الجمهورية
تعد التقنية ومنجزاتها سمة العصر، بل هي الوصف الذي يطلق على المجتمع في مجال قياس تقدمه وتطوره وبعد ولادة وتطور ونمو وسائل التقنية ومعالجة البيانات، الى جانب تطور وسائل تبادل المعلومات عبر اليات الاتصال، وكانت عملية الاندماج المذهل بين وسائل الحوسية ومعالجة البيانات وبين تطور وسائل الاتصال هي اكثر فتوحات الابداع العقلي تعقيدا وتجسدت في منظومة الانترنيت التي جمعت بين قطبي ثورة التكنولوجيا (الحوسبة) و (الاتصال). وعلى الرغم من الايجابيات العديد التي احدثتها تقنية الانترنيت في تسهيل نقل وتبادل المعلومات، الا ان هناك قلقا امنيا عالميا متزايدا من جراء تنامي الخروقات والسلبيات والاعراض الجانبية،واستغلالها من قبل اشخاص وعصابات، لارتكاب وتعميم افعال تتقاطع مع القوانين والاداب والاعراف، مثل نشر الصور الخلاعية وارسال معلومات هدامه، يضاف الى ذلك حالات التطفل والاختراق واستراق المعلومات الشخصية. والتلاعب بارصدة المصارف وغيرها من الافعال الجرمية.
لقد انعكس هذا التطور الهائل في المجالات العلمية والتكنولوجية على تطور اساليب ووسائل ارتكاب الجرائم، الى جانب بروز انماط غير مألوفة من الجرائم، ومن ثم لم يفرض لها التشريع الوضعي القواعد العقابية اللازمة. وتتصف بخاصية معقدة هي عدم خضوعها للحدود السياسية، من هنا شكلت نوعا جديدا مستحدثا من الجرائم العابرة للحدود، وهذا ما دعا الدول والمنظمات الى السعي لتكييف التشريعات الوطنية لمعالجة هذا النمط المستحدث من الاجرام.
وحيث ان الجريمة هي مخلوق قانوني لا وجود له خارج الاطار التشريعي وبدون نص تشريعي يجرم الفعل ويقرر له جزاء، يتعذر علينا ان نصف ذلك الفعل بانه جريمة انسجاما مع القاعدة الدستورية (لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون)، وعليه فان الموقف الفقهي والقانوني توزع على اتجاهين: الاول يرى ان النصوص القانونية القائمة حاليا كافية للردع وما على القضاء الا تكييف الوقائع على وفق تلك المواد، والرأي الاخر، (وهذا ما تتجه له المؤتمرات الدولية المتخصصة ومنها مؤتمرات الامم المتحدة والانتربول). يذهب الى وجوب ايجاد نصوص تشريعة تجرم كافة اشكال الجرائم الالكترونية والمعلوماتية الواقعة والمتوقعة. كما تثير الجرائم المرتكبة بواسطة الانترنيت مسألة مدى اختصاص القضاء الوطني خاصة وان طبيعة هذه الجرائم متحركة وغالبا ما يرتكب نشاطها في بلد وتتحقق نتائجه في بلدان اخرى، كما تثير هذه الجرائم اشكالية فيما يتعلق بـ (تسليم المجرمين).