قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

د. فيصل الملا عبدالله
&
ستظل محنة النخب الأكاديمية من أهل الثقافة والفكر في عالمنا العربي مثارا لجدل يدور بلا توقف. وسوف تبقي المشكلة كما هي ان لم ينظر إليها بوصفها مشكلة بنية مجتمع كامل، وقضية مصير أمة ومستقبلها. لا شك ان الكثيرين منا قد لاحظوا كثرة عدد الأكاديميين في عالمنا العربي والمتميزين منهم بالذات سواء، وذوي التخصصات المختلفة من اقتصادية وتربوية وأدبية وعلمية.. الذين يواجهون تجاهلاً مقصودا من المجتمع. ولست أشير بذلك الموضوع محنة الأكاديميين العرب بمعناه الشائع المعروف. وان كان لما أريد أن أتحدث عنه علاقة بهذا الموضوع، إلا انني أريد أن أتحدث عنه من زاوية معينة، تخرج بنا قليلا أم كثيرا عن شكلة محنة الأكاديميين العرب بمعناه الشائع. فمحنة تجاهل المجتمع للأكاديميين والنخب العلمية مؤلمة، ومن المؤسف إنها تشكل جانبا من أكبر جوانب أزمة العالم العربي وعقبة من عقبات تقدمه. فالخسارة هنا مادية وعلمية. لأن المجتمع حين يفقد واحدا من هذه النوعية من أبنائه من خلال التجاهل والتهميش، يخسر مرتين، يخسر مرة بالمعني المالي البحت، لأن المجتمع يكون قد أنفق علي هذا الابن مبالغ كبيرة من المال من أجل تعليمه وتأهيله في أفضل الجامعات العربية والأجنبية سواء في الداخل أو الخارج. ويخسر مرة أخري بمعني أكبر من المعني المالي، وهو أن العلم الذي تعلمه هذا الابن لا يستفاد منه في الارتقاء بمستوي وطنه، كالحديقة التي كلما أينعت فيها زهرة، لم يأت شخص لقطفها والاستفادة منها فتذبل وتموت. من ذا الذي يختلف علي ان فئة الأكاديميين تملك قدرة كبيرة علي الإسهام في مختلف جوانب الحياة المجتمعية لما تتمع به من ثقافة ومعرفة واهتمام بالعمل العلمي والبحثي، فهذه الفئة - ان صح القول - هم ضمير الأمة وقدوتها الصالحة.. ان فئة الأكاديميين هم القاطرة التي تقود قطار الحضارة العلمية وتمضي به إلي المستقبل، فهم الصفوة من العلماء والمفكرين والمبدعين الذين يقومون بعملية ترشيد الإنسان وتكوينه عقليا ووجدانيا. لذا، فان جوهر المحنة التي يدور حولها الجدل هو تجاهل وتهميش هذه الفئة النخبوية. والغريب ان كثيرا من مجتمعاتنا العربية لا تدرك قيمة الأكاديميين، حتي ولو كانت في أشد الحاجة إلي كفاءتهم وخبرتهم.. بينما في المجتمعات الغربية، فانها تفتح لهم أبوابها.. وتجري وراءهم.. وتقدم لهم الإغراءات.. وتتولاهم بالدعم المادي والمعنوي، ذلك انها تعلم ان هذه الفئة تضيف إلي المجتمع والمنظومة المجتمعية الشيء الكثير، فإذا أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية، علي سبيل المثال، نجد انها في مؤسستها صارت تزهو وتهتم بان تذكر ان عدد الأعضاء الملتحقين بمؤسساتها أصبح يبلغ كذا في المائة من العلماء الأكاديميين. وما دمنا تعرضنا لقضية الأكاديميين العرب، فلا بد من القول انه إذا كان اللوم أحيانا يقع علي المجتمعات العربية لتجاهلها لهذه الفئة من أبنائها، فان اللوم في أحيان أخري يقع علي عاتق الأكاديمي نفسه، حين يكون الهدف الأسمي من مهنته هو الحصول علي المؤهل أو الدرجة العلمية فقط.. ليتوقف العمل والعطاء بعدها عند هذا الحد.. بدلا من الاستمرار في نشر علمه ومعرفته رغم ازدحام الساحة المجتمعية بالآخرين. فهناك مجموعة من الأكاديميين العرب ممن استطاعوا تسخير معرفتهم وعلمهم في سبيل خدمة المجتمع.. وهناك آخرون ممن اكتفوا بالتدريس وظيفة ومهنة وفرضوا علي أنفسهم ستاراً من العزلة والانكماش. ومما لا شك فيه، ان معظم الأكاديميين، من أهل الفكر والرأي والعلم والخبرة، موجودون في بلادهم.. ولكن علي الرغم من وجودهم في بلادهم، لا يعني دائما الاستفادة منهم. وبالتالي فالصورة العامة لهم في معظم مجتمعاتنا العربية، اما السخط والشعور بالإحباط، وإما الإصابة بعدوي الأمراض الاجتماعية الشائعة في مجتمعاتهم، فهم لا يستفيدون من علمهم ولا يفيدون، وإما ان يلجأوا إلي نوع من الهروب... هو الهروب الداخلي، والانغلاق علي أنفسهم. فهم موجودون في مجتمعاتهم وغير موجودين. موجودون بأجسامهم وبعملهم الروتيني اليومي ومشاكل حياتهم اليومية الصغيرة، ولكنهم غير موجودين بعقولهم ولا بقدراتهم وطاقاتهم الحقيقية. متفرجون سلبيون. يرون الأحداث تجري أمامهم، ولكنهم عاجزون عن المحاولة أو إبداء الرأي. ونظرا إلي الوضع الراهن في وطننا العربي، فان الأكاديميين بصفتهم فئة مثقفة ينقصهم الحضور والتواجد علي الساحة المجتمعية نتيجة التقاليد الثقافية العربية التي لا تعطي للقيمة المعرفية والعلمية ولمن يمثلونها الاحترام المناسب، وعلي الرغم من ان في هذا كثيرا من التعميم، إلا انه يصف في ما يخص مجتمعنا العربي وصفاً جيداً لمكانه الأكاديميين. أن الأكاديمي العربي يتطلع الي أن يكون له اعتبار خارج موقعه الوظيفي - التدريس الجامعي - فهو يريد لمعرفته أن تكتسب مكانة خارج سياقها، وان تحصل علي اعتبار خارجي، إذ يشكل هذا الاعتبار الخارجي عوامل لتعزيز موقعه الأكاديمي والاجتماعي في مجتمعه، تأصيلا لمنظور ان علي الأكاديمي ان يضع نفسه ومعرفته رهن الصالح العام ، بحيث تعبأ قدراته الفكرية وإبداعاته العلمية من أجل خدمة المجتمع. ان العلاقة بين الأكاديميين والمجتمع في البلاد العربية بوجه عام علاقة يحكمها الشك، وعدم الثقة، علي الأقل.. أحيانا يحكمها التناقض والعداء.. وفي تقديري ان هذه العلاقة القلقة تنطوي علي خسارة كبيرة للمجتمع، فوق إنها تخلق مناخا عاما إن لم يكن هو المسئول عن مشكلة محنة النخب الأكاديمية، فهو يتسبب علي الأقل في جانب منها.. ليس هذا فحسب، بل ان الأكاديميين المبدعين في كل بلد عربي علي حدة، لا يستطيعون ان يوصلوا أصواتهم إلي المجتمع، إذ لا يعبر صوتهم إلي مسامع أبناء المجتمع العرب... ومن ثم أصبح فكر ومعرفة الأكاديميين مقتصرا علي نطاق المؤسسات التعليمية.. وليس المقصود في هذا السياق بالتأكيد بإدارة النخب الأكاديمية للمجتمعات، فإدارة المجتمعات بمعناه القيادي، أمور لها مواصفات لا تتوفر عادة في النخب الأكاديمية، إنما المطروح هو إقامة علاقة تعاونية بين الطرفين، المجتمع والنخب الأكاديمية. ان الأكاديمي لديه القدرة والكفاءة، لكي يفكر في المشكلات التي تعترض جوانب المجتمع، فهو عنصر مهم في إنارة الطريق، واستكشاف شتي جوانب المشكلة، والتفرع للنظر إلي الأمور في مداها البعيد.. قديما كانت المشكلات التي تواجه المجتمعات أبسط مما هي عليه الآن بكثير، كانت المشكلات قليلة وبسيطة نسبيا، ولكن مع التقدم الهائل والسريع في كافة مجالات الحياة، صارت المشكلات التي تواجه المجتمعات مثيرة ومتشعبة ومعقدة إلي آخر الحدود. فالقائمون علي هذه المجتمعات صار مستحيلا عليهم ان يحلّوا جميع المشكلات في كل المجالات، لأم كثيرا من هذه المشكلات التي تعترض المجتمعات متشعبة ومعقدة وتحتاج إلي المنهج العلمي في سبيل حلها، الأمر الذي يجعل الاستعانة بالنخب الأكاديمية والعلمية المتخصصة أمراً ضروريا، فإذا أخذنا نموذج الدول الغربية، نجد ان السلطة في المجتمع، إلي جانب الجهاز الإداري التابع لها، تسعي إلي الاستعانة بالكثير من العلماء الأكاديميين بوجه عام سواء كمستشارين أو مساعدين، شيء عظيم ان يلتقي أصحاب العلم والمعرفة مع أصحاب السلطة.. خاصة ان التقارب بينهما عبر التاريخ كان دائما محدودا وتحوطه الأخطار. ومن هنا نستطيع القول بأن التنمية في عالمنا العربي لا تنفصل عن النهضة العلمية والثقافية التي يفترض ان يقودها المثقفون بصفة عامة والأكاديميون بصفة خاصة، إذ ان حدود تقدم ورقي المجتمعات ترسم وفقا لما بلغه المثقف والأكاديمي من مكانة وقيمة في المجتمع.. وان لقاء المعرفة والثقافة مع السلطة ليس مستحيلا، وهنا تقول.. المحنة إذاً.. ليست محنة الأكاديميين أو النخب الأكاديمية، ولكنها محنة المجتمع بأكمله. (عن "الايام" البحرينية)