قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

عزيز الحاج
&
فيما تجمع القوى الوطنية العراقية [من شاركت منها في مؤتمر لندن أو لم تشارك]، على هدف إزاحة النظام العراقي، لما سبه ويسببه من مآس متلاحقة للشعب العراقي ولجيران العراق، يواصل العديد من المثقفين العرب حملاتهم الدعائية والسياسية لصالح بقاء النظام تحت ستار "دعم العراق ضد العدوان" ولم يمر على شعبنا ظرف كهذا الظرف، حيث يخذله العرب، حكومات، وشعوبا، ومثقفين. ولابد بالطبع استثناء المثقفين الذين يجرؤن على معاكسة تيار المصالح الضيقة والتضليل والغوغائية فمقالته شمعة في دياجير النفاق الإعلامي والثقافي العربية. ولا شك في أن هؤلاء موضع تقدير الوطنيين العراقيين لشجاعتهم وإنصافهم ووعيهم بالمسؤولية في هذا الظرف الدقيق من تاريخنا الحديث.
أما التيارات المناوئة لقضية الشعب العراقي، وهي الأكثر صخبا وضجيجا وإمكانات ضخمة، فإن مواقف أبطالها نابعة إما من أفكار ومعلومات خاطئة، وإما من مصالح أنانية وسياسية ضيقة.
إن آخر أمثلة المواقف المؤسفة للمثقفين العرب المندفعين في حملة دعم الظلم والظلام الاستبدادي في العراق، باسم الدفاع عن العراق، ندوات عقدها مؤخرا، مثقفون مصريون وسوريون، ومقالات تدبج في الصحف، تحت شعارات براقة لا تعني غير دعم النظام ومحاولة صد حملة التغيير القادمة، ومعها شتائم واتهامات مجانية للقوى الوطنية العراقية. وكنا سنفهم معنى هذه المواقف المستهجنة لو أن أصحابها أعلنوا إدانتهم للطغيان الشمولي للنظام العراقي ورفعوا شعار "من أجل دعم نضال الشعب العراقي لإزاحة النظام الجاثم عليه"، جنبا لجنب مع شعاراتهم الأخرى.غير أن أيا منهم لا يفعل ذلك. ويكتب مثقف مغربي معروف مقالا مطنطنا في صحيفة عربية لندنية يصف الخطاب التهديدي والتحريضي الموجه للكويتيين بخطاب يتميز "بشجاعة يهنّأ "الرئيس العراقي عليها بوصفها "مؤكدة اتجاه النظام العراقي إلى إحداث تغيير في عقليته وسلوكه"! فعلى أية عقول عاقلة يريد المقال أن يضحك؟ إنه ينتقد من أدانوا الخطاب مستشهدا بمواعظ قديمة عن "العفو" لا تنطبق على الحالة. فمن يا ترى لم يقرأ المقال ويفهم معناه ومرماه؟!أما المحرر السوري القديم في مجلة "الوطن العربي" عندما كانت تصدر في باريس في الثمانينات، فهو يواصل تحامله المحموم على المعارضة العراقية وعلى الأكراد تحت شعار "العراق:& العروبة أولا ". وفي هذا المنحى تصب رسوم كاريكاتورية في جريدة لندنية. أما السيد كريم بقردوني فيدعو مرة إلى اجتماع الكنائس الشرقية للدفاع عن النظام، واليوم يكتب أن هدف التغيير ليس مجرد الإطاحة بنظام صدام "وإنما إسقاط دولة العراق". ويعرف السيد بقردوني وفريقه السياسي، الذي يتلقى كل دعم منذ عقود من السنين من النظام على حساب الوحدة الوطنية اللبنانية، أنه لم يبق النظام دولة بالمعنى الحقيقي ـ فلا سيادة للدولة العراقية منذ غزو الكويت والحرب والقيود الدولية، ولا سيادة للشعب في وطنه، ولا سيادة قانون، ولا مؤسسات لدولة حرة تخدم شعبها. ويقف مسؤول عربي كبير موقفا لا يناسب منصبه في رفض انتقاد منطق التهديد العراقي نحو الكويت والدعوة للإرهاب. ومن الحاضرين في ندوة القاهرة السيد بن بلا، وهو أحد كبار المسؤولين عما وصلت إليه الجزائر. وقد تحول منذ العقد الماضي لزائر دائم لبغداد وداعية متحمسا للنظام الذي "لا يقّصر"مع الرجل !؟ . .
&إن مجموع هذه المواقف وأمثالها لا يعني غبر دعوات صريحة لبقاء النظام وإدانة الجهود الوطنية العراقية المناضلة لإسقاطه من أجل بناء الديمقراطية ولضمان حقوق الإنسان العراقي المنتهكة في كل يوم وكل ساعة. ولست هنا للتنقيب في المحرك الحقيقي لبعض المثقفين العرب ودور كوبونات النفط المهرب، وصيغ الإغراء "المشهّية" الأخرى، والتي تدفع بعدد غير قليل من الصحفيين والكتاب العرب لكتابة المقالات وعقد الندوات، والركض إلى [المرابد!]. غبر أنه من الضروري التساؤل عن مدى تحلي هؤلاء بالمشاعر الإنسانية ومدى تطبيقهم للمبادئ التي يعلنون أنهم سدنتها الأبرار. وبعد أن هرب في أعقاب غزو الكويت كتاب وصحفيون معروفون من صف المطبلين للنظام وقد أثروا من وراء تجارة التسويق، أرصدة وشققا ومغانم أخرى، وبعد أن انزووا لفترة ومنهم من تحولوا للجهات الأخرى، عاد منهم من عادوا للميدان مدبجين المقالات التي تصب لصالح بقاء النظام. فهل من الصدف أن يقترن ذلك زمنيا مع تراكم المليارات العراقية من النفط المهرب ومن العائدات المخصصة للدواء والغذاء ضمن برنامج الأمم المتحدة؟؟ إن هؤلاء وغيرهم يلجئون لتبريرات واهية من تحول السياسة الأمريكية بعد 11 سبتمبر إلى هدف إسقاط النظام العراقي. إن الصيحات ترتفع في إدانة "الحرب إلى العراق ".ويجري تجاهل كون أن المقصود هو ضرب النظام وتحرير الشعب من جحيمه. ولكن فلنسأل:& "لو كان هؤلاء يريدون حقا الدفاع عن العراق وتجنب حرب محتملة فلماذا لا يرفعون شعار رحيل النظام وإطلاق حرية الشعب وقواه الوطنية لأخذ مصير البلد بيديها؟ ولماذا يقذف القوى الوطنية العراقية صحفيون وكتاب لا يكتبون كلمة واحدة لاستنكار مظالم النظام؟ والحقيقة أن دعاة الحرب الحقيقيين هم قادة النظام العراقي.ولو كان لديهم حرص على البلد لرحلوا وتركوا البلد لشعبه. ولكنهم مصرون على التشبث بالسلطة ومواصلة اضطهاد الشعب العراقي والالتفاف على القرارات الدولية التي كانوا سبب فرض قيودها على شعبنا وسيادة البلد. كما نسأل أصحاب الندوات الذين ينسبون مآسي العراق إلى "حصار "يبيح تصدير النفط لشراء الغذاء والدواء:& هل طالبوا الحكومات العربية برفض أخذ التعويضات الفاحشة من خبز العراقيين وعلى حساب بؤس الشعب؟ كم مثقفا مصريا انتقد استمرار أخذ مصر للتعويضات من العراق حتى وصلت لحد اليوم حوالي مليارين من الدولارات؟!ولو أن هذا لا يقع فما معنى التباكي على شعبنا باسم "عواقب الحصار "؟ أم هذا أمر آخر بلا علاقة؟ وللتذكير، فعندما سقطت القدس القديمة تحت قبضة الاحتلال بعد هزيمة 5 حزيران كان هم بعض الإعلاميين اللبنانيين البكاء "على الخسارة السياحية للبنان ".واليوم يقول بعض المصريين إن الحرب في العراق ستؤدي لكارثة سياحية في مصر! ألا كم من المفارقات المتشابهات في تاريخ العرب الحديث ! والطريف أن يوصي مؤتمر القاهرة بتشكيل "دروع بشرية لحماية العراقيين ولمرافقة المفتشين الدوليين"! ولو كان المؤتمرون جديين فمن المنطقي سؤالهم: ترى كيف سيصمد عدد من المثقفين المستوردين أمام قصف الصواريخ وغضب الجماهير العراقية الثائرة على النظام؟ ثم وفق أي قرار دولي يسمح كائن من كان لنفسه "بمرافقة المفتشين "إلا إذا كان في نية البعض تقديم دليل جديد على مناورات النظام لانتهاك القرار 1441؟ حقا إنها لتوصيات مضحكة ـ ولكنه "ضحك كالبكاء".
&إن الأكثر مأساوية في موقف قطاع واسع من المثقفين العرب تملقهم لأنظمة الاستبداد العربية وللتطرف الديني وجرائمه في كل مكان، أو الصمت المطبق الذي يشجع المتطرفين والمستبدين. كما أن من المؤسسات الثقافية العربية من تضيف رقابة وإرهابا بجوار ما يفرضه الحكام وأمراء الإرهاب الإسلامي. فإذا أضيف لهذا كله ما تفرضه مصالح بعض المثقفين من رقابة داخلية، لاتضحت لنا الدائرة التي يتحركون ضمنها ومدى حرية الفكر وحرية التعبير اللتين يُسمح لهم بها، ويسمحون هم لأنفسهم بهما. ويذكرني ذلك [ مع الفوارق ] بقصة الصحفي الفرنسي الذي ذهب في عهد السلطان عبد الحميد لمدير الرقابة العثمانية متشكيا من تمزيق مقالاته كثيرا من جانب الرقابة، وهي قصة أوردها الدكتور علي الوردي. فقد أجاب مدير الرقابة: "طبعا! تستطيع أن تكتب في أي شيء سوى عن أصحاب التيجان، والحكومات الأجنبية، والفوضوية، والاشتراكية، والثورة، والاضطرابات، والفوضى، والحرية، وحقوق الشعب، والسياسة الخارجية، والسياسة الداخلية، والدين، والكنائس، والمساجد، ومحمد، والمسيح، وموسى، والأنبياء، والإلحاد، والتفكير الحر، والسلطات، والأنوثة، والحريم. ."وطالت القائمة وامتدت.فقال المراسل:&"فماذا بقي؟" فكان جواب الرقيب: "ماذا بقي؟كل شيء:&المطر، والطقس على أن لا تذكر المطر في أغسطس أو ضوء القمر. وعن السلطات ما دمت لا تشير إلى الفساد. وتستطيع أن تتكلم عن صاحب الجلالة الإمبراطورية وتتغنى في مدحه. وباختصار لك الحرية التامة الكاملة في التكلم بما يروق لك." ولكن، والحق يقال، إن المثقفين العرب، المنادين بالويل والثبور خشية إزاحة النظام، قد تمردوا على بعض تلك القيود، حين جعلوا من أمريكا موضوعا يوميا ساخنا في المقالات والندوات، واستهدفوا المعارضة العراقية تشهيرا وتحاملا واتهاما. وتلك "شجاعة نادرة" تحسب لهم ما دامت الحكومات العربية تطلب المرضاة الأمريكية، وما دامت القيادة الفلسطينية تناشد واشنطن كل يوم للتدخل في القضية. أما القوى الوطنية العراقية فيكفى ربطها بـ"عدوان الشيطان الأكبر" تبريرا للحملات الظالمة التي تشن عليها يوميا.