب عن شخص يزعم احترام الكلمة وحرية الفكر وهو مدفوع إلى الكتابة بالحقد والنميمة والسعي في ترويج الإشاعات.
لحسن الحظ أن الحال ليس على هذا النحو القاتم في الفضاء الثقافي الكردي. ورغم استمرار عقلية احتكار الرأي وإقصاء الآخر وتفشي الروح الحزبية فإن أصواتاً جديدة متزايدة تبدأ تعلو مطالبة بفسحات أكبر من الحرية. وتتعمق يوماً بعد يوم القناعة في أن دور المثقف الحقيقي يكمن في طرح التساؤلات وهتك المخفيات والتشكيك في اليقينيات الثابتة. كذلك يشرع الناس في إدراك أن المجتمع ليس سياسة واحدة بل هو سياسات وأفكار متعددة وأنه لا يمكن لجماعة واحدة، أياً كانت، أن تحتكر المجتمع وتزعم قيادته دون الآخرين. وليس من شك في أن تعدد وسائل الإعلام وتنوعه وكذلك نمو الفاعلية الثقافية سوف يسهم في ترسيخ هذه الخلاصة وتفتيت القيود التي تكبل المثقف الكردي وتكمم فمه وتصادر صوته وتجعله نسخة مكررة من ملايين النسخ
&البراقة ، العديمة النفع.