قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كتب نصـر المجالي: في آن متزامن، حدثان متعلقان بشأن ديني عبر برنامج وثائقي متلفز وآخر عبر كاريكاتور وكلاهما اثار ضجة وردود افعال لكنهما كانا متباينين على صعد كثيرة سواء كانت اعلامية او سياسية او دينية.
فقبل ليلتين اذاعت القناة الاولى لتلفزيون هيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) برنامجا وثائقيا عن قصة مولد السيد المسيح عيسى بن مريم.
وفي واحدة من الفقرات تحدث عديد من الاكاديميين مشيرين الى ان السيد المسيح كان ابنا غير شرعي لجندي روماني اقدم على اغتصاب مريم البتول العذراء ام المسيح.
وفي ذات الوقت تناول اكاديميون آخرون القصة من المنظور الديني الروحي البحت الذي جاءت به الاديان وخصوصا الدين المسيحي والدين الاسلامي من حيث ان المسيح هو كلمة من الله تعالى وروح منه جاءت الى البتول.
الملاحظ هنا انه وفيما كان البرنامج ييبث على الشاشة وردت الى القناة الاولى لبي بي سي مئات الاحتجاجات الهاتفية من رجال دين ومواطنين عاديين، وكذلك حملت الصحف في اليوم التالي انباء غير مفصلة عن تلك الاحتجاجات التي غالبها كنسية ومن رجال دين، ولم تتقدم تلك الكنائس باحتجاجاتها الى مجلس الشكاوى الصحافية الحكومي.
وانتهى الأمر الى هذا الحد ولم تقم قائمة رجال الدين او السياسة فالبرنامج لم يكن الا آراء لباحثين واكاديميين لا أكثر ولا أقل وبنتائجه مهما كانت فإنه لن يؤثر على قداسة السيد المسيح ونبوته وقصة مولده المعترف بها روحيا عند ثلاثة مليارات من اتباعه راهنا.
كما لم يطلب الى هيئة الاذاعة البريطانية تقديم اعتذار، لأن أي اعتذار ممكن ان يقدم للشخص المعني ذاته، حيث ان المسيح (وهو السلام عليه يوم ولد ويموت ويوم يبعث حيا) في علم الغيب.
على الطرف الثاني من المحيط الاطلسي اثار مجلس العلاقات الاسلامي الاميركي ضجة اعلامية كعادته عبر بيانات ومذكرات خص بها الصحافة العربية مستغلا بذلك التقنيات الحديثة في الاتصالات احتجاجا على رسم كاريكاتوري للرسام الاميركي الشهير دوغ مارلت.
والكاريكاتور يصور رجلا عربيا بكوفية وعقال يقود شاحنة مليئة بالمتفجرات وعلق الرسام عليها بالقول "الى اين انت ذاهب يا محمد؟".
وقال مجلس العلاقات الاسلامي الاميركي ان الرسم يخص الرسول محمد بن عبد الله، واثار بذلك الضجة وردات الفعل في الاوساط الاسلامية التي بدأ يثيرها كل شيء بحساسية مفرطة على الساح الاميركي وخصوصا من بعد احداث 11 سبتمبر (ايلول) 2001 .
وفي الحقيقة فأن نظرة فاحصة من عين اعلامية متجردة للرسم والتعليق معا الذي نشر في صحيفة (تالاهاسي ديموقراط) في ولاية فلوريدا الاميركية، فإنه ليس دفاعا عن الرسام مارلت الذي لا يمكن ان يورط نفسه في مأزق حساس كهذا.
واذ الرسم كان يعني فكرة واحدة هي الافعال الارهابية التي يتهم بها متشددون مسلمون بها في العادة، فانه اختار اسم (محمد) من دون الاشارة الى النبي، وكما هو معروف فان اسم محمد هو الأشهر في العادة للتعبير عن الحال العربي او الاسلامي في الغرب وليس في اميركا وحدها.
اذ لم تعمد مؤسسات الغرب واميركا الاعلامية والسياسية او غيرها على اطلاق اسم عبدالله او محمود او احمد او حتى عمر او عبد السميع ...الخ على الحال العربي او الاسلامي سلبا كان ام ايجابا سواء بسواء.
والملاحظ ايضا ان مجلس العلاقات الاسلامي الاميركي كان تصدى الى قضية اخرى تتعلق بالسيد المسيح ذاته حين عمم مذكرته عبر البريد الالكتروني الى مئات من المشتركين محتجا على قناة دليل البرامج التلفزيونية الاميركية (تي في غايد) التي اذاعت اعلانا يصور المسيح بن مريم في شكل شيطان يصارع آخر على الحلبة.
معروف ان عدم ردة الفعل في شكل غوغائي على برنامج بي بي سي حول قصة المسيح ومولده اقتصرت على رجال الدين الكنسي من دون ان تنخرط الصحافة ورجال السياسة في الأمر، وذلك تحت مقولة (دع مال قيصر لقيصر وما لله لله) وهي مقولة قيلت في الزمن اليسوعي ذاته.
ومرد رد الفعل الهادىء من دون ضوضاء ايضا هو تلك الحقيقة التاريخية التي لا تراجع فيها او عنها في مسألة فصل الدين عن الدولة وازالة سلطة الكنيسة التي قادت الى عصر التنوير في اوروبا لتقود العالم بنظرياتها الاصلاحية من بعد ذلك الى اللحظة.
ويرى متابعون ان ردات الفعل التي تصدر احيانا عن جبهات اسلامية وجمعيات ومنظمات على المواقف التي يعتقد انها تسيىء الى الدين الاسلامي او الرسول محمد او القرآن الكريم لا تأتي في اطار خطة سليمة استانادا الى معطيات او حقائق.
خصوصا وان هذه الجهات والجبهات اعطت الحق لنفسها من دون غيرها في التحدث عن الاسلام واصبحت ناطقة باسمه وهي غير مؤهلة او قد تكون لذلك من الجهات الشرعية لذلك سواء كان الازهر الشريف في القاهرة او دور الافتاء المنتشرة في طول البلاد العربية والاسلامية وعرضها.
واذ ذاك، فإنه لا زال الجميع يذكر فتوى الامام الخميني بقتل الكاتب البريطاني سلمان رشدي بعد نشره لكتاب (آيات شيطانية) وهي فتوى لا زالت قائمة رغم ان الاصلاحيين الايرانيين الذين في القيادة السياسية يحاولون التراجع عنها من اجل تجسيير الهوة بين بلادهم والغرب.