عادل جندي
&
اصطلاح الثقوب السوداء black holes هو تعبيرٌ عن صورة يفسِّر بها علماء فيزياء الفضاء النجمي ما يحدث في حالة بعض النجوم عندما يبلغ بها العمر عتيّا، إذ تتناقص كميات الغازات التي يمكن أن تحرقها فتنهار على ذاتها تحت ضغط الجاذبية الذاتية الهائلة الناشئة عن الدوران المتسارع حول نفسها (gravity collapse ).
وقد كان العالم الهندي الشاب (عندئذ!) شاندرا سيكار هو أول من نظَّر، في ثلاثينيات القرن الماضي، لإمكانية وجدود الثقوب السوداء في الكون، بناء على نظرية آينشتاين حول النسبية العامة. ولكن صعوبة تصديق الفكرة بالإضافة إلى انتقادات الكثير من العلماء المعاصرين له دفعاه إلى إهمال الموضوع والتراجع الضمني عنه. غير أن عمله الهام في هذا الموضوع الذي ثبتت صحته فيما بعد، مع التقدم التكنولوجي، كان من الأسباب الرئيسية لحصوله على جائزة نوبل للفيزياء في 1983.] بل وقد أطلقت وكالة الفضاء الأمريكية اسمه "شاندرا" على تليسكوب فضائي أرسل في عام 1999 إلى مدار حول الأرض من أجل دراسة أعماق الفضاء باستخدام الأشعة "السينية".
ولا يمكن لأحد أن "يرى" مثل هذه "الثقوب السوداء" ولا أن "يعرف" بصورة مباشرة ما يجري بداخلها، لأن من خصائصها أن الضوء نفسه لا يخرج منها! وهذا في حد ذاته هو سبب إطلاق هذا التعبير المشهور عليها. ولكن يمكن الاستدلال على وجودها بطرق غير مباشرة.
ولما كان من المعروف أن الضوء يسير في خطوط مستقيمة وبسرعة ثابتة، فقد ذهب بعض العلماء في البداية - في محاولة لفهم ما يحدث- إلى أن الفوتونات التي تشكل الضوء (طبقا للنظرية الكمّية) "تنجذب" إلى الأجسام ذات الكثافة الفائقة. ولكن اتضح فيما بعد أن "نسيج" الفضاء الزمكاني (أي المكون من الزمان والمكان) نفسه هو الذي يتغير شكله وتنتابه انحناءات وتقعرات بالقرب من أمثال تلك الأجسام (راجع الرسم المرفق). أما في الحالات القصوى الناشئة، كما أسلفنا، عن الانهيار على الذات تحت ضغط الجاذبية فإن الانخساف "الزمكاني" يصل إلى ما يمكن تشبيهه بـ "الثقب". وليس الناتج عن ذلك هو فقط أن الضوء لا يخرج، بل أن الزمن نفسه في داخل تلك "المنطقة" لا يمكن أن يخضع لمعايير الزمن في باقي أرجاء الكون فيتباطأ بشدة حولها ويتوقف بداخلها. بل يذهب البعض إلى احتمال أن تؤدي مثل هذه "الثقوب" (نظريا) إلى مناطق أخرى من الكون، أو إلى أكوان أخرى، تخضع لقوانين فيزيائية لا نعرفها، بل (ولم لا) قد يسير فيها الزمن بالاتجاه العكسي!!
نطمئن القارئ المحترم، الذي نقدّر تحمله لهذه المقدمة الطويلة والثقيلة، إلى عدم وجود النية في أن نقلبها نكدا عن طريق محاولة (لسنا مؤهلين لها) للغوص في بحور الفيزياء، ونؤكد له في نفس الوقت انعدام النية في السعي إلى منافسة كَتَبة "الإعجاز العلمي" إياهم...
ولكن الحكاية، في واقع الأمر، تتعلق بما يبدو من العجز الشديد الذي تجابهه العلوم السياسية والاجتماعية وغيرها في محاولتها العثور على التوصيفات المناسبة والدقيقة لأحوال المنطقة التي ننتمي إليها. وحتى العلوم البيولوجية التي أسعفت الدارسين والباحثين بمفردات لغوية مناسبة حول "أمراض" التخلف والعجز، و"سرطان" التطرف أو "إيدز" الإرهاب، الخ الخ، لم تعد تكفي. كما لم تساعد علوم المعمار، حيث كان المرجو أن يساعد "طلاء" الجدران على "تحسين الصورة"، إذ قد ثبت أن القبور المُبَيَّضة لا يتغير ما بداخلها بمجرد "وش دهان".
ولذلك لم يكن هناك بد من اللجوء إلى الخوض، على مضض، في علوم أخرى بحثا عما يمكن أن يشرح ويفسر! وهكذا، يبدو أننا قد وجدنا ضالتنا عند أهل علوم الفيزياء في نظرية "الثقوب السوداء"، (التي& نعتذر مقدما عن كون واضعيها هم جميعا من الكفرة الملاعين).
وطبقا لأسس التفكير العلمي، فلكي تصبح نظرية ما جديرة بالاعتبار، فعليها أولا أن تنجح في تفسير الظواهر المعروفة قبل أن يلجأ أحد إلي الاسترشاد بها في توقع واستكشاف ما ليس ظاهرا للعين. ويبدو أن لهذه النظرية فرصة جيدة في النجاح!&
ففي البداية نجد أنها تتعلق بحالة نجوم كبيرة كانت "ساطعة" في وقت ما من حياتها قبل أن يحدث لها ما حدث. وهذا ينطبق على منطقتنا التي كانت ذات يوم من بين الحاملين للواء الحضارة لفترة من التاريخ، ثم نضبت طاقتها وسارت في طريق الأفول بتسارع متسارع.
ثم نجدها تفسـّر حالة الانشغال والولع الشديد "بالذات"، الأمر الذي يحاول البعض أن يجد له تحليلات نفسية وحضارية مختلفة؛ بينما هو يحدث، ببساطة، نتيجة للدوران السريع حول الذات بعد أن أصبحت منطقة جاذبية هائلة لا فكاك منها؛ فيزداد الدوران سرعة وتتعاظم الجاذبية بالتالي، وهكذا دواليك..
وبعد ذلك نجدها تفسّر انعدام قدرة من يعيش خارج "المنطقة" على أن "يرى" منها شيئا سوى "ظلمة دامسة"، وإن كان يمكن بالطبع أن "يستدل" على وجودها عن طريق وسائل أخرى، ثم يندهش من قدرتها على ابتلاع الضوء نفسه!& وفي نفس الوقت لا يملك من يعيش بداخلها أن "يدرك" أنه غير "مرئي"(!) وقد يستبد به الغضب إذا "قيل" له& أنه ليس عنده سوى "الظلام" وأنه لا يمكن ملاحظة وجوده سوى عن طريق قياس درجة التواء الفضاء الذي يحيط به .... هذا بالطبع إذا أمكن أصلا التواصل بين أهل "الداخل" وأهل "الخارج"، الأمر الذي تنفي النظرية إمكان حدوثه، وهو ما يثبته الواقع بصورة مدهشة!!
ثم نجدها تفسر لنا حالة الانفصام الزمني بين المنطقة وباقي الكون، إذ أن الزمن الذي& يخضع لقوانين عامة ومطلقة في كافة مناطق الكون "السوية"، نجده، كما أسلفنا، يتباطأ حول "الثقب الأسود" إلى أن يتوقف تماما في داخله، وربما يسير في "الاتجاه المعاكس" بخارجه من الناحية الأخرى! وإحقاقا للحق، فإنه لا ذنب لأهل المنطقة ممن يعجزون عن إدراك أنهم يعيشون في زمن قد "توقف" أو قد يسير بالعكس؛ فمن الطبيعي جدا كما تقول قوانين الفيزياء ألا يدرك من يعيش في منطقة الثقب الأسود "سرعة"، أو حتى اتجاه، الزمن مقارنة بما يجري في باقي أنحاء الكون التي لم تحدث فيها حالة الانهيار الذاتي التي يخضعون لها!&&&&&&&&&&&&&&
وإذا حاولت أن "تفهم" ما يبثه عبر وسائل الإعلام "مفكّرون" عويصون أو "أساتذة" جهابذة أو "مسئولون" لا يُسألون، قد لا يَسعُك، كانسان "عاقل" (أي لم يبتلعه الثقب اللعين!)، إلا أن تصفه بالهراء، فننصحك بأن تتحلى بالحلم وترجع إلى ما سبق وقلناه: فالمشكلة هي أن الفضاء الزمكاني قد التوى وتقعر فيما يجاور الثقب، بينما قد تمزق نسيجه حيث تتركز حالة الانهيار الذاتي... وبالتالي، إحقاقا للحق مرة أخرى، فلا ذنب لأهل "المنطقة" إذا فعلوا ذلك، فمن الطبيعي جدا كما تقول قوانين الفيزياء ألا يدرك من يعيشون حول الثقب الأسود، أو بداخله، الحال الملتوي "لفضائهم"، وهم لا يمكنهم إلا أن يكونوا متناسقين معه و "متكيّفين" مع شكله (وبه)!
وهل هناك نظرية أخرى تفسر لنا ما يراه البعض غريبا، وهو أن تسود في "المنطقة" قوانين منطق تخالف وقد تناقض أساليب وقوانين المنطق التي تعرفها أجزاء أخرى من "الكون" المحيط بهم؟ أو تفسر حالة التمسك المستميت بالتخلف بل والاندفاع الجماعي فيه بقوة رافضة لأي محاولة للتغيير بالإقناع؟ أو تفسر حالة فريدة في العالم حيث نجد أن بعض (نقول بعض!) الحكام هم الذين يحاولون قيادة شعوبهم ناحية التحديث والتمدن، فإذا بالشعوب تعصي وتزداد تمسكا بالظلام، هذا بينما يقول لنا تاريخ ثورات العالم أن العكس هو ما ينبغي أن يحدث؟!
الخ الخ الخ
والآن، وبعد أن ثبت نجاح النظرية في التفسير بصورة معقولة، لماذا لا نجرب، على استحياء، شيئا من الاستطراد في محاولة لاستقراء المستقبل ...
وبعيدا عن الفذلكة واللف والدوران حول الموضوع، فالسؤال الحقيقي والمهم بل والحيوي الذي نبحث عن إجابة عنه هو: هل يمكن الخروج من حالة "الثقب الأسود" ؟ وإذا كان هذا ممكنا، فكيف؟؟
لشديد الأسف فإن قوانين الفيزياء التي لجأنا إليها لا تبعث، في حتمياتها الرياضية، على التفاؤل إطلاقا. ولذلك فليس أمامنا سوى ثلاثة اختيارات. أولها أن نأمل في معجزة من السماء تقلب أمثال تلك القوانين. وقد يطول انتظارنا لمثل هذه المعجزات حتى نهاية الدهر.
وثانيها، أن نقبل بأن الحتميات التي تتنبأ بها النظريات العلمية قد لا تنطبق بالضرورة على البشر، أفرادا وجماعات، الذين يختلفون عن الجماد والعجماوات في امتلاك حرية الإرادة والضمير التي خلقهم الله عليها. وفي هذه الحالة لا مفر من التساؤل عن أيهما قد يأتي قبل الآخر: هل لابد من الفكاك أولا (بطريقة ما !!) من حالة "الثقب الأسود" لكي يمكن العودة إلى الفضاء الزمكاني السوي مثل باقي خلق الله في هذا العالم؛ أم هل يا ترى أن تجديد الفكر (الديني وغير الديني) وانتشار رياح الحرية والتفكير العلمي والمجتمع المدني والتعددية والديموقراطية قد تكون كفيلة بالمساعدة على الفكاك من الثقب اللعين؟ تساؤل عسير لا يمكن الجزم برد قاطع له!
ومن ناحية أخرى ربما يَحسُن، ثالثا، التمسك بأن مثل هذه النظريات التي لجأنا إليها ليست إلا من صياغة ملاعين المتكالبين على الأمة، الذين لا هَمّ لهم إلا التآمر عليها لنهب ثرواتها ونهش لحمها وشرب بترولها والفَتّ في يقينها وتحطيم إرادتها والهيمنة على مقدّراتها.
ولا شك في أن هذا الخيار هو الأكثر راحة للبال، والأقل تكديرا للفكر. فقد قالوا قديما أن الذي يفكر، دمه يتعكّر.