قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

رضا الأعرجي
&
لم يكن قيام مجلس التعاون في مايو 1981 حدثاً عارضاً في تاريخ منطقة الخليج العربي، بقدر ما كان إيذانا ببدء مرحلة جديدة انتقلت بالدول الأعضاء الست، من مستوى العلاقات الثنائية التقليدية إلى أرقى أشكال التعاهد والتحالف الذي لم تعرفه إلا مجموعات دولية قليلة لعل أبرزها الدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي. والواقع، ان صيغة التعاون كما عُرفت وذاعت منذ القدم، لم تجد نموذجها المثالي كما وجدته في الدول الخليجية، حيث التاريخ المشترك والمصير المشترك، وحيث المصالح الواحدة والإرادة الواحدة في تطبيق نظرية الأمن الجماعي حفاظاً على استقرار المنطقة وضمان ازدهار شعوبها، وتعميق وتوثيق روابطها في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ويكل المقاييس، شكل المجلس خطوة منطقية في اتجاه رسم طريق المستقبل، ولم يكن ردة فعل، أو مجرد مواجهة لأخطار آنية أخذت تلوح مع تصاعد الحرب العراقية الإيرانية والغزو السوفيتي لأفغانستان، ذلك ان المشاورات حيال مسألة التعاون الخليجي بدأت في مؤتمر وزراء خارجية هذه الدول الذي عقد في& مسقط عام 1976. وفي نوفمبر 1980 طرحت الفكرة مجددا خلال انعقاد القمة العربية بالعاصمة الأردنية عمان، قبل ان يجري الإعداد لورقة العمل التي طرحت في اجتماعات على هامش قمة الطائف الإسلامية في الأسبوع الأخير من يناير 1981، وبالتالي إخراج فكرة مجلس التعاون الخليجي إلى حيز التنفيذ في 26 مايو من ذلك العام.
ان العودة إلى تلك الوقائع ضرورية للتأكيد على ان مجلس التعاون لدول الخليج قد انبثق كبنية متطورة قوامها الحوار والتفاهم والتنسيق بين المواقف، سياسة كانت أم اقتصادية، وهو ما تجلى واضحا في مواجهة الغزو العراقي للكويت، ويتجلى الآن في كيفية التعامل مع التحولات التي تنتظرها المنطقة في حال وقعت الحرب بين الولايات المتحدة والعراق. وبشكل أعم تبدو هذه العودة ضرورية للتأكيد على ان قيام المجلس جاء ليعزز مكانة الدول الأعضاء ويجعلها تقف على قدم المساواة مع غيرها من الدول في عالم اليوم، وليدعم قدرتها التفاوضية إزاء التكتلات.
والأهم في كل هذه الوقائع، ان الدعوة للمجلس لم تقترن بالرغبة في الهيمنة ولا بالشعارات إياها التي أساءت لهدف الوحدة النبيل وكانت وراء فشل جميع المشاريع الوحدوية، بل كانت دعوة مخلصة لإحلال قوة المنطق محل منطق القوة في العلاقات بين الدول الأعضاء وبينها وبين الدول الأخرى، الأمر الذي جعل منه كيانا ثابتا يترسخ يوما بعد آخر، فيما انهار& "مجلس التعاون العربي" بعد أقل من عامين على قيامه لأنه فضل الأوهام على الواقع، واختار إشعال المعارك الداخلية بدل مواجهة التحديات، وظل انعقاد قمة "اتحاد المغرب العربي" يتأجل منذ عام 1994 من موعد لآخر دون أن يرى النور.
لقد اثبت مجلس التعاون الخليجي ان ما يحتاجه العرب اليوم هو النظرة الموضوعية للواقع والتطلع المستقبلي المجرد عن الأنانيات والحسابات السياسية الضيقة والنزعات الانتهازية، وليس شعارات تطلق في "الفضائيات" بمناسبة وبدونها، فمن بين الحقائق التي اعتمدها المجلس حقيقة ان توثيق عرى التعاون العربي أمر محتم لأنه غدا اكثر من أي وقت مضى مرتبطا ارتباطا عضويا بالتقدم التقني الهائل والسريع الذي يجتاح الحواجز والمسافات، ولكن شريطة ان يكون ذلك عن وعي سليم حتى يكون طريقا للتكامل بين شعوبنا لا أداة للتنابذ والفتنة وزرع الشكوك.
ومن هذا المنظور، نرى ان مجلس التعاون الخليجي ما كان ليستمر لولا واقعيته ومسايرته التطورات في عالم متغير، فقد أدرك قادته منذ البداية أهمية تلازم الأهداف، وبالتالي فان الأخذ بقواعد التضامن والمساندة يعني في نفس الوقت إقامة بنيان اقتصادي متين، وقد عبر عن ذلك جدول أعمال القمة الخليجية الثالثة والعشرين، الذي جاء ليسد الحاجة إلى العمل المشترك في محاوره الأساسية، السياسية والأمنية والاقتصادية، ويعطي الاطمئنان الذي كثيرا ما غاب في العلاقات العربية بان دول المجلس المتجاورة جغرافيا والمتشابهة من حيث الأنظمة، هي الأقدر على التعاون في حل مشاكلها، وأنها الأكثر تفهما لها وتحسسا بإبعادها.
لقد جددت القمة الخليجية الاهتمام بقضايا التنمية الاقتصادية، واقترحت مشاريع لتطوير التعاون التجاري على نفس المستوى الذي عالجت فيه القضايا العالقة ثنائيا أو بين عدد من الدول الأعضاء، لكنها وضعت قضية التضامن في المقام الأول، فبدونه لا يمكن ان تمضي بعيدا في توطيد تجربتها الوحدوية الرائدة أو تبقى بمنأى عن تأثير القوى التي تحاول تمزيقها، كما بدا ذلك وشيكا قبل اثني عشر عاما تقريبا، حين اجتاحت الدبابات العراقية حدود الكويت.
وإذا كان معيار أية منظمة إقليمية أو دولية هو قدرتها على الاستمرار، فيكفي القول ان مجلس التعاون الخليجي قد تمكن من الاستمرار وسط الأعاصير. ولا نشك أبدا بان جدول أعمال القمة الخليجية التي تلتئم هذه الأيام بالدوحة ستؤول إلى خطة عمل قادرة على مواجهة التحديات المحدقة بمنطقة الخليج والعالم العربي بأجمعه، خصوصا في هذا الوقت الذي تتزايد فيه حدة المواجهة بين العراق والولايات المتحدة، ويتعرض فيه الفلسطينيون لحرب إبادة جماعية في ظل لا مبالاة القوى الكبرى، بل تواطؤها وانحيازها المكشوف لإسرائيل، الأمر الذي يرسخ القناعة بحقيقة ودوافع حملات التشويه التي يتعرض لها الإسلام في الدوائر الخارجية.
وإذا كان قادة الخليج قد اثبتوا حرصهم للحفاظ على إطارهم التنظيمي ممثلاً بمجلس التعاون، فانهم باستجابتها للمشاركة في القمة الـ 23 إنما يؤكدون أهمية استمرار هذه المنظمة لأداء دورها المطلوب في تعزيز وحدة شعوب المنطقة في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخها، حيث القضايا الساخنة والتحديات الكبرى التي لن تقبل التأجيل.
صحفي عراقي ـ كندا
[email protected]