قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

رضا الأعرجي
&
ينصرم عام، ويقبل عام جديد، ويتكرر السؤال مرة أخرى عما شهده من أحداث، وأيها كان الأهم أو الأكثر تأثيراً. فقد درجت العادة ان تكون هذه البرهة من الزمن مناسبة لاستذكار الماضي ومراجعته والتأمل فيه، واستنتاج ما يمكن استنتاجه من عالم تتنازعه المشاكل والحروب والآفات من كل الأنواع.
&
(1)
&
لا شك، ان ما يجري في عالم اليوم يمثل انهيارا فريدا للتوقعات التي صاغها العقل السياسي والاقتصادي، طوال نصف قرن، ومنذ نهاية الحرب الكونية الثانية تحديداً، عندما اتجهت منظومة الأفكار للدفاع عن مستقبل الإنسان وحقوقه وحرياته الأساسية، ومن اجل عالم تحكمه المواثيق والقوانين الدولية، لا النزاعات أو نزعات التعصب والعدوان.
ولاشك، فان عام 2002 كان عاماً حافلاً بالأحداث الكبيرة على جميع الأصعدة، وفي مختلف المجالات، فهكذا هي حركة السنين: سلسلة من الأحداث المتواصلة دون توقف، والتطورات المفتوحة على المفاجئات المثيرة المدهشة.&&
والأمر هنا لا يتوقف على السياسة وحدها، رغم ان الكتاب والمحللين السياسيين منغمسون الآن حتى آذانهم ـ كما يقال ـ في ترتيب أحداث عامنا الآيل للأفول، فخبراء الاقتصاد والعلماء والتقنيون من كل صنف لهم ما يشغلهم أيضا، كما ان الأدباء الذين لم يفيقوا بعد من الصدمة لذهاب جائزة نوبل للآداب إلى اسم مغمور، سيجدون ما يملأون به أوراقهم عن أزمات حقيقية أو وهمية حول قصيدة النثر أو القصة القصيرة جداً. وهل يجاريهم أحد في ابتكار الأزمات؟
على أية حال، فان لكل واحد حبله الذي يلعب عليه، وهذا هو موسم العروض السنوية الكبرى في سيرك الزمن المتقلب مثل عواطف الأطفال.
&
(2)
&
في كل عام، نحلم بأن يكون العالم أكثر جمالاً وإنسانية، فيأبى إلا ان يأتي رهيباً وكارثياً. وفي كل عام، نحاول ان نقنع أنفسنا بان العدل هو من سيقود الأحداث وبوجهها، فلا تأتي النتائج إلا لتخيب أمانينا، وتوصد أمامنا أبواب الأمل والنور. وفي هذه المرة، كما في كل مرة: لا جديد سوى التراجع عن كل ما حققته الإنسانية من مكتسبات، حيث شريعة الغاب، وحيث الصراع غير المتكافئ بين القوى، وحيث انكفاء الحكمة وسيادة الجهل والتعصب، وحيث التطرف مقياس التعامل مع الأشياء.
لا جديد، إلا إذا اعتبرنا صمت الغرب إزاء المأساة الفلسطينية جزء من التقاليد الديمقراطية وقيم الدفاع عن حقوق الإنسان.
لا جديد، إلا إذا بدت جثث العراقيين المنفوخة الطافية في محيطات العالم الخمس مشهدًا أعد من أجل ان يتسابق عليه المصورون وكتاب التحقيقات والباحثون عن الإثارة الصحفية.
لا جديد، ونكرر القول: لا جديد ولا مفاجئات أو علامات فارقة، والوضع العربي هو هو منذ أزمة الخليج، والجولان وأراض عربية أخرى ماتزال محتلة، والفلسطينيون تضيق بهم رقعة الحكم الذاتي فيتقاتلون كالأعداء، بينما يتآكل الصومال ويضمحل مثلما هي تطلعاتنا تتآكل وتضمحل. والأكيد، رغم بقع الضوء المتفرقة هنا وهناك، ان الرقم القياسي في الأحداث الفاجعة كان من نصيب المسلمين الذين لا تكاد تلتئم جراحهم في مكان حتى تنفتح في مكان آخر، كما لو كانوا على موعد دائم مع الأحزان.
وليس ثمة مبالغة في هذه النتيجة، بالاستناد إلى الحصيلة الكبيرة من ضحايا العنصرية والتمييز العرقي والذين ستتضاعف أعدادهم كلما ازدادت تهديدات فقهاء الكراهية من البنلانديين وعصابات التطرف في مصر والجزائر وباكستان وجامو وكشمير وغيرها من البلاد الإسلامية، الأمر الذي يكشف عن شدة التحديات التي يواجهها المسلمون أينما كانوا. ولا ندري ماذا يخبئ لهم العام الجديد من تحديات!
لقد اختلطت الكثير من الأوراق في مسار البعض من المحسوب زورا على الدين الحنيف، عندما اقترن التطرف بالإرهاب وبالعنف الأعمى الذي لم يعد يوفر أحدا، حيث تحولت العديد من البلدان الإسلامية إلى ساحات قتال يومي، تزهق فيها أرواح الأبرياء، ويروٌع الآمنون، وتقطع أواصر الاخوة بين أبناء الدين الواحد.
وما يثير الأسى والقلق معا، ان تحدث كل هذه الفوضى العارمة، بل الجرائم النكراء، باسم الإسلام، وبحجة فرض أحكامه، وهي جريمة لا تعدلها جريمة، إذ تنزع عن الإسلام حقيقته وجوهره. فالإسلام في أسمى معانيه، رحمة وإخاء وسلام ومودة وتضامن وتعاون على عمل الخير ونشر الرخاء والازدهار. والإسلام في عدله وسماحته، يأبى ان تكون المطامع والأهواء سبيلا إلى فرض الأحكام، لأنه هو من حض على التناصح والتسامح والتوسط والاعتدال في أمور الدين والدنيا.
&
(3)
&
صحيح ان نزعة التفاؤل لدينا تستدعي ان نقول : "ان نصف الكأس ملأى"، لكن كيف إذا كانت الكأس فارغة تقريباً ؟ ففي الوقت الذي نتأهب فيه لدخول العام الجديد، تأتي الأحداث في عراقنا الحبيب لتبدد ما تبقى فيه من قطرات أمل، فمن منٌا يستطيع تحمل رؤية شعبنا تحت الحصار والطائرات الأمريكية والبريطانية تسحق المدنيين العزل دون رحمة !؟&
لماذا يحدث هذا؟ والى أين سينتهي؟
وبقدر ما يبدو التساؤل ضروريا، تتعذر الإجابة، ومع ذلك يمكن القول ان المسؤولية في كل ما عاناه ويعانيه العراق من أزمات يقع على عاتق النظام الاستبدادي الذي أجاد في ابتكار العنف والتفنن في القتل ليجعل من إرهاب الدولة السافر قانونا للتدمير البدني والنفسي، كما لو ان الحروب التي أشعلها طوال ثلاثين من السنوات لم تكن كافية لإشباع شهوته من دماء العراقيين الذين فقدوا كل شيء حتى أحلامهم الصغيرة وآمالهم، ففقدوا بذلك الإيمان بالحاضر والمستقبل.
نتفاءل؟ نعم. لكن كيف نستطيع إذا ما نزلت العصا على ظهورنا ان لا نتوجع؟
صحفي عراقي ـ مونتريال
ينشر بالاتفاق مع صحيفة "البلاد" العربية الكندية
[email protected]