داود البصري&
&
والأيام تطوي سريعا دورتها الحياتية، والعالم يتهيأ لمرحلة كونية جديدة يكون الإنسان لحمتها وسداها وتكون الديمقراطية وحرية الفكر والتعبير والمشاركة السياسية الهدف الأول للعديد من الشعوب الناهضة والباحثة عن هويتها الحضارية والمتطلعة كذلك للمساهمة في مسلسل المتغيرات الكونية الهائل السريع، يكون الحديث عن المتغيرات الحتمية القادمة القريبة في المنطقة ذو خصوصية وتميز، أما في حالة العالم العربي والذي يتهيأ هو الآخر لواحدة من أعقد وأشمل عمليات التغير والتغيير فإن التطورات الميدانية القائمة على مسرح الأرض العربية لاتنبيء بحجم المتغيرات القادمة فقط بل تؤسس لعصر عربي جديد ستتغير معه العديد من الوسائل والأدوات وحتى المصطلحات والصيغ السياسية السائدة، فقبل أكثر من عقد من السنين ومع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي عاشت أوروبا الشرقية التي كانت تحت الهيمنة السوفياتية السابقة إرهاصات الإنعتاق من المتطلبات والظروف والنتائج التي أدت إليها الحرب العالمية الثانية وقيام الأنظمة الشمولية والشيوعية بفرض من قوى المنتصر الذي قسم العالم لشرق وغرب ومابينهما من مايسمى بدول عدم الإنحياز وهي التسمية التي لم تكن دقيقة بالقطع فلاشيء يسمى ب ( عدم الإنحياز ) ! فالخيارات كانت واضحة ومشخصة ومعروفة، والمصالح الوطنية والإقتصادية هي التي تتحكم بالميل لهذا الطرف أو ذاك !، ومع سباق التسلح الرهيب خلال عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات ومع تنامي قوى الحرية والديمقراطية وتململ الشعوب من السياسات الخشبية والفشل الإقتصادي وإزدراء الشفافية وتطلع الشعوب اللامحدود للحرية والإنعتاق والمبادرات الفردية كان الأساس ينمو لبدايات تحلل تلك الأنظمة الشمولية من الداخل وكان الفشل مرتسم بوضوح عبر أحوال البؤس الإقتصادي، وفراغ القيادة السياسية، والتركيز على القشور والسطحيات وإهمال كل عناصر التطور مع الميل الواضح لفرض وصاية فاشية عائلية في إنظمة تعلن أنها تطبق ماتسميه ب ( اليمقراطية الشعبية ) !! وأعتقد أن المرء لايحتاج لطول عناء كي يكتشف زيف الدعاوي الديمقراطية المزعومة وعدم علاقتها بالشعب المكمم الأفواه المسلوب الإرادة أمام رغبات ( الزعيم الإله الفرد ) !! وهي ظاهرة إمتدت لعالمنا العربي بفعل ظروف عديدة وماتزال تفعل فعلتها التخريبية الهائلة في الكيان والجسد العربي؟.
كان القرن الماضي وهو يطوي سنواته وعقوده المؤلمة يجهز المسرح العملياتي لأشهر عملية تغيير كونية عبر تحلل العالم الشيوعي وإنهيار رمزه العقائدي مبتدءا من الفروع التي يبست كل جذورها لتكون البروفة الأولى في الإعداد لعالم جديد سيقوم على أنقاض عالم هرم مليء بالشعارات والمعاناة ومحاولات البحث عن صيغ حياتية أفضل، ففي أعياد الميلاد لعام 1989 كانت شعوب أوروبا الشرقية على موعد تاريخي مع حدث سيظل خالدا في تاريخ العالم المعاصر، وسيكون مؤشرا على بدء وإنطلاقة حالة تغيير كونية لم تزل متفاعلة حتى يومنا هذا، وكانت رومانيا الإشتراكية الشعبية الديمقراطية !! هي ميدان الحدث وساحته المنتقاة رغم أن بولندا كانت قد سبقتها في التغيير بفعل الدور الذي لعبته الكنيسة وحركة التضامن العمالية الشهيرة وخضوع العسكرتاريا البولونية لمنطق التاريخ وإقرارها بالفشل في الهيمنة وبالثمن الغالي الذي سيدفعه البولنديون فيما لو تمت مقاومة التغيير بالقوة !، وهو موقف لم يكن الدكتاتور الروماني السابق الرفيق نيقولاي شاوسيسكو مستعدا لتفهمه أو التعامل مع مقتضياته وفق روح متفهمة لحتمية وضرورات التغيير، فظل ( القائد المحبوب ) وحتى النهاية أسيرا لنظامه الهرم الفاسد المتعفن، وظن واهما إن حمايته من عناصر ( السيكيوريتات ) الرهيبة ستحميه ونظامه من يد الشعب الذي أذله وأجاعه وفرض عليه حياة التقشف وتحمل البرد ودفع ديون الدولة الفاشلة إقتصاديا؟ وطن أيضا أن الرومان قد أدمنوا الدكتاتورية وتسلط الأهل من الزوجة والأبناء على مقدراتهم ومن أن لاأحد يجرؤ على الهمس والكلام حتى جوبه بذلك الصوت الشعبي الراعد والصارخ : يسقط شاوسيسكو !! وهي صرخة هزت كيان الدكتاتور الذي عاد مطمئنا من رحلته الإيرانية وقتها بقدرته على كبح جماح الشعب فإنتهى وفي لحظات تاريخية عاصفة وزوجته جثة مدماة فوق ثلوج بوخارست وكشاهد أخير على مصير من يتحدى إرادة الشعوب وخياراتها الحاسمة! لقد كان إنهيار الدكتاتور الروماني العاصف بالأمس إنهيارا لمنظومة عقائدية كاملة وضعت نفسها في يوم ما كحل سحري لمشاكل البشرية ولكنها سرعان ما إنهارت كعملاق من ورق في أيام بوخارست الثلجية العاصفة، وكانت جثة شاوسيسكو الحجر الأساس لإنهيارات بنيوية متلاحقة شملت بعد أقل من عام قلعة الشيوعية والعالم الإشتراكي الإتحاد السوفياتي ذاته الذي شيعته بريسترويكا غورباتشوف لمثواه الأخير دون أي مقاومة فعلية من حراس العقيدة الشيوعية الذين تحولوا لدمعة في التاريخ !!. وتغيرت السياسة الكونية برمتها بعد شهور قلائل وقام عالم سياسي ومنظومة جديدة عرفت بالنظام العالمي الجديد الذي توج بالهزيمة المدوية للنظام العراقي بعد غزو وإغتصاب الكويت ثم تحريرها بشكل خاطف لتنمو الشعوب وتدخل لآفاق القرن الحادي والعشرين فيما ظل العراقيون يصارعون البلوى وهم يعانون من حصارات متعددة تبدأ من النظام الحاكم ولاتنتهي مع الحصار الدولي، واليوم يتهيأ المسرح الداخلي في العراق وبعد مايزيد على العقد من العذاب المقيم لتغييرات بنيوية مهمة ستضع النظام الحاكم في العراق خارج السياق التاريخي بعد أن توضحت الصورة الإستراتيجية العامة للتوجهات الأميركية والتي تصر على تصحيح خطأ عام 1991 الإستراتيجي حينما دمر العراق وبقي النظام كرمز شاخص من رموز الهزيمة الإذلالية المرة !، ولم يعد سرا من أن أيام النظام العراقي قد باتت معدودة ومحسوبة بدقة متناهية، ومن أن أعياد الميلاد الحالية ستكون الأخيرة لنظام بدأ يدخل صفحات التاريخ من بوابته الخلفية، وليس من باب المصادفة المحضة أن تأتي ذكرى إنهيار الأنظمة الشمولية في شرق أوروبا لتكون شاهدة على صيرورة التحولات التاريخية بجانب الشعوب المكافحة لنيل حرياتها وهويتها الحضارية، فمؤشرات العقد العراقي الجديد قد لاحت بشائرها ولايسعنا ونحن نودع العام الجديد سوى أن نقول : وداعا لصدام حسين !
ووداعا لسنوات العذاب والحروب والطغيان
ومرحبا وألف مرحبا بفجر الحرية القادمة القريب
فبالأمس شاوسيسكو... وفي الغد صدام... وتلك سنة الكون، ولن نجد لها تبديلا؟