قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ليث الحمداني&
&
مشكلتنا نحن العرب أننا نحب استخدام المفردات الكبيرة، حبنا للشعارات الرنانة غير القابلة للتطبيق.. وأيضا نحب التكرار والإعادة مؤكدين للآخر بأننا شعوب لا تحترم الزمن.& هذه المقدمة أجدها ضرورية قبل الحديث عن المؤتمر المرتقب لوزراء الصناعة العرب الذي سيعقد في العاصمة الأردنية في الثالث والعشرين من الشهر الجاري ليناقش - كما نشر - استراتيجية النهوض بالصناعة في العالم العربي. وما أكثر ما يستخدم العرب كلمة "استراتيجية"!!
لو عدنا سنوات إلى الوراء، وتحديدا إلى حقبة السبعينات والثمانينات، لوجدنا من خلال (أوراق العمل) و (الوثائق) المقدمة لمؤتمرات وزراء الصناعة العرب أن عدد الاستراتيجيات التي نوقشت في تلك المؤتمرات تكفي لإحداث ثورة صناعية عربية، لو أخذ بها أو نفذت فعلا. ولكن الذي حصل أن تلك الاستراتيجيات الورقية نامت في الأدراج رغم كل الجهود التي بذلت في إعدادها.
لقد عاصرت كصحفي أغلب مؤتمرات وزراء الصناعة العرب بحكم عملي في مجلات متخصصة حتى عام 1990، وساهمت في تغطية عدد منها بشكل مباشر. وأسوق هنا مثالا يعود تاريخه إلى حقبة السبعينات لتأكيد ما ذكرته في المقدمة. أذكر أن لجنة صياغة توصيات مؤتمر وزراء الصناعة العرب التي تضم عادة المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الصناعية (التي تحولت من مركز إلى منظمة في تلك السنوات) وعدد من خبرائها، دخلت طريقا مسدودا حين اعترض أحد وزراء الصناعة (الثوريين) على عبارة (التنسيق الصناعي العربي)، وقال إن هذا النص عفا عليه الزمن، ونحن الآن نؤكد على (التكامل الصناعي العربي)، فيما كان اثنان من الوزراء الذين يمثلون (الدول المحافظة) - كما كانوا يسمونها - يريان أن عبارة (التنسيق الصناعي) أكثر واقعية من (التكامل الصناعي) في تلك المرحلة على الأقل. وقد وافق هذان أخيرا والتزما قرار (الجماعة) التي دعت إلى (التكامل) انبهارا بالكلمة لا بإمكانية تنفيذها واقعيا، وسيطرت تلك المفردة على أدبيات المؤتمرات الصناعية منذ ذلك الحين!!
الآن، وبعد أكثر من ثلاثين سنة، أجد أن من الإنصاف القول إن د. غازي القصيبي والسيد يوسف الشيراوي وزيري صناعة المملكة العربية السعودية والبحرين كانا على صواب حين طالبا باعتماد (التنسيق) رغم أننا لم نحقق (التنسيق) ولم نخطُ على طريق (التكامل)، فقد تناثرت الصناعات المتشابهة في الدول العربية، وحفظت كل (الاستراتيجيات) التي نوقشت في أدراج المنظمة المكلفة بمتابعة تنفيذ قرارات وتوصيات وزراء الصناعة العرب، وأعني بها (المنظمة العربية للتنمية الصناعية) التي عانت هي الأخرى من أمراض شتى رافقتها منذ عملية تحويلها من (مركز) إلى (منظمة) بقرار من وزراء الصناعة العرب.. ويقف في مقدمة تلك الأمراض (فقر الدم)، فأغلب الدول العربية كانت تماطل حتى التسعينات في تسديد مستحقاتها في ميزانية المنظمة، والدول العربية الخليجية أسبحت تتعامل معها من باب (إسقاط الفرض)، بعد أن حلت (منظمة الخليج للاستشارات الصناعية) بديلا عنها بطريقة أو بأخرى، ولا أريد الخوض هنا في تفاصيل عمليات (حصص الموظفين) من الدول، وكيفية ترشيح هؤلاء الموظفين، فهي الأخرى أمراض مزمنة ظلت المنظمة تعاني منها حتى التسعينات حين غابت كغيرها من منظمات العمل العربي المشترك عن واجهة الأحداث بعد كارثة احتلال صدام حسين للكويت وانحسار العمل العربي المشترك.
إن أسباب تدهور العمل العربي المشترك لم تعد خافية على أحد، وأغلبها أسباب سياسية، إذ لا يمكن تنفيذ أية خطوات عملية دون قرار سياسي، والقرار السياسي محكوم بالعلاقات الثنائية العربية. وهكذا.. كما أن آليات هذا العمل - وأعني بها (المنظمات العربية) - تأثرت هي الأخرى بتلك الأسباب تأثرا مباشرا سواء من حيث حجم التنفيذ أو المتابعة أو من حيث ترشيح الحكومات للعاملين في جهازها التنفيذي والذي ظل محكوما إما بـ (الولاء) أو (العلاقات)، مما حرم هذه المنظمات من كفاءات كوادر عربية كان يمكن أن تقدم لها إسهامات أكثر عمقا وفائدة.
إن عودة سريعة إلى وثائق مؤتمرات وزراء الصناعة العرب ستوصلنا إلى أن العمل العربي المشترك في المجال الصناعي مثله مثل غيره في مختلف المجالات لم يحقق تقدما يتناسب مع (المفردات) التي تستخدم في مؤتمراته واجتماعاته.. وإلا فما معنى أن يناقش مؤتمر عمان - كما نشر في الأخبار - قضايا من قبل (مشروع استراتيجية للنهوض بالصناعة في العالم العربي) و(آليات تفعيل العمل الصناعي العربي المشترك) و (البعد التكاملي للصناعات العربية) بعد عقدين من مناقشة (الاستراتيجيات) والإصرار على (التكامل بدل التنسيق)؟ أليس هذا دليلا على إصرارنا كعرب على البقاء في أسر (المفردات الكبيرة)؟ وهل من المعقول أن نظل - ومنذ السبعينات - (نعيد) و (نكرر) أنفسنا دون أن نهتدي إلى الطريق الصحيح؟
إن الصناعة العربية التي تواجه إجراءات العولمة وما سيترتب عليها بالنسبة للأسواق، بحاجة إلى مؤتمر برؤية جديدة واقعية ونقدية تضع النقاط على الحروف وتؤشر للعرب حقيقة اتجاه صناعاتهم ومستقبلها، لا مؤتمرات تدور حول الكلمات الكبيرة، وتجامل هذا الوزير أو ذاك على حساب الحقيقة.. مؤتمر يراجع كل ما كتب ولم ينفذ ليكتشف بنفسه أن عصر (المفردات الكبيرة) قد انتهى وبدأ عصر جديد لا يمكن التعامل معه بأسلوب السبعينات والثمانينات.
صحفي عراقي - كندا
[email protected]