قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أحمد عيد مراد
&
الإخوة في إيلاف
تحيَّة طيِّبة من كندا
منذ أن أطلعني الصديق مصطفى نعمان على موقع "إيلاف"، وأنا أطالع الموقع يوميًّا. ومع ما يمكن لي أن أعلِّق عليه بالنسبة إلى اللغة وبعض المواضيع، وليس مجاله الآن، أتقدَّم منكم بالتهنئة القلبيَّة، على هذا المشروع الإعلامي الثقافي، وعلى المجهود الكبير الذي تبذلونه لتقديم الأفضل لنشر الثقافة والوعي.
قبل أن أوجز ما أودُّ قوله في زاوية "أنطولوجيا إيلاف الشعريَّة"، وأخصُّ ما ورد فيها من أشعار للصحافي والشاعر محمَّد جبر الحربي، اسمحوا لي تقديم نفسي بإيجازٍ أيضًا.
أنا كاتب وصحافي وشاعر كندي من أصل عربي، وقد مضى على وجودي في كندا أكثر من 42 عامًا.
أثناء دراستي الجامعيَّة في مونتريال أدخلت "الصحافة العربيَّة" لأوَّل مرَّة إلى كندا، بإصدار "مجلَّة العروبة" عام 1962، ولم يُكتب لها البقاء طويلاً. بعد ذلك بسنوات، أصدرت صحيفة "المورد" نصف شهريَّة باللغتين العربيَّة والإنكليزيَّة استمرَّت لأكثر من ثماني سنوات. أسَّست كذلك أوَّل دار نشر عربيَّة في كندا، وصدر عنها أكثر من عشرين مؤلَّفًا باللغتين العربيَّة والإنكليزَّية.
أصدر حاليًّا مجلَّة "الروَّاد" باللغتين العربيَّة والإنكليزيَّة، وسنرسل لكم مجلَّد السنة الماضية منها لاطِّلاعكم.
نظرًا إلى شيوع الإنترنت، وانتشار الفضائيَّات والصحف والمطبوعات العربيَّة، بات من الصعب منافسة "صحف المغتربين" شحيحة الموارد مثيلاتها الصادرة عن المؤسَّسات ودور النشر الكبيرة. لذا نحاول ما استطعنا التوجُّه لفئة معيَّنة من المغتربين العرب، ونؤكِّد على الجانب الثقافي والتراثي محاولين جهد المستطاع الحفاظ على لغتنا العربيَّة سليمة على غير ما هو مألوف في الصحافة العربيَّة التي باتت مع الأسف الكبير والألم الأكبر مرتعًا لكلِّ مَن يشوِّهها عامدًا أم جاهلاً. وكثيرًا ما أتذكَّر شاعرنا حافظ إبراهيم يرحمه الله وأنا اٌقرأ الصحف العربيَّة، وأذكر قصيدته التي "رجع فيها لنفسه فاتَّهم حصاته"، وفيها يقول:
أَرَى كُلَّ يَومٍ بِالجَرَائِـدِ مَزْلَقًا&مِـنَ القبْرِ يُدْنِينِي بَغَيْرِ أَنَـاةِ
وَأَسْمَعُ لِلْكُتَّابِ فِي مِصْرَ ضَجَّةً&فَأَعْلَمُ أَنَّ الصَّائِحِيــنَ نُعَاتِي
وكما اخترع الذين لا يجيدون لغتنا العربيَّة أو الذين لا يريدون إرهاق أنفسهم بتعلُّمها "لغة الصحافة" التي شوَّهت لغتنا، وفُرضت علينا، وأصبحت الجرائد مزلقًا يوميًّا لها، كذلك استحدث الذين لا يريدون لشعرنا العربي أن يبقى معافًى "الشعر الحر" ليجهزوا عليه، ويقيموا مكان صرحه شاهدًا على قبره. فلا هم طوَّروا الشعر، ولا أبقوا على سلامة لغتنا. وقلَّ أن تقرأ مقالاً لا تجد أغلاطه أقلَّ من صواب اللغة فيه، ونادرًا ما نقرأ "قصيدة" من فوضى "الشعر الحر" لا تعجُّ بالأخطاء اللغويَّة. أمَّا الوزن والتفعيلة، فذاك ما لا علاقة لها به. ومع ذلك نسمِّي صاحبها شاعرًا، ويُشار إليه بالبنان!
والآن أعود إلى بعض "قصائد" الشاعر الحربي التي نشرتموها في "أنطولوجيا إيلاف الشعريَّة". قد يكون ما كتب الزميل الحربي أحاسيس ومشاعر وانفعالات يريدنا أن نشاركه فيها، ومع ذلك أقول إنَّها ليست شعرًا. وما الضرر أو الخجل من تسميتها "خلجات نثريَّة"، أو شئ من هذا القبيل! ويمكن لي أن أعرِّف الشعر بأنَّه إلهام وعلم. وعلى الشاعر أو مَن يريد أن يسمَّي نفسه شاعرًا أن يلمَّ بهذا العلم بالإضافة إلى إلهامه. ولذا، بعد مراجعة ما نشرتم للسيِّد الحربي، وجدت أنَّه نثر جميل يحتوي صورًا قد تروق لبعضنا، ولكنَّه قطعًا ليس شعرًا.
وهل لي أن ألخِّص مفهومي للشعر بتلكم الأبيات:
&
الشِّعْرُ إلْهَامٌ وَوَزْنٌ
أحمد عيد مراد

&
صِحَابِي إنْ أَقُولُ الشِّعْرَ يَوْمًـا&&& &فَلَسْـتُ لأُبْـلِغَ الأقْـرَانَ فَنِّـي
وَلَيْسَ الشِّعْرُ أَنْ أُلْقِيْـهِ نَظْمًـا&&&&& لأَقْطِفَ مِـنْ قَوافِيـهِ وَأجْنِـي
إِذَا قُلْتُ القَصِيدَ فَـذَاكَ عَفْـوًا&&&&&& يَجُولُ بِخَاطِـرِي بِالرَّغْمِ مِنِّـي
وَيَسْـمُو بِيْ الخَيالُ إِذَا أَتَانِـي&&&&& لِيَغْدُو الشِّـعْرُ أَنْغَامًـا بِلَحْنِـي
وَأَجْمَعُ مِـنْ خَمَائِلِهِ زُهُـورِي&&&&&&كَرَسَّـــامٍ يُدَاعِبُهَــا بِلَـوْنِ
إِذَا اسْتَعْصَى الخَيالُ عَلَيَّ يَوْمًا&&&&وَجَدْتُ قِيادَهُ فِـي كَـفِّ جِنِّـي
فَيُسْـعِفُنِي بِإلْهَـامٍ وَسِــحْرٍ&&&&&&&& فَأَغْدُو فِيـهِ مَفْتُونًــا كَأنِّـي
أُسَـامِرُ قِصَّةً فِي الصَّدْرِ تَغْفُو&&&& تَبُـوحُ بِسِـرِّهَا مِنْ دُونِ إِذْنِي
وَأَرْوي حِكْمَةً مِـنْ قَبْلُ قِيلَتْ&&&& عَلَى الأَخْلاقِ بَيْنَ النَّاسِ تُثْنِـي
وَأَحْيانًـا يُسَــطِّرُهَا بَيانِـي&&&&&&& فَيَأْتِي مِنْ سَـدِيدِ القَـوْلِ ظَنِّي
وَأَحْفَظُ لِلْخَلِيْلِ بُحُـورَ شِـعْرٍ&&&&& أُمَاثِلُهَــا بِتَقْطِيـــعٍ وَوَزْنِ
وَأَلْتَزِمُ القَواعِدَ فِي قَصِيـدِي&&&&& كَفَرْضٍ عَنْهُ لا أَشْــياءَ تُغْنِي
وَأَرْفُضُ مَا سِواهُ وَإِنْ تَسَمَّى&&&& بِأَسْـمَاءٍ مِـنَ الأَشْـعَارِ تُدْنِي
فَإنَّ الشِّـعْرَ مَرْهُـونٌ بِهَـذَا&&&&&& وَإلاَّ فَالقَريْــضُ عَلَيْهِ تَجْنِـي
وَتَمْسَـخُهُ بِتَشْـويْهٍ وَهَـذْيٍ&&&&&& وَتوسِـعُهُ بِتَكْسِــْيرٍ وَطَعْـنِ
فَلَوْ سَـمِعَ الخَلِيْلُ عَجِيْبَ لَفْظٍ&&& لَخَالَ كَلامَهُمْ مِـنْ غَيْرِ& لِسْـنِ
وَأَنْبَأَهُــمْ حَدَاثَتُهُـمْ هَجِـينٌ&&&&&&&عَلَى رَمْلٍ قُصُورَ الوَهْـمِ& تَبْنِي
عِمَادُ الشِّـعْرِ أنْ يَبْقَى كَجِذْعٍ&&& تَوارَفُ ظِلُّـهُ غُصْنًـا بِغُصْـنِ
وَمَنْ يَجْتَثُّ مِنْ أَرْضٍ جُـذُورًا&& كَمَـنْ يَجْتَثُّ أَهْـدَابًـا لِجَفْـنِ
وَمَنْ يَـذَرُ التُّرَاثَ بِغَيْرِ عِلْـمٍ&&& عَلَى تَحْدِيثِهِ الأَيَّــامُ تُخْنِــيِ
وَيَظَّنُّ الحَدَاثَـةَ فِيـهِ فَوْضَـى& &فَيُتْحِفُنَا مِـنَ الفَوْضَـى بِرَطْنِ
فَمَا التَّحْدِيـثُ تَفْرِيـطٌ وَلَكِـنْ&&& دِلاءٌ مِــنْ مَعِينِ الشِّعْرِ تُغْنِي
فَمَـنْ يَنْبِيكَ أَنَّ الـوَزْنَ عِبْءٌ&& &يُكَبِّلُنَــا بِأَغْـلالٍ وَسِـــجِنِ
يُرَدِّدُ مِـنْ قَبِيحِ العُـذْرِ قَـوْلاً&&&& وَيُضْعِفُـهُ بِإِسْــفَافِ وَغَبْـنِ
وَلَوْ جَاءَ القَرِيضُ بِـدُونِ وَزْنٍٍ& &يَقُولُ السَّـمْعُ دَعْهُ، إِلَيْكَ عَنِّي
وَيَأْنَفُ أَنْ يَكُـونَ لَـهُ مُصِيخًا&& كَمَجْنُـونٍ عَلَـى لَيْلَى يُغَنِّــي
وَمَا غَيْرُ البُحُورِ مَــعَ القَوافِي&&تَلَذُّ بِهَا مِـنَ التَّطْرِيبِ أُذْنِــي
أَلا تَدْرِي بِأَنَّ الشِّــعْرَ وَحْـيٌ&&& تَرَاهُ بَصِيرَتِي مِـنْ قَبْلِ عَيْنِي!
وَإِنَّ الشِّـعْرَ مُوسِـيقَى وَعَزْفٌ& &يُنَاجِينِـي: "إِلَى الإِبْدَاعِ خُذْنِـي"
سَـيَبْقَى الشِّعْرُ دِيوَانًا تَسَـامَى&& وَيَبْقَـى عَجْزُهُـمْ دُونَ التَّمَنِّي
وَيَبْقَى الشِّـعْرُ فِي مَتْنِ القَوافِي& &مَنِيعًا لَيْـسَ يُضْعِفُـهُ التَّجَنِّـي
أوتاوا - 12/8/2000
مع حلول موسم الأعياد وإطلالة العام الجديد لكم، أطيب التحيَّات وأجمل الأمنيات.
&
أحمد عيد مراد
رئيس تحرير مجلَّة "الروَّاد"
26/12/2002