قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله
&
لعل أخطر ما ورد في البيان السياسي الصادر عن مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد اخيراً في لندن، تلك العبارة التي تشير الى "الغالبية الشيعية" في اطار الحديث عن ممارسات النظام العراقي في السنوات الـ 03 الاخيرة.
صحيح ان مضمون الفقرة المتعلقة بالشيعة العراقيين خفف قبل صدور البيان بصيغته النهائية، لكن مجرد الاشارة الى هذه الطائفة الكريمة بالاسم لا يخدم القضية الوطنية. على العكس من ذلك ان مثل هذا التصرف يثير حساسيات لا شك ان العراق في غنى عنها في هذه المرحلة. ومثل هذه الحساسيات لا تفيد سوى النظام الذي يسعى الى ان تكون له عصبية معينة يستعين بها للبقاء في السلطة بعدما خارت قواه وتبين انه لا يعرف شيئاً عن المعادلات الاقليمية والدولية. تلك العصبية خدمت النظام لدى حصول انتفاضة 1991 وساعدته في مواجهة تلك الانتفاضة، اذ صور للناس ان ما يجري ثورة شيعية على السنة.
اذا كانت المعارضة العراقية تريد الاستفادة من تجربة 1991، فإن اول ما يفترض ان تفعله الابتعاد عن الخطاب الطائفي، لا لشيء سوى لأن النظام العراقي لم يفرق بين شيعي وسني وبين عربي وكردي، قمع الجميع من أجل البقاء في السلطة، وما لا يمكن تجاهله هو انه قتل السنة قبل ان يقتل الشيعة. تخلص من حردان التكريتي وسجن عبدالخالق السامرائي بعدما حاول ناظم كزار وهو سني التخلص من احمد حسن البكر وصدام حسين ثم ما لبث ان اعدمه في 9791. لم يرحم نظام صدام احداً منذ استحوذ على السلطة كلها عام 9791 وكان معظم الذين اعدمهم احتفالاً بتلك المناسبة من السنة.
لا يعني ذلك كله انه لم يضطهد الشيعة وان هذه الطائفة لم تظلم خصوصاً مع التعرض للشهيد محمد باقر الصدر بالطريقة الوحشية التي هي من اختصاصات صدام، الا ان ما يفترض الا يغيب عن البال في أي لحظة ان الخطاب الطائفي يخدم النظام ولا يضره.
لم تكن الطريقة التي اعتمدت للحديث عن الظلم الذي تعرض له الشيعة ومقاماتهم الدينية على يد نظام صدام حسين موفقة على الرغم من اشارة البيان السياسي الى >ضرورة الاسراع بتصفية كل السياسات الطائفية وتحريمها ورعاية جميع الحقوق المشروعة المنتهكة للشيعة< وعلى الرغم من ان الحديث عن التعرض للشيعة، انما جاء في اطار الدعوة الى ان >الدستور العراقي الجديد يجب ان يضمن عدم تكرار هذه الأعمال وحماية جميع مكونات الشعب العراقي دون تفريق<. ففي النهاية يبقى عالقاً في الذهن ان الشكوى هي مما تعرض له الشيعة على يد السنة، في حين ان النظام الذي اضطهد الشيعة ليس سنياً في أي شكل وانما هو نظام فئوي لم يوفر حتى ابناء المنطقة التي ينتمي اليها صدام بمن في ذلك بعض افراد عائلته الذين تعرضوا لظلم ليس بعده ظلم.
من حسن الحظ، انه كان في المؤتمر شخص اسمه مسعود برزاني، تحدث كرجل دولة رافضاً الدخول في أي نوع من المزايدات، وربما كان ذلك عائداً الى ان مسعود برزاني يمتلك من الاستقلالية ما يجعله في غير حاجة الى احد او الى ان يكون تحت رحمة احد. ولذلك استطاع القول انه >لا يجوز لأحد منا ان يعطي نفسه حق مصادرة حق الآخرين< بما في ذلك >توزيع كارتات (بطاقات) الوطنية وتوجيه الاتهامات الى الغائبين<.
تحدث مسعود برزاني كرجل دولة عن >بناء عراق فيديرالي تعددي وديموقراطي وحر< لكنه شدد على الحاجة الى >التسامح والى مصالحه وطنية حقيقية، لأنه اذا كنا نبحث عن سبل للانتقام فذلك يعني اننا نسير الى الهاوية<. وتحدث خصوصاً، وهو الذي فقد 73 من افراد عائلته وثمانية آلاف من افراد عشيرته، عن ان >القانون يجب ان يكون السيد والحكم< وعن انه >لا يمكن ان يسمح كل فرد لنفسه بالانتقام ممن اساء اليه<. مضيفاً انه >يجب ان نأخذ المصلحة العليا للبلد فوق اي مصلحة اخرى<.
ميز مسعود برزاني نفسه عن كثيرين شاركوا في المؤتمر وكأنه يريد بذلك ان ينأى بالاكراد عن الكلام الطائفي الوارد في البيان السياسي، وهو الأول من نوعه في التاريخ الحديث للعراق الذي يصدر عن مجموعة من الاحزاب والقوى السياسية فيها اشخاص من كل المناطق والمذاهب والطوائف والقوميات.
حبذا لو يتنبه المشاركون في مؤتمر المعارضة قبل فوات الأوان الى ان الذي سيحمي المعارضة العراقية والعراق في المستقبل هو الخطاب الوطني الذي يسمو فوق كل ما هو طائفي، ذلك ان السؤال الكبير كان وسيظل هل في استطاعة النظام في العراق ان يكون نظاماً حضارياً اي >ديموقراطي وتعددي وفيديرالي وحر< على حد تعبير مسعود برزاني، ام أن الطموح هو العودة بالعراق الى حيث بدأت ايران مع ثورتها عام 9791، في وقت تحاول ايران اللحاق بكل ما هو حضاري والخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه؟
ليس مطلوباً ان يسقط العراق اكثر مما سقط واذا كانت الولايات المتحدة شجعت على اعتماد خطاب معين من أجل تنبيه الجوار العربي الى انه لا يمكن ان يبقى على موقفه السلبي من التطورات التي يبدو العراق مقبلاً عليها، ليس ضرورياً ان تسقط المعارضة في الفخ الأميركي وان تقبل بأن تُستخدم بعبعاً للجيران العرب، على العكس من ذلك، يفترض في المعارضة ان تبتعد قدر الامكان عن اثارة الحساسيات وان تتأكد من ان هذه اللعبة سترتد عليها عاجلاً أم آجلاً. في النهاية هل تريد المعارضة بناء عراق عصري يكون قدوة لجيرانه في المنطقة أم تريد ان تؤسس لحروب داخلية معروف كيف تبدأ وليس معروفا كيف تنتهي؟ الخيار واضح. انه بين خطاب وطني يؤكد ان الاضطهاد طاول الجميع، وخطاب فئوي يستعين بالظلم الذي تعرضت له طائفة معينة بشكل خاص لفتح الدفاتر القديمة. انها دفاتر لا تصلح لبناء دولة عصرية وكان اجدر بالمؤتمر ان يعترف بالخلافات وان يسعى الى وضع الية حديثة لحلها بدل تركها تتحول الغاماً مستقبلية.