مشعل التمو
&
الاستحقاق الانتخابي القادم في سوريا, والمشاركة فيه أو عدمها, والية المشاركة ومقوماتها وأهدافها, باتت اليوم نقطة فارقة في الحوارات الجارية بين أطياف المجتمع السوري السياسية والثقافية, وعلى رغم أهمية هذا الحوار وجدية مضمونه, فان تداوله لا زال مقتصراً على الحيز الفاعل أو الذي لا زال يعتبر نفسه فاعلاً وجزء من الفضاء السياسي والثقافي السوري, وهو جزء محدود وفي اطر مبعدة ومقصية عن التداول في الشأن العام, وبالتالي منفية قسرياً من التفاعل مع الرؤى الشعبية الأفقية, بحكم الفترة الطويلة التي ادلج فيها البشر والحجر بالمشروعية الواحدية وما تفرع عنها من هياكل ومسارات أفرغت العملية الانتخابية, كعملية سياسية, من أي محتوى ديمقراطي, وتحويلها إلى عملية امتيازية, تفقيسية, لطبقة موالين ومهرجين, تقتصر وظيفتهم على أنهم يصبحون " متعقبي معاملات رسمية " في هيئة نيابية ! بحكم أن تقييم عمل أية مؤسسة برلمانية ينبع من قدرتها على القيام بدورها السيادي الذي تتحدد آليته, بنظام العمل البرلماني المقونن على أرضية تمثيل أوسع فئات وشرائح المجتمع, وعلى أن يكون البرلمان ساحة للحوار والتفاعل من حيث شفافية سن التشريعات واتخاذ القرارات المجسدة لماهية الحوار بين الناخب والمنتخبين.
&& واضح أن برلماناتنا السابقة وبغض النظر عن الهالة الإعلامية الرسمية, تفتقر إلى الحد الأدنى من مميزات تمثيل الشعب أو الدفاع عن مصالحه, نظرا لطريقة تعيين شخوصه والعقلية التي تدير وتشرف على عمل هذه المؤسسة الحيوية, وهي ذات العقلية التي أقصت المجتمع عن المشاركة في الشأن العام.
& إذا أن ما جرى في مجتمعنا السوري من تحريف وتزوير في بنية الانتخابات ووظيفتها ودورها كعملية سياسية, تداولية, تشاركية, تشكل البنية المؤسسة لنظام التشريع والمراقبة, على أرضية أنها الحلقة الوسطى الناظمة للعلاقة بين الشعب وبين سلطته التنفيذية ٍ, ما جرى أجهض السياسة عن الانتخابات وجعلها مجرد آلية أخرى من آليات إقصاء المجتمع وتعليبه, واقتصر دور المجالس السابقة التي كان يلتئم أعضاءها عبر قوائم مغلقة تجمع أصوات الأحياء والأموات في تعداد رقمي يأخذ في الاعتبار ما دونته سجلات الأحوال الشخصية وليس من إرادة ناخب فعلي, وطبيعي أن الدور أيضا يرتبط بآلية الإنجاح نفسها, لذلك كان يقتصر على التصديق وليس التشريع ! على الرغم من أنه في الدول التي تحترم شعبها, تصبح السلطة التشريعية المنبثقة عن هذه العملية الانتخابية السياسية مصدرا لسن التشريعات الناظمة لحياة وتطور الشعب الذي تمثله, وفيها تكمن حرية الناس وحرية إرادتهم, وهو ما عبر عنه جون لوك (الرسالة الثانية, الفصل الرابع ) بقوله : " تتمثل حرية الناس تحت حكم ما, بان يكون لهم نظام يعيشون بموجبه, يطبق على كل الناس في المجتمع, وتسنه سلطة تشريعية لدى ذلك المجتمع ".
&& الآن انتهى الدور التشريعي الحالي دون أن يصدر قانون انتخابي جديد أو قانون ينظم الحياة السياسية, وفي هذا يعتبر بعض المراقبين أن الأمر ليس بذي أهمية, بحكم انه من الممكن إصدار قانون أو مرسوم من رئيس الجمهورية حول هذا الموضوع, المخول دستوريا بذلك في الفترة بين دورتين برلمانيتين, على كلا هناك تساءل محق إذا كان هذا الحال لا زال مستمرا بشكل أو بأخر فما الفائدة المتوخاة من المشاركة في الانتخابات القادمة.
& ثمة أمور لا يختلف عليها اثنان, أن هناك متغيرات متسارعة دولية وإقليمية, فرضتها مجمل التطورات العالمية وباتت كل الأنظمة المغلقة التوتاليتارية على مفترق طرق, أما أن تعيد حساباتها وتعمل على إعادة إنتاج ذاتها في حلة جديدة تتوافق ومنطق القوة والهيمنة الجديد, الذي يعتبر أن غياب الديمقراطية والتعددية السياسية واستفحال الفساد لم يعد خطرا على المواطن المغلوب على أمره في هذه الدول, وإنما بات يهدد الاستقرار العالمي أيضا ! وبغض النظر عن الموقف من الطروحات الغربية هذه, لأنني لست بصدد مناقشتها إلا أنها تحمل جديدا من المفروض التوقف عنده من لدن الأنظمة أو المعارضة على حد سواء, ولعل أولى خطوات التوقف هي تقييم الواقع الذي نعيشه كما هو وليس كما نتخيله, فالقادم أعظم, وهو يستوجب مراجعة مجمل جوانب هذا الواقع برؤى حداثية, عقلانية, أي أن يتم التخلص من الذهنيات اليقينية المستشرية والمبنية أما على مصالح مراكز القوى, أو على مجموعة من التخيلات والأوهام الشعاراتية, ومن الأنسب لمصلحة الشعب السوري بكل أطيافه وشرائحه القومية أن يقرا الواقع بذهنية توافقية تحدد سبل وكيفية تحصين هذا الواقع وتقوية وحدته الوطنية وجعلها غير قابلة للاختراق, وهو ما يفترض خطابات متقاطعة تجمع النقائض وتوحد النسق وتتفاعل ايجابيا مع ما هو ملموس, والانطلاق منه إلى الهدف الأسمى وهو إرساء أسس وطن مستقر يكون فيه القانون سيدا وحكما والانتخاب آلية تداولية, حرة وديمقراطية.
& أعود إلى تساؤل أخر وهو ما الذي تغير داخليا, لأقول بأنه ليس الكثير ولكن هناك أسس وركائز قد تغيرت منذ تولي الدكتور بشار الأسد رئاسة الجمهورية, أسس وركائز يمكن البناء عليها, إذ انه مهما كانت مسميات الخروج من الأزمة التي يعاني منها المجتمع السوري, سواء كانت " إصلاحا " أو " تحديثا وتطويرا " أو " التحديث مع الاستمرارية " فهي من وجهة نظري مسميات مختلفة لحالة واحدة, ومن الطبيعي أن تختلف التسميات بحكم اختلاف المصالح, ويبقى الأمر الأكيد بان هناك حالة أزمة وفساد باتت بحاجة إلى إصلاح, وهو أمر يتفق عليه الجميع السلطة والمعارضة, مع اختلاف وتباين شكل وطريقة الإصلاح المعروضة, ولكن هذا لا ينفي أن هناك الكثير الذي تغير في الذهنية السياسية لكل الإطراف, من حيث انتفاء الوعي الاقصائي إلى حدوده الدنيا وحلول وعي تشاركي, يقبل بالأخر على أرضية مصالحة وطنية تؤطر للذاتية والخصوصية من خلال العلاقة الجدلية التي تربط الذات بالعام الذي يحيط به, ضمن إطار المواطنة الحقة والمجسدة دستوريا.
& اعتقد بان ما تغير يشكل تراكما نوعيا في الوعي والسلوك الممارس ثقافيا وسياسيا, وهو وان كان أوليا, جنينيا, لكنه يمكن أن يكون ركيزة لتيار شعبي إصلاحي عريض يحتكم للعقل, أساسه الاحترام المتبادل والاعتراف بالأخر, حقا وواجبا, وعدم المحاكمة على النوايا, وإنما أن يكون المعيار هو النـزاهة الوطنية والشفافية السياسية, وبديهي أن هناك الكثير من العقبات التي تعترض سبيل الإصلاح بكل أوجهه, بحكم وجود كثرة من دوائر الاستثمار التي تحرص على مصالحها وتدافع عنها, وهو ما نلمسه في الانتكاسات هنا أو هناك, وفي المقابل هناك سعي من قبل هذه الدوائر لقوننة استثماراتها, وهو أسلوب يختلف مع ما كانت تمارسه سابقا, ودليل على تغير آلية التحكم والتعامل مع المجتمع, الأمر الذي يفرض على قوى المعارضة بكل أطيافها, التفاعل مع الواقع وابتداع أساليب عمل نضالية تختلف في الجوهر من حيث الهدف عن ما يمارس في المجتمع السوري من جهة, ومن جهة ثانية يعتبر تغيرا أساسيا في امتلاك القدرة على توظيف ما هو موجود في الواقع لخدمة إنعاش المجتمع وكسر حالة استلابه وتهميشه, بالاستناد على المعطيات الموجودة بهدف خلق تراكم نوعي جديد في الرؤية والفكر والممارسة, يؤسس لغد أفضل يكون فيه المجتمع حاضرا ومرتكزا حيويا.
& أن المهمة التي تنادي بها الأطياف السياسية والثقافية المعارضة في سوريا هي في الأساس إعادة السياسة للمجتمع, وهو ما يستوجب وفق ما اعتقد التعاطي مع الواقع والتفاعل مع مجمل قضاياه السياسية والاجتماعية والثقافية وفي كل المراحل والمستويات ومهما كانت العوائق والمنغصات شائكة وقوية, وهي أمور تفترض الرؤية العلمانية لها, والعمل على توفير الحل من داخلها, عبر عمل وفعل سياسي مجتمعي دؤوب وتدرجي, صحيح انه يحتاج إلى انفتاح السلطة على المجتمع وإفساح المجال لفعالياته في تنظيم وتأسيس نفسها كقوى اجتماعية وطنية, مختلفة في رؤاها السياسية, لكنها متفقة على صيانة الوطن وحماية مصالحه, وصحيح أيضا أن المعطيات المشجعة على المشاركة في الاستحقاق الانتخابي القادم قليلة, من حيث الركائز التي تبنى عليها هذه العملية, ولكن المشاركة تبنى أساسا على الهدف منها, أو بالا حرى على الغاية المتوخاة من المشاركة, هل هو الوصول إلى البرلمان الذي نعتبره جميعنا آلية من آليات الضبط الاجتماعي, أم الغاية هي إعادة السياسة إلى العملية الانتخابية ! واجزم بان انتظار الحتمية أو الهبات السلطوية أمر لم يعد في الحسابات السياسية لأي طرف سياسي سوري.
& من الطبيعي أن المشاركة أو عدمها تتحدد بالرؤية السياسية وبمدى الفائدة المرجوة, مع عدم نسيان بان جُل الأحزاب والأطر الموجودة لم تكن في يوما ما أحزاب انتخابية ؟ بمعنى أن الوعي الانتخابي جديد في بنيتها المفهومية للعمل السياسي, كون اغلبها خارج من رحم مرحلة ثوروية كانت فيها الجملة الاقصائية هي الناظم لعملها السياسي, لذلك أجد من الطبيعي أن تكون هناك صعوبات كبيرة في تقبل فكرة بناء وعي انتخابي يقبل بالاختلاف والتعدد ويعمل بهدوء وواقعية على أن يكون الصندوق حكما وناظما لأي تباين سياسي, وهو ما أخمن بأنه يجب أن نسعى إليه على اعتبار أن الانتخابات القادمة يجب أن تؤسس لانطلاقة مفصلية سواء من جهة مصداقية الإصلاح الرسمي, أو من جهة الطلاق الأبدي مع الرؤى الاقصائية, أو من جهة الانفتاح الأفقي على المجتمع السوري, لذلك فانا اعتبر أن المشاركة خطوة أساسية ليس في دخول برلمان مبستر, وإنما في تعريف الشارع السوري بماهية اطر غابت عنه لفترة طويلة جدا.
& صحيح أن الأحكام العرفية وقوانين الطوارىء لا زالت موجودة, واحتكار السياسة لا زال سائدا, وملف المعتقلين السياسيين لا زال مفتوحا ؟ و.. و.. الخ, كل هذه العقبات موجودة, وهي تضاف أيضا إلى أمراض أطراف المعارضة السورية سواء منها القسري أو الذاتي, وفي المحصلة فان وضع هذه المعارضة المجتمعي لا يسر خاطر, وليس أدل على ذلك من تمركزها في اطر مغلقة, نخبوية, لا تعلم عنها أغلبية فئات الشعب السوري شيئا, على الرغم من أنها لا تتحمل المسؤولية حيال ذلك, لكن هذا لا يبرر لها البقاء مثلما هي الآن, ولا بد لها من الانفتاح على المجتمع, وتدبير اعتماد كل ما يسهل لها هذا التواصل والانفتاح, واستغلال أية ثغرة قانونية لنشر فكرها ونهجها السياسي, على أرضية الخطوة خطوة, وبديهي أن استثمار الانتخابات القادمة, وتحويلها إلى عملية سياسية, مسار صحيح من وجهة نظري.
& أن المشاركة الجدية في الانتخابات فعل سياسي مؤسس لإعادة السياسة إلى المجتمع, وأقول المشاركة وعدم ترك الساحة مرة أخرى مقتصرة على النمط الواحد وتكملته العددية, والمشاركة التي اعني هي أن يتم التحضير بشكل جيد وان توضع الخطط العملية الكفيلة - نسبيا على الأقل - ووفق الامكانات المتاحة, لفعل سياسي شعبي يستفيد من فترة الدعاية الانتخابية وشرعيتها, في تعريف المجتمع بنفسه نهجا وسياسة ورؤى وطنية, وتعريف الناخب بأهمية الصوت الانتخابي في بناء الوطن فيما إذا ذهب في الاتجاه الصحيح, وبالتالي في وضع دعائم وعي انتخابي ديمقراطي يحرص على الصوت الانتخابي ويدلل على قيمته, الذي هو في ذات الوقت حرص على الوطن ومصلحته, وفي هذا السياق يهمني أن اُذكر بتجربة الحركة الحزبية الكردية على علاتها وخصوصيتها في هذا المجال, ففي الدورة الانتخابية الماضية, حيث استغلت فترة الدعاية الانتخابية بمهرجانات خطابية وفعاليات دعائية ليس للمرشحين وإنما لنهج ورؤية الأطر الحزبية, هذه المهرجانات الأفقية التي تم فيها التواصل مع جماهير الشعب بكل شرائحه, وعلى مستوى القرية والمدينة والوحدة الإدارية مهما صغرت, هذا التواصل الذي يضاف إليه السمة القومية أمنت إلى حد ما القاعدة الشعبية لهذه الأحزاب, على الرغم انه وبعد هذا الجهد الكبير حقا, وبسبب وجود القوائم المغلقة ( التي لم تكن جديدة في المشهد الانتخابي أصلا ) تمت مقاطعة الانتخابات في صباح يوم إجراءها وأعلنت الأسباب في بيان رسمي حينها.
& هذه هي الفائدة التي أتوخى الحصول عليها بالمشاركة في الاستحقاق القادم, وهي فائدة جماهيرية أصلا, تواصل مع الشعب وتفعيل لبنى المجتمع, وتدريبه على خوض غمار مسيرة جديدة لا خبرة له فيها, وزرع دعائم أساسية في تحويل الرعية إلى مواطن عبر التناسق والتناغم بين دوائر ومكونات الواقع السياسية, والخروج من دائرة الانعزالية وانتظار الهبات من سلطة تسعى إلى تثبيت مكتسباتها, ومن حق الأطياف السياسية الأخرى في المجتمع السوري السعي باليات مختلفة إلى توطيد موقع تشاركي لها, عبر إحياء المجتمع وإعادة السياسة إليه وبناء وعي ديمقراطي يؤسس لإنسان بأبعاده المختلفة.
كاتب كوردي سوري, ناشط في لجان إحياء المجتمع المدني - القامشلي