قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

حسين السكاف
&
لا يختلف اثنان حول موضوعة الإشاعة التي تروجها أجهزة إعلام الدكتاتور على اختلاف أنواعها ومصادرها، على أنها قد لعبت دوراً هاماً في سيطرة الدكتاتور ونظامه على تفكير الفرد العراقي، فلقد اعتمدت السلطة الحاكمة في العراقي ومنذ قيامها، على الإشاعة باعتبارها المقياس والميزان لجس نبض الشارع العراقي تارة، وعلى التمويه وتزييف الحقائق، أوعلى إثارة الخوف في نفوس العراقيين إذا ما ساورت لهم أنفسهم بالوقوف ضد الدكتاتور تارة أخرى.
يذكر العراقيون وأنا منهم، الكثير من الإشاعات التي كانت السلطة تروجها لصالح الدكتاتور شخصياً، حيث تُصاغ هذه الإشاعة بصورة مدروسة لكي تحقق الغرض الذي من أجل أُطلِقت.
في إحدى هذه الإشاعات مثلاً، قيل أن الدكتاتور قد زار إحدى المدارس الإبتدائية في منطقة "الدولعي" ببغداد وسأل أحد التلاميذ فيما إذا كان يعرفه، فأجاب التلميذ: " نعم ، أراك في التلفزيون ولكن عندما يراك والدي يبصق على التلفزيون ويغلقه "، وعلى ضوء ذلك أمر الدكتاتور بإعدام الأب. هذه الإشاعة قد أشيعت في كافة أرجاء العراق بسرعة مذهلة، سرعان ما سرى مفعولها في كافة البيوتات العراقية حيث أصبح الكبار يخشون الحديث عن السياسة أو المساس بشخص الدكتاتور أمام الصغار، وبهذا يكون الدكتاتور قد كسب ما لم يكسبه غيره ممن سبقوه، فلقد دخلت أوامره إلى داخل البيت العراقي. وللحقيقة أقول بأني قد سألت أصدقائي ممن يسكنون منطقة " الدولعي " في وقتها عن هذا الخبر فأكدوا لي بطلان هذا الخبر.
وهناك إشاعة أخرى من المهم ذكرها والتي مفادها " أن رجلاً استأجر سيارة أجرة "تاكسي" وأثناء جلوسه في السيارة، أخذ سائق التاكسي الملثم بالنيل من شخص الدكتاتور وأظهر تذمره من الحرب الدائرة مع إيران والتي كانت في عامها الثاني، ولكن هذا الرجل الذي يجلس جنب السائق أبى أن يقول كلمة واحدة تمس الدكتاتور بل على العكس مدحه وأثنى عليه خوفاً من أن يكون هذا السائق شرطي أمن - كما تقول الإشاعة -، وبقي متمسك بموقفه رغم إلحاح السائق عليه بإظهار عيوب الدكتاتور، وعندما وصل إلى المكان المطلوب وهم بالنزول، كشف السائق عن وجهه وإذا به الدكتاتور شخصياً، أثنى على الرجل لموقفه " الشريف " وأعطاه حقيبة ( سامسونايت ) مليئة بالدنانير. وهكذا يكون الدكتاتور قد ضمن لغط الشارع العراقي، فإذا لم يكن لصالحه فلن يكون ضده بشكل علني، من خلال هذه الإشاعة التي تحرم النيل من شخصه بشكل علني ومتداول، وهناك الكثير من الإشاعات على هذه الشاكلة.
يعتمد النظام الحاكم في العراق على الإشاعة بشكل كبير جداً، فمنذ منتصف السبعينيات بعث النظام العراقي بعض الطلاب العراقيين إلى الولايات المتحدة الأمريكية خصيصاً لدراسة مادة دراسية معينة غير متناول تدريسها في العراق هي (الاتصال السمعي والبصري Visual and Audio communication) والتي تختص بكل أنواع الإتصالات السمعية كالإذاعة والإشاعة والموسيقى وتأثيرات الضوضاء وغيرها من الموضوعات، وتوظيفها لخدمة أهداف خاصة ومعينة، وكذلك الحال للاتصالات البصرية كالتلفزيون والصحف والمجلات واللافتات والملصقات وغيرها. عادوا هؤلاء الطلبة إلى العراق بعد أن حصلوا على شهادة الدكتوراه في هذا الاختصاص عام 1981 وتعينوا جميعاً باستثناء واحد منهم، في ملاك ديوان رئاسة الجمهورية، وبقوا على هذا الملاك على الرغم من عملهم في أماكن مختلفة مثل وزارة الداخلية والدفاع والإذاعة والتلفزيون ووزارة التربية ووزارة الإعلام، وكانت مهمتهم الرئيسية هي دراسة وإطلاق الإشاعة.
الموضوع الرئيسي الذي أود أن أتناوله من خلال هذه السطور هو الإشاعة التي تؤكد على وجود شبيه أو أكثر للدكتاتور. أعترف بأني أصاب بالإحباط والحزن عندما أسمع بعض من أصدقائي من المثقفين أو في أمسيات ثقافية أو سياسية والتي تدار من قبل بعض المثقفين العراقيين وهم يتحدثون عن هذا الموضوع بشكل جدي ويفصحون عن تصديقهم لهذه الإشاعة البغيضة. هنا أود أن أوضح بأن هذه الإشاعة قد انتشرت في العراق بشكل قوي ومعلن من قبل النظام في عام 1982 بعد أن أشيع خبر محاصرة الدكتاتور من قبل القوات الإيرانية في منطقة المحمرة أثناء الحرب العراقية الإيرانية، فكثرت الأقاويل وأطلق العراقيين العنان لمخيلتهم معبرين عن شماتتهم بابن العوجة، فخرجت هذه الإشاعة لتقول بأن شبيه الدكتاتور هو الذي حوصر، ومنذ ذلك الحين ولغاية الآن يعيد النظام إطلاق هذه الإشاعة بالذات، وعلى وجه الخصوص عندما يحس النظام بحركة ما قد تزعزعه هنا أو هناك من قبل رجال المعارضة في الداخل، الغرض من إطلاق هذه الإشاعة هو أن يتملك المواطن العراقي الشعور بالإحباط وخيبة الأمل لمجرد التفكير باغتيال الدكتاتور، فعندها سيقول ماذا لو قتلته واكتشفت بأنه لم يكن هو الدكتاتور الحقيقي، بل هو شبي! ه الدكتاتور؟ فيجيب نفسه بأن مصيره ومصير عائلته سوف يكون الإعدام وتذهب كل جهوده هباء، أعترف بأن هذه الإشاعة قد نجحت بشكل كبير، وأثرت بالغ الأثر في نفس المواطن العراقي، ولذلك نلاحظ بأن كل العمليات الجريئة التي شنها ويشنها رجال المقاومة ضد السلطة في العراق قد استهدفت أشخاص صغار بالمقارنة مع رأس النظام.
إن صورة الدكتاتور العراقي قد طُبعت بمخيلة الفرد العراقي بشكل راسخ ومقيت لا يقبل الشك وذلك من خلال ظهوره اليومي على شاشات التلفزيون لأكثر من عشين عاماً، والصورة الشخصية التي يجب أن تتصدر الصفحة الأولى للصحف والمجلات منذ أن أصبح رئيس لغاية الآن، علاوة على مئات الآلاف من الجداريات التي تحمل صوره والتي تتوزعها المدن والساحات والمباني، فكيف إذا سيوهم شبيه الدكتاتور هذا الشعب بأنه الدكتاتور نفسه، إنه ضرب من المستحيل، لذا عندما أجد إن هذه الإشاعة قد انطلت على المثقف العراقي الذي يعيش خارج السجن الكبير "العراق" يصيبني أكثر من الحزن، لأني وببساطة أقول ماذا يفعل ذلك الإنسان الب! سيط الأمي الذي يعيش داخل العراق والذي يتلقى الصفعات والإشاعات بشكل يوم ي من هذا النظام الهمجي؟ هل من حقي أن أحاسبه إذا أخطأ أو صدق إشاعة الغرض منها تمجيد أو ديمومة كرسي الدكتاتور؟
إذا صدقنا حقاً بأن هناك شبيه للطاغية، فعلينا التخلص من الشبيه أولاً وبذلك سوف يموت الطاغية.