قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك


قد يكون من المبكر التحدث عن مستقبل تركيا بعد مضي عشرة ايام فقط علي الانتخابات التشريعية الاخيرة، والنجاح الباهر الذي حققه حزب العدالة والتنمية الاسلامي برئاسة رجب طيب اردوخان.. ولكن المؤكد اننا بصدد جديد في هذه الانتخابات قد تكون له اثار بعيدة المدي علي ساحة الحركات الاسلامية في الشرق الاوسط، وربما بوجه اعم علي صعيد العالم كله. حزب العدالة هو ثالث حزب تركي ينتمي اصلا الي الاتجاه الاسلامي، واكثر هذه الاحزاب اعتدالا.. ورغم انه قد حصل علي ثلث اصوات الناخبين فقط، حصل علي ما يقرب من ثلثي مقاعد البرلمان (363 من 550 مقعدا.. اي انه بزيادة اربعة مقاعد علي ما حققه، يتوافر له ما يمكنه من تعديل دستور البلاد، دون ما حاجة الي الاستعانة باي حزب آخر. وقد بدت تركيا، حتي يوم 4 نوفمبر الماضي، وكأنما هي بلد ينتهج سياسة هي نقيض ما اسفرت عنه الانتخابات علي طول الخط.. ان تركيا دولة تعتبر صديقة للولايات المتحدة، وهي مرشحة لعضوية الاتحاد الاوروبي.. انها عضو بحلف الاطلنطي (رغم ان 95% من الاتراك يقطنون شبه جزيرة الاناضول التي هي جزء من آسيا وليست من اوروبا).. ورغم ان تركيا دولة اسلامية، فانها دولة علمانية، وريثة ثورة اتاتورك العلمانية.. واضحت، في مواجهة كتلة الدول العربية، ذات علاقات متينة باسرائيل. غير ان خللا قد اصاب فجأة النظام التركي التقليدي.. فان 16 من احزاب تركيا الـ 18 لم يحصلوا علي الـ 10% من اصوات الناخبين.. وينص القانون الانتخابي التركي علي شرط حصول كل حزب - منفردا - علي 10% من الاصوات، حتي يكون مؤهلا لعضوية البرلمان.. لقد اراد النظام التركي بهذه النسبة المرتفعة التقليل من وزن الاحزاب الصغيرة في تقرير مصير السياسات القومية.. ولكن انتهي الامر الي نقيض ما اريد بهذا القانون.. وهكذا فان 4% من الناخبين - المنتمين الي احزاب صغيرة - لم يعد يمثلهم احد في البرلمان.. ان حزبا مناصرا للاكراد مثلا، قد نجح في جنوب شرقي الاناضول في تمثيل الاكراد تمثيلا جيدا رغم تعرضهم للملاحقة من قبل الحكومات التركية المتعاقبة، غير ان هذا الحزب قد حصل فقط علي 6.2% من مجموع اصوات ناخبي الاقليم، وهكذا لم يتح للاكراد التمثيل في البرلمان علي اي وجه. كان اول ما صرح به اردوخان، بمجرد اعلان نتائج التصويت، ان حزبه ملتزم بالمحافظة علي علمانية الدولة، وعلي التعجيل بدخول تركيا في الاتحاد الاوروبي.. لقد اعتبر ان لهذا الهدف اولوية علي اي هدف آخر.. وهذه تصريحات لم ترض بعض اعضاء حزبه، الذين ورأوا فيها تخليا من جانبه عن هوية الحزب الاسلامية.. في نظـر هؤلاء، خان اردوخان الحزب، وانزلق في مواقعه حتي اصبح يباشر سياسات خصوم التيار الاسلامي. غير ان اردوخان يتصور حزبه علي انه المقابل الاسلامي للاحزاب المسيحية الديمقراطية في اوروبا.. وقد تقلد منصب عمدة اسطنبول طوال اربع سنوات قبل تولي حزبه قيادة البلاد.. وتميزت ادارته لشئون العاصمة بالنظافة، وبالبعد عن الفساد المستشري بين الاحزاب التركية التقليدية.. وهذا اهله لكسب ثقة جماهير عريضة... وان يصبح اكثر ساسة تركيا شعبية ومصداقية.. ويكفي للتدليل علي ذلك ان حزب اردوخان قد حصل علي ثلثي مقاعد البرلمان، في وقت حصل فيه حزب اجاويد، رئيس الوزراء السابق، علي 1.3% من الاصوات فقط!. ممنوع توليه رئاس الحكومة ومع ذلك، ورغم النجاح الباهر الذي حققه، لا يستطيع اردوخان ان يتولي رئاسة الحكومة التركية بشخصه.. ذلك انه قد اسقط حقه في عضوية الحكومة والبرلمان لادانته، عام 1998، بالقاء قصيدة شعر كانت في نظر محكمة تركية دعوة الي الكراهية الدينية.. ومن هنا، تعين علي اردوخان ان يختار غيره ليتولي رئاسة الحكومة بديلا عنه، وهو امر لا بد ان يعني ازدواجية في القيادة من الصعب التكهن بعواقبها.. خاصة وان حزب العدالة يخشي ان يتعرض لمشاكل من قبل القيادات العسكرية في تركيا، كما حدث لحكومات سابقة ضمت في صفوفها ممثلين لاحزاب اسلامية.. بصرف النظر عن حرص اردوخان علي انتهاج نهج يطمئن القوي العلمانية.. وقد فسر بعض المراقبين اصرار اردوخان علي الاحتماء بالاتحاد الاوروبي علي ان المقصود به التخفيف من وطأة ضغوط الجيش عليه، والاستعانة باوروبا كقوة كفيلة بالحد من هيمنة الجنرالات علي مقدرات السياسة التركية. وحسب بعض المحللين، فان انتخاب حزب العدالة لم يكن تعبيرا عن رغبة في انتخاب حزب اسلامي بقدر ما كان بغرض معاقبة الاحزاب التقليدية التي سبق وحكمت تركيا، لفسادها المزمن والمتفاقم، واقامة تجربة بديلة، تستند الي حزب من وسط اليمين يستعين بتجربته الاسلامية كأساس لمقاومة الفساد ومواجهة ازمة تركيا الاقتصادية الطاحنة.. ويحرص هؤلاء المحللون علي تأكيد ان حزب العدالة قد انتقل من موقع المعارضة برؤية اسلامية الي بناء روابط مع اوروبا والولايات المتحدة.. مؤكدا ان العلمانية هي الحامي لكل العقائد والاديان . لقد تردت الاحوال الاقتصادية لدرجة ان عدد العاطلين قد تجاوز مليوني عاطل.. وهي ازمة قد افضت بدورها الي ازمة سياسية شاملة، حتي في حالة عدم تعرضها لضغوط من قبل العسكريين والمؤسسة القانونية.. وربما بالذات لحدوثها في ظل اوضاع اقليمية بالغة التأزم، مع اقتراب موعد تصدي الادارة الامريكية - عسكريا - للنظام العراقي، ومع تأزم الاوضاع في فلسطين علي نحو غير مسبوق، فضلا عن ازمة قبرص المزمنة، الناجمة عن احتلال قوات تركية للقطاع التركي من الجزيرة، في تحد سافر للاتحاد الاوروبي.. وهذه ازمات متداخلة، وكلها متفجرة. تجنب مواجهة مع العسكريين لقد اعلن اردوخان انه سوف يترك القرار الخاص بموقف تركيا من هجمة امريكا المرتقبة ضد العراق لجنرالات الجيش التركي، المعروف عنهم بعلاقاتهم الوثيقة مع الولايات المتحدة.. بأمل ان يكون للوساطة الامريكية دور لصالح حزب اردوخان في عدم تدخل القوات المسلحة في الشئون التي تتعلق بالحياة المدنية التركية. ان اردوخان ينطلق من ان العداء بين جنرالات الجيش والحكومة الجديدة ذات الاصول الاسلامية ليس حتميا.. فان نتائج الانتخابات مرجعها - في رأي مراقبين عديدين - غضب الجماهير ضد الاحزاب التي طالما حكمت البلاد، وليس موقفا مسبقا من حزب العدالة بالذات.. لقد كانت نتائج الانتخابات تعبيرا عن جماهير الطبقات الوسطي والبرجوازية الصغيرة التي تحملت وطأة الازمة الاقتصادية الطاغية، وتردي مستوي المعيشة الناجم عن اندماج الاقتصاد التركي في الاسواق العالمية.. ومن هنا التقارب بين الطبقة الوسطي في الاقاليم، والقوي المحافظة في المدن، والمثقفين، ضد التشكيلات التي طالما حكمت البلاد. ورغم انه ادار شئون العاصمة بمقتضي رؤية اسلامية، فقد اعلن اردوخان انه سوف يتجنب الاحتكاكات التي قد تنجم عن هذه الرؤية.. فقد عين في مواقع مسئولة سيدات كثيرات، وكذلك بعض ممثلي الاتجاهات المحافظة.. ان اردوخان حريص علي تجنب تدخل الجيش كما حدث في مناسبات سابقة.. ان مسعي حزب العدالة هو ان يثبت امكانية التوفيق بين الاسلام والديمقراطية.. ويبدو انه قد استطاع ان يقنع العالم الغربي بانه جدير فعلا بـ ان يعطي فرصة فلقد اعلن اكسافييه سولانا، المسئول الاول عن السياسة الخارجية الاوروبية، ان اوروبا ستحكم علي الحكومة التركية الجديدة بأفعالها، لا بأقوالها، وان اهم اختبار لدي الاتحاد الاوروبي هو كيف سوف يتصرف حزب العدالة مع صندوق النقد الدولي . غير ان اصواتا قد ارتفعت، علي رأسها صوت الرئيس الفرنسي الاسبق، فاليري جيسكار دستان، وغيره من ساسة فرنسا، من اليمين واليسار معا، ليعترضوا علي ضم تركيا الي الاتحاد الاوروبي، بدعوي ان اغلب ارض تركيا خارج القارة الاوروبية، وان القبول بالتحاق تركيا سابقة لدول اخري مثل المغرب وارد ان تسعي المسعي ذاته، وهذا قد يعرض الاتحاد لازمة تتعلق بصميم هويته، وربما حتي للانهيار. هل نحن بصدد تجربة اسلامية جديدة، يحكمها التصالح مع الغرب، بديلا عن المواجهة العدائية معه؟.. تجربة لو كتب لها النجاح، فلا بد ان تكتسب - في الظروف الراهنة بالذات - دلالة يتعذر التهوين من شأنها؟.. ذلك انها سوف تثبت ان العلمانية من الممكن ان تكون ليبرالية، والديمقراطية ممكنة التحقيق في بيئة اسلامية.. هكذا يسقط الادعاء ان حواجز حضارية تفصل بالضرورة بين الدول الاسلامية والغرب.. وهذا، علي اي الاحوال، تحد خطير يواجه الجميع.
(الأيام البحرينية)