قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من مواليد كردستان العراق عام 1957. نُشر أول عمل شعري لي في مجلة "الطليعة الأدبية" ببغداد عام 1978 وكان عبارة عن قصيدة نثر بعنوان "خطاب صغير الى سيدة قصيرة"، أرسلتها بالبريد. كنت حينها أقيم مع أهلي في مدينة "الحلة/بابل" وكان نشرها موضوعا مثيرا للدهشة بالنسبة لي وعامل شهرة بين أوساط الشباب في المدينة الصغيرة، مما جرني الى التغيب عن المدرسة لعدة أسابيع.
لم أنشر بعدها الا نصا آخر بعنوان "أوان حب" عام 1980 في مجلة "الثقافة" التي كان يصدرها د. صلاح خالص ببغداد أيضا. واستطاع الشاعر زاهر الجيزاني إبان عمله في "الطليعة الأدبية" أن "يمرر" نصاً آخر لي بعنوان "تجهيز الآلات ووضع الرموز" أواخر الثمانينات. أما الشاعر رعد عبد القادر فقد نشر لي في المرحلة نفسها وفي المجلة نفسها قصيدة نثر أخرى بعنوان "غ: باب الغين المهملة". لم تكن نصوصي بمستوى الشعر العراقي ذي التقاليد الراقية، لا ماضيا، ولا حاضرا، وكنت وما زلت أنظر باحترام الى منجزات زملائي ومجايليّ. لم أكن أعرف وما زلت لا أعرف، أي شئ عن العروض الخليلي، وما كنت قرأت السياب ولا نازك الملائكة ولا عبد الوهاب البياتي... الخ. كنت اكتشفت "30 قصيدة" للشاعر توفيق صايغ عام 1974 في مكتبة عامة جنب منزل عمي في مدينة أربيل شمال العراق، ذات صيف، فأعطاني موظف المكتبة بعدها كتاب "لن" للشاعر أنسي الحاج. وفي لحظة واحدة عرفت انني أمسك بكل شئ. لم يؤثر في أدونيس أبدا، إلا ان يوسف الخال جعلته معلمي. وبمجي عهد "الجبهة الوطنية" وبروز العمل الثقافي الشيوعي الى العلن، صرت أحفظ شعر سعدي يوسف كله وبدرجة أقل منه، يوسف الصائغ في "اعترافات مالك بن الريب". كنت أعرف تماما ان هناك شئ اسمه "قصيدة النثر" وانها ليست قصيدة الشعر المتعارف عليها بكل تحولاتها. انها شئ آخر، مختلف، يكتبه كل من لا يعرف أسس التقليد الشعري، من "مستفعلن فاعلن" الى "مفخرة الطرب في صناعة شعر العرب!". وفي عام 1989 اشتركت في المسابقة الشعرية لمجلة "الناقد" اللندنية، وفاءا لمعلمي "يوسف الخال" الذي كانت الجائزة تحمل اسمه، بكتاب شعري يحوي 3 نصوص نثرية تحت عنوان "المنفى والمختفى" ولم أنجح في الامتحان، إلا ان د. عبد الواحد لؤلوة الذي كان أحد أعضاء لجنة الجائزة حينها، سألني ذات "مربد" في بغداد: "ما هي مصادرك؟" وأفرحني السؤال جدا وكنت كأنني أخذت الجائزة أو أكبر منها. وفي السنة نفسها نشرت لي مجلة "الناقد" قصيدتي الطويلة "بغدادات" والتي جاءت تجربة مضنية في سبيل كتابة نص شعري انطلاقا من اللهجة العامية المحكية بالعراق في القرن التاسع عشر الميلادي، ولم يجرؤ أحد بعدها على أن ينشر لي نصوصا من نفس السياق، مما أدى بي الى تخفيف الصدمة على الآخرين، خاصة وانني كنت أنجزت ترجمة بالعامية العراقية المتداولة اليوم لـ "الأرض الخراب" قصيدة الشاعر ت. س. اليوت. ولكن في العام 1994 جمعت أربعا من نصوصي، الى "بغدادات" وأصدرت على نفقتي الخاصة كتابي الأول الذي حمل اسم القصيدة أعلاه، لاقيا التعاون كله من الأصدقاء جميعا، أخص بالذكر منهم الشاعر أحمد الشيخ علي الذي وضع الخطوط، والشاعر حسين علي يونس الذي تبرع لي بطباعة الغلاف عند صديق له. أما الرسمة التي زينت الغلاف المتواضع فقد كانت من إهداء الفنان فيصل نعمة، ان لم تخني الذاكرة. وفي سنة 1995 أصدرت على نفقتي الخاصة أيضا كتابي الشعري المسمى "الكلام المستعاد" في طبعة استثنائية، حيث صممه وخطه بريشته الجميلة القاص البصري اللامع لؤي حمزة عباس، ووضع مقدمة تأويلية له الشاعر عبد الزهرة زكي، وجاء الكتاب مخطوطا من الغلاف الى الغلاف. وكان هذا الكتاب هو من العوامل التي حفزت الشاعر رعد عبد القادر الى أن يوكل إليَّ شرف مهمة خط ورسم مجموعته الشعرية الموسومة "جوائز السنة الكبيسة" والتي صدرت فعلا عام 1997 عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد، كأول كتاب شعري حقيقي يصدر معتمدا فكرة المخطوطة الشعرية التي طالما نظَّر لها شاعرنا الكبير رعد عبد القادر. وفي عام 2000 أصدر لي الشاعر اللبناني قيصر عفيف من مقر إقامته المكسيكية،وضمن منشورات مجلته "الحركة الشعرية"، كتابي الشعري بعنوان "تمر العاصفة وتبقى الصحراء" في طبعة أنيقة، ما زلت أشكره عليها. ومنذ ذلك الحين وأنا عاجز تماما عن البحث طريقة ما تجعل كتابي الشعري الجديد أن يرى النور ويصل الى الناس. وأخيرا، فأنا متزوج من السيدة نبراس الخزاعي، ولي منها طفلة اسمها زينب، وأقيم في تونس، بلدي وملاذي.


عَلَيْنَاْ أَنْ نَكْتُبَ الشِّعْرَ، وَلَوْ بٍحُرِّيَّة....


معروف، اننا لا يمكن ان نفكر من دون لغة، كما لا يمكن ان نحلم بغير رموز وصور. اننا لا نستطيع التفكير فيما ما هو خارج اللغة وخارج الرمز او الصورة. حتى العشق، لا يتم من دون وسيط لغوي. ولما كان الشعر هو فعل في اللغة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، فالشعر بلا جوهر، ولا شئ خارج اللغة. وليغبْ الى الأبد أولئك الذين ما زالوا يتنادون بما يسمى "الجوهر الشعري". الشعر نَهْلُ مصادر مكتوبة، إنْ لمْ نَقُلْ: نَهْبُهَا. وكما قال ناقد معاصر، [هارولد بلوم؟] فإن كل الشعر في العالم هو إما الى "هوميروس" عائد، وإما الى "الكتاب المقدس". وبالنسبة لنا في العربية، فالشعر كله إما الى "الشعر الجاهلي" عائد، وإما الى النص المقدس [القرآن، الكتاب المقدس بترجماته العربي، نهج البلاغة، كتب التصوف..] عائد. وحتى الذي يدعي انه يكتب شعره من "الحياة" انما هو "يكتب" تلك "الحياة"، بمعنى أنه يقيم في اللغة ويقوم شعره بها. اننا لا يمكن ان نكون في وضعية ما قبل الرمز، أو ما قبل اللغة، حيثما يتعلق الأمر بالنص الشعري. ومن جهة أخرى، فالنص أزلي في أكوان اللغة، فهو لا يولد من العدم ولا يفضي اليه. الشعر لا يولد ولا يفنى، بل هو في دورة لانهائية، أو في دياليكتيك أبدي من "التحول"، أقرب مثال إليه هو تلك العلاقة الرياضية الفيزيائية ما بين المادة والطاقة. فالمادة لا تفنى ولا تخلق من العدم، وعندما يحترق الخشب فإنه يتحول الى طاقة مبثوثة في الكون الفسيح، والعكس بالعكس صحيح. معادلة تحول الطاقة الى مادة وبالعكس، هي معادلة بسيطة أمكن تعقلها، لكنها تحتفظ بغموضها، فما بالك بنفس المعادلة الرياضية ما بين الشعر واللغة، التي كانت وما زالت عصية على الفهم، رغم بساطتها وإمكان تعقلها من قبل أي شخص يقول الشعر، وكذا من أي شخص يتلقى هذا الشعر. لذا فلا "انخلاق" للنص الشعري خارج الكتابة، بمعنى أيضا خارج الأدب، بما هو مؤسسة اجتماعية. لا انخلاق للنصوص انطلاقا مما ليس بنصوص، وكل ما هنالك انما هو عمليات "تحول" و"تحويل" على وفق معادلة المادة والطاقة المشار اليها، سميت عبر العصور المديدة بأسماء شتى، منها "أن تحفظ 20 ألف بيت من الشعر وتنساها ثم تقول الشعر"، ومنها، وليس آخرها، موضوعات "التناص" و"الاقتباس" و"التضمين" و"الإحالة" و"السرقة" ...الخ.. هكذا اذن، رحلة الشعر من خطاب الى آخر، من نص الى آخر، بما فيها "الحياة" المعاشة بوصفها نصا وكتابة تحتاج الى تحوّل وتحويل كي تصير أدبا، أو بالعكس، كأن يتحول بيان سياسي الى ثورة، أو نهج فلسفي الى حركة اجتماعية، أو قصيدة الى عقيدة. ان الفرق بين "الانخلاق" أو الكتابة من عدم، ذلك المفهوم الذي نرفضه، وبين "التحول" وهو ما ندعة اليه، هو الفرق بين الكذب بوصفه وهما، وبين الحقيقة بوصفها واقعا متعينا. كل من يدعي في الشعر الخلق من عدم، أو من بياض الورقة، كاذب دعي أو جاهل للعمل الشعري. ومن البديهي بالأحرى أن نقرر ان أساليب العمل في الشعر أو طرق إظهاره من الوجود بالقوة الى الوجود بالفعل، لا تتنوع، وإنما التنوع في الشعر نفسه. ان دراسة "التحولية" هي جزء أساسي من فهم الشعر بما أنها [أي الدراسة] تعنى بالخطاب ومقولاته، لا بالنصوص الفردية المتحققة. ومن هنا ربما ندرة أبحاث نقدية تتناول قصائد نثر بعينها. ولنا عبر هذا السياق ان ننتظر دراسات تتناول كل تفصيلة من تفصيلات سجلات الكلام الشعري عند شعراء قصيدة النثر. وأقول "سجلات الكلام الشعري" ولا أقول "مدونة اللغةالشعرية"، ما دمنا سنتحدث عن قصيدة النثر. هنا يظهر من جديد مفهوم قصيدة النثر كجنس أدبي، ولكن قبل ذلك دعوني أسوغ تعبيراتي، فقد طالنا عهد التفكيك، وعلى كل شئ أن يتغير، لأطال بنفسي هذه المرة ذلك الصنم المسمى "النقد" عندنا. لقد اعتاد النقد التقليدي، بما في ذلك الشكلاني والبنيوي، أن يموضع فكرة ما عند مواجهته العمل الأدبي، والشعر خاصة. ولهذا السبب يعتقد ان نقد القصيدة هو اكتشاف معناها. والمعنى فكرة أو مفهوم يمكن أن يلحق بفكرة أخرى أو بمفهوم آخر، وهكذا دواليك حتى تتجمع هذه الأفكار في سياق الوجود المتعالي أو الحقيقة المتعالية. لكننا، كما يقوا التفكيكيون، لا ندرك حقا ان ما نسميه "المعنى" ما هو في حقيقة الأمر إلا فكرة تتخذ من الميتافيزيقيا ملاذاً لها. ولم تنج البنيوية، التي ادعت لنفسها ثورية ما في وقت ما، من أسر الميتافيزيقيا، وان القول ان البنيوية قالت بـ "النسق" ، يعني ان هناك مركزاً في مكان ما ، وذاك المركز هو مفهوم الوجود المتعالي أو السلطة المتعالية. ويوحي مفهوم النسق ان كل شيء مفهوم على أفضل وجه، أو أنه قابل للفهم في الأقل، فحيثما وجد النسق وجد النظام . وسيؤكد فكر التفكيك أن هذه أوهام وخزعبلات تشير إلى فشلنا في البحث عن المعنى، وهذا يعني ان اولئك النقاد المفتشين أعلنوا أنهم قد وصلوا إلى آخر نقطة ممكنة من بحثهم وأنه لا ينبغي القيام بأي بحث آخر لأجل حماية ما أسموه " النقطة الأخيرة" من إهانة المستقبل لها، لذلك كان ثمة خداع كبير قام به نقد نقادنا وفهم لغويينا. هنا، كما قلت أعلاه، يظهر من جديد مفهوم "قصيدة النثر" كجنس أدبي. ويحتاج هذا الجنس أو النوع الأدبي، بالتأكيد، شأنه في ذلك شأن أي مُعْطَىً تاريخي، الى فحص نقدي يكون شغله الشاغل هو التفريق بين مصطلحين دالين هما: "القالب"، و"النوع الادبي". يتحدد القالب كالتحام لجملة من مميزات الخطاب الشعري، ولا يقدم لنا أي "واقع" خارج التفكير النظري. أما الجنس أو "النوع"، ففي كل عصر يصبح عدد معين من القوالب الشعرية معروفا ومقبولا بشكلٍ ماْ من الجمهور بحيث يعتمدها كمفاتيح للولوج الى عوالم الاعمال الشعرية، وتفسيرها. هنا، قصيدة النثر كنوع أدبي، بعبارة الناقد الألماني "هانز روبرت ياوس" هي "أفق انتظار". وان الشاعر نفسه يستبطن هذا الانتظار فيصبح النوع الادبي "كليشيه"، أو "قالب"، أو "أنموذج كتابة". وكما يقول "تزفيتان تودوروف": الجنس الادبي هو نمط [قالب] كان له وجود تاريخي ملموس وساهم في النظام الادبي لعصر من العصور. اذن: علينا دراسة "تحولية" كل قصيدة على حدة، ودراسة الأنواع الأدبية تعاقبيا [دراسة التنوع الشامل لقالب واحد] ودراستها تزامنيا في علاقتها بالانواع الأدبية الأخرى، ثم التعرف على قوانين "التحولية" التي تتعلق بالانتقال من عصر الى آخر، ومن "قالب" الى آخر. قد عرف الادب "فن المحاورة" منذ سقراط، ثم عبر تدوينات افلاطون ولوقيانوس السميساطي، إلا ان "ميخائيل باختين" بعد مئات السنين، هو الذي قال لنا ان "دوستويفسكي" قد "حَوَّلَ" هذا "القالب" الادبي الى خطاب رواية، لينتج لنا "الاخوة كارامازوف" كأنموذج فذّ للعمل البوليفوني متعدد الاصوات. يوما ما سيكتب الجميع الشعر بحرية مطلقة، بلا خوف، لا من المجتمع، ولا من سلطة مؤسسة الأدب. وفي انتظار الحلم السوريالي هذا، علينا أن نحاول الكتابة في الشعر، ولو بحرية.


ألْمُعَلقَة الثانية عَشْرَة


إنَّهَا الواحدةُ بعدَ الزَّوَالِ
لِذَا فَأَنا ذاهبٌ بينَ ترانيمِ المركباتِ الصغيرةِ
أمشيْ وَأَنزلُ إلى قارعةِ الرصيفِ
حيثُ يتناولُ العُمَّالُ سَانْدويْجَاتِهِمِ القذرةَ
وَالكُوْكَاْكُوْلا بينَ أيديْهمْ
وَعلَى رؤوسِهِم الكَاسْكِيتَاتِ الملوَّنة
لِتَحْمِيهم مِنَ الشمسِ المتساقطةِ فيما بعدُ
علَى الطريقِ الذي فيهِ تكونُ التَّنُّوْرَاْتُ
الضيقةُ تتحركُ فوقَ الرُّكَبِ
وَيُعْصَفُ بها مِنْ فوقِ الحواجزِ
الشمسُ شديدةُ الحرارةِ
غيرَ أَنَّ المركباتِ
وأسرابَ العصافيرِ المَهُوْلَةِ
تُحَرِّكُ الهواءَ
في شَارل ديغُول
رَجُلٌ يَحْمِلُ فِي يَدِهِ خَان الخَلِيلِي
وامْرَأَةٌ فِي يَدِهَا مِنْفَضَةُ أَحْلاَم
رَجُلٌ يَقُول
عَثَرْتُ عَلَى الكَافُورِ فِي تُونِسَ
وَامْرَأَةٌ تَقُولُ :
أَرْجُوكَ
ضَعْ شَيْئاً
العَسَلُ يَقْطُرُ
أَتفرَّجُ على مُساومةٍ حولَ ساعةٍ يدويةٍ
هنالكَ فقطْ نلعبُ في نِشَارةِ الخشبِ
عندَ ساحةِ بَاستُورْ
حيثُ علامةُ نَفْثِ الدُّخانِ فوقَ رأسيْ
وَأَعْلى منها كانَ الشَّلالُ يصبُّ منَ
المداخنِ كَالسُّخَاْمِ
رجلٌ أسودُ يقفُ عندَ المدخلِ
معَ عُودِ أسْنانهِ
وَيمْضي بِضَعفٍ
جَوقةُ بناتٍ شقراواتٍ يُطقطقنَ بأردافهنَّ
إِبْتسمَ الوصيفُ وَحَكَّ حَنَكَهُ فَجْأَةً
كلُّ شَئٍ يصيحُ : إنَّها الثانيةَ عشرةَ
وتسعٍ وخمسينَ دقيقةً منْ نهارِ الخميسِ
إِنَّ ضَوْءَ النُّيونِ في النَّهارِ هوَ
بالحقِّ بهجةٌ عظيمةٌ
مِنَ الحَلْفَاوِين إلى بَاب سوِيقَة
لِشِرَاءِ عُلْبَةِ أَوْرَاق
وَمِنْ بَغْدَاد
جَاءَ رَجُلٌ عَلَى بِسَاطِ المَاء
وبَيْنَ أَصَابِعِهِ رِيشَةٌ سَوْدَاء
وَجَلَسَ يَعْمَلُ بين يَدَيْ الكَلِمَات
في ضوءِ النهارِ وقفتُ
عندَ رُكْنِ أَمِيْلْكَاْرْ لِشراءِ
الهَامْبورْغَرْ وَرَأيتُ جَليلةْ بَكَّاْرْ
تقرأُ نَصَّ قائمةِ الطعامِ على أَعْتَابِ
سهرةٍ خاصةٍ
وَشَاعرةٌ ماكرةٌ في مِثْلِ هذا اليومِ
وضعتْ كَلْبَهَا في سيارةٍ حكوميةٍ
هنالكَ العديدُ من كؤوسِ البُوخَةِ والرُّوْجِ
المُعتَّقِ في الشارعِ اليومَ
تجعلَهُ جميلاً ودافئاً
أولاً توفيَ أَرْسَلانُ
ثُمَّ محمود جُنْداريْ
ثُمَّ اسماعيل عيسى بكرْ
ثُمَّ خالتي فَهيْمَة
ولكنْ هلِ الأرضُ مملوءةٌ منهم
كَما كانتِ الحياةُ منهمْ مملوءةْ ؟
وَوَاحِدٌ أَكَلَ وَوَاحدٌ مَشَىْ
مَارَّاً بالمجلاتِ الخلاعيةِ
وَبُوستراتِ الفناناتِ العاهراتِ
وَمَخازنِ ليْ كُوْبَرْ الراقيةِ التي
سوفَ يتمُّ تمزيقُها لاحقاً
لقد اعتدتُ على التفكيرِ بأنَّ لديهم
عَرْضَاً للأسلحةِ هناكَ
[هلْ يعرفونَ هذهِ
الأشياءَ أيضاً؟]
واتَّضَحَ في الأخيرِ إنَّهُ مِدْفَعُ إِفْطَارٍ
في بابِ الخضرا
سَيِّدَةٌ تُغَادِرُنَا وَالوَقْتُ غُرُوب
وَقُلُوبُنَا بَعْدَ كُلِّ ذَاكَ النَّحيبِ
بالدِّمَاءِ مُتْرَعَةٌ
ونَحْنُ لَيْسَ فِي مَقْدُورِنَا إِيقَافُ الحَمَاقَة
بَلْ نَرَى إِلَى البَسَاتِينِ وَهي تَجفُّ
المَرْأَةُ تَمْشِي
وفِي أَقْدَامِهَا العَصَافِيرُ تَصْرُخ
كأسٌ منْ عصيرِ حليبِ الدجاجِ
والعودةُ إلى العملِ
وبعدها ليكنْ قلبي في جيبي
كالعسلِ والهَيلِ منْ فَمِ فتاةٍ
نَسَّايَةٍ عَلَّمَتْني وَأخذَتْ بيدي
وَلَمْ تَرْضَ بي سيِّداً أبدا
[مَنْ يُقْنِعُ صاحبَ أناشيدِ الغُبارِ
بأَنَّها أغنيةٌ طبقيَّةٌ ؟
أناشيدهُ
زهرتهُ
سيدةُ أقمارهِ السبعةِ غَلَّقَتْ
دونهُ أبوابَ قلعتِها وقالتْ لهُ
هَيْتَ لَكْ
وَهَمَّتْ بِهِ
وَهَمَّ بها
لَولا أَنْ رَأَىْ ... إلخ]
كَمْ أَنتِ مُضحكةٌ اليومَ يَاْ أُورَشَليمَ الجديدةَ
مثلَ الببغاءِ في بيتِ الساعةِ
وبرجُ الكنيسةِ مائلٌ قليلاً إلى اليَسَارِ
قفزتُ لِتَوِّيْ منْ فِراشٍ مملوءٍ بالنصرِ والأحلامِ
هلْ هذا سَرجُونُ الأَكَدِيُّ جاءَ ؟
لقد أصبحتُ متعباً من أيامِ الحربِ
ولا تزالُ تلكَ السَّاقطةُ تجعلكَ كئيباً
وَتَقْبَلُكَ غبياً وَحُرَّاً
وكلُّ مَاْ تريدهُ منكَ هوَ غرفةٌ هناكَ
وأنتَ فيها تكونُ إلى الأبَدْ
في لافَاْييتْ
يُمْكِنُنِيْ جِدَّاً أَنْ أَكُونَ عَلى شُرفةٍ
وأرى نفسيَ مَارَّاً في الشارعِ
كيفَ تُزَيِّنُ تلكَ الفتاةُ الدارَ
وَلا أحدَ يَطَأُ لأجْلها العَتَبَةَ
كيفَ تُميِّزُ بينَ التِّينِ والزيتونِ
والطَّودِ الأمينِ
والطُّورِ المغْرقِ بماءِ السنينِ
والعسلِ المُصَفَّىْ
وَلا ترى وجهَها في المرآةِ ؟
كيفَ تنهضُ من نومها ولا تدري
إلى أينَ تذهبُ كلَّ ظهيرةٍ
من خَلَلِ الطِّينِ والطرقاتِ
عارضَةً مَا تَبقَّى من سِتارِ الشَّرَفِ القديمِ
على حضرةِ السَّيدِ الحُبِّ الجديدِ ؟
إِنَّ موقفَ المرورِ المزدحمِ كثيراً
هو الطريقُ الوحيدةُ إلى الناسِ الذينَ
يصطدمُ بعضهمْ دائماً بالبعضِ الآخرِ
وعندما تُقْفِلُ أدواتهم الجراحيةُ
فإنهم يبقونَ سويةً كإخوانِ ضَرَّاْءَ
يمشونَ
وعلى رؤوسهم الطَّيرُ في الطرقاتِ
[وهذه ليست استعارةً كلاميةً]
وَتحتَ أقدامي
مُتَسَكِّعَاً منْ رصيفٍ إلى رصيفٍ
حيثُ لنْ ينتهي المطافُ في نُزْلِ الفِلاحَةِ
إِلاَّ وَالأَلَمُ يصيحُ بيْ
وكلابُ السَّماءِ تهبطُ بعدَ الغروبِ
وهيَ تُلَوِّحُ لِي بالجنونِ
زُهورهمْ كثيرةٌ
ونساؤهمْ قَلِيلةٌ
وَأَكْثَرُ مَا يُؤْلِمُنِيْ فيهمْ
هوَ أَنَّهُمْ لَيسَ لديهمْ نَهْرٌ
يَشُقُّ مَدينتهمْ نِصْفَينِ
يَا لِهذهِ المُدنِ الصَّغيرةِ المَطْعونةِ
بنَصْلِ رُمْحٍ أَغْلَبِيٍّ
أَزُورُهَا وظلامُ الليلِ يَشْفعُ لِي
وَأَنْثَني منها وبياضُ الصُّبْحِ يُغْرِيْ بِيْ
تَضَعُ لَنَا الحفصية رُمَّانَهَا
عَلَى الطَّاوِلَة
والكَسْتنَاء
وَتَنْحَنِي
لِتُثْبِتَ أَنَّ العَالَمَ مِنْ حَوْلِنَا
دُودَةٌ تَسْرِي فِي كَأْسِ مَاء
أَنَا وهُو
وَهِي
سَتَنْثَنِي
لِتُمْسِكَ بِأَصَابِعِ المَوْز
بِاللَوْزِ المَبْثُوثِ عَلَى شُقُوقِ شَفَتَيْهَا
غَرِيبَان
وَاحِدٌ تَقُودُهُ قَدَمَاهُ إِلَى النَّار
فِيمَا تَفُوحُ عَنْ كَثَبٍ
رَائِحَةُ التُفَّاح عَلَى سَفْحِ المَضِيق
وَالآخَرُ يُجْهِشُ بِالأَسَى
وَيَرَى إِلَى الدَمِ المَسْفُوحِ يَمْلأ الوَادِي
وَيَقُولُ بِأَنَّ الدَوْلَةَ رُبَّمَا تَكُونُ
قَدْ فَقَدَتْ مكَانَهُ
لأنَّ الشَّوارعَ لا تُفْضِي
ولأنَّ الشَّكَّ ظِلُّ الآخَرينَ
ولأنني وحدي أَغُذُّ الخُطَى
عَلى الرَّصيفِ عَسَسٌ
يضحكونَ
وفي المقاهي
حَضارةٌ بأَكْمَلِها
مُسْتَلْقِيَةٌ
تحتَ آثارِ شمسٍ مُستعملةٍ
رُحْمَاْكِ بِيْ
أَعْطِني مَا تَبَقَّى منَ الصُّورِ الحَزينةِ
كَيْ أَقولَ بأننا لمْ نكنْ أبداً
بتلكَ الكَآبَةِ
وَلا بتلكَ الزُّرْقَةِ
مُنذُ أنْ رأينا بعضَنا ذلكَ اليومِ
في المَرْسَىْ القَديمْ.


ظَهِيْرَةُ كُوْفِيْ عَنَاْنْ

[الى د. محمد المقدادي، بمناسبة الأمين العام... ومؤتمراته]



كَيْفَ أَسْتَطِيْعُ يَاْ صَاْحِبِيْ
وَتِلْكَ الْفَتَاْةُ هُنَاْكَ
أَنْ أُرَكِّزَ انْتِبَاْهِيَ عَلَىْ
السِّيَاْسَةِ الأمْرِيْكِيَّةِ
فِيْ الْخَلِيْجِ
أو الْبَرِيْطَاْنِيَّةِ
فِيْ شَمَاْلِ الْعِرَاْقِ
أَوْ عَلَىْ رَهَاْئِنِ لُوْكِرْبِيْ ؟
وَمَعَ ذَلِكَ
فَهَاْ هُوَ رَجُلٌ مُلَوَّنٌ قَدْ سَاْفَرَ كَثِيْرَاً
وَيَعْرِفُ كَيْفَ يَتَحَدَّثُ وَيُجِيْبُ
وَهُنَاْلِكَ سِيَاْسِيٌّ يَتَلاعَبُ
بِالأمُوْرِ كَمَاْ بِالألْفَاْظِ
وَهُنَاْ مُثَقَّفٌ يُتَاْبِعُ الأخْبَاْرَ بِجِدِّيَةٍ
وَلَعَلَّ مَاْ يَقُوْلُوْنَهُ جَمِيْعَاً عَنْ الْحَرْبِ
وَالإنْذَاْرِ الأخِيْرِ
وَرَفْعِ الْحَصَاْرِ
صَحِيْحٌ
وَلَكِنْ
آهِ لَوْ كَاْنَ عِنْدِيَ مَكَاْنٌ
إِذَنْ لأحَطْتُهَاْ فَوْرَاً بِذِرَاْعَيَّ
- تِلْكَ الْخُلاسِيَّةُ -
اللَّتَيْنِ خَرَجْتُ بِهِمَاْ مِنَ الْحَرْبِ فَحَسْبْ .
إِنَّهُ لأمْرٌ لَيْسَ بِالْهَيِّنِ
أَنْ أَكُوْنَ عَلَىْ مَبْعَدَةِ مِتْرَيْنِ فَقَطْ
مِنْ لُوْردْ بَاْيْرُوْنْ نِهَاْيَةِ الْقَرْنِ
هَكَذَاْ أَسْمَيْتُهُ ذَاْتَ قَصِيْدَةٍ كَتَبْتُهَاْ
تَحْتَ جُنْحِ الظَّلامِ وَالْحَصَاْرِ
وَالْيَوْمَ لَعَلَّيَ أَنْ أَرْكَحُ فِيْ مَكَاْنِيْ
بَعْدَمَاْ لَهِثْتُ طِوَاْلَ الطَّرِيْقِ إِلَىْ الْمُؤْتَمَرِ
لَوْلا أَنَّ ذَلِكَ الرُّوْسِيُّ التَّاْفِهُ الطَّلْعَةِ
بِهَاْتِفِهِ النَّقَّاْلِ
يَقِفُ مَاْ بَيْنِيْ وَبَيْنَ خُلاسِيَّتِيْ
وَالأمِيْنِ الْعَاْمِّ
فَأَقُوْلُ : رَحِمَ اللهُ أَيَّاْمَ الشِّيُوْعِيَّةِ
وَأَصْرُخُ بِهِ :
- " وُلَكْ وَخِّرْ شُوَيَّةْ "
فَتَضِيْعُ لُغَتِيْ فِيْ الْقَاْعَةِ .
تِلْكَ يَاْ صَاْحِبيْ بَعْضٌ مِنَ الصُّوَرِ الْمُسْتَمَدَّةِ
مِنَ الْكُرْهِ الدَّفِيْنِ وَالْبَغْضَاْءِ
لَكِنَّنَاْ قَرَّرْنَاْ عَلَىْ حِيْنِ غِرَّةٍ أَنْ نَضْحَكَ
أَلَيْسَ كَذَلِكَ ؟
تَقُوْلُ : كَمْ مِنْ دِمَاْءِ الشُّهَدَاْءِ
وَكَمْ مِنْ اشْتِرَاْكَاْتِ الأعْضَاْءِ
كَاْنَتْ تَذْهَبُ
كَمَاْ اكْتَشَفْنَاْ فِيْمَاْ بَعْدُ
إِلَىْ فَرْجِ امْرَأَةٍ حَرُوْنٍ
رَاْفَقَتْ طَوِيْلا صَاْحِبَ الثَّوْرَةِ
وَلكِنْ يَاْ صَاْحُ دَعْنِيْ
فَلَرُبَّمَاْ عَلَيَّ أَخِيْرَاً أَنْ أَكْتَفِيْ بِقَلْبِيْ
لأنَّنِيْ مَاْ أَنَاْ إِلا ذَاْتٌ مُحَطَّمَةٌ تَقْرِيْبَاً .
أُنْظُرْ :
تَتَحَرَّكُ الْفَتَاْةُ
وَيَخْتَفِيْ السَّكْرِتَيْرُ الْعَاْمُّ
هَلْ هِيَ الْمُصَاْدَفَةُ وَحْدُهَاْ
أَمِ الأقْدَاْرُ الْمُلْتَوِيَةُ الْعَجْفَاْءُ
أَنْ يَكُوْنَ كِلاهُمَاْ بِلَوْنِ الْبِتْرُوْلْ ؟
أَنْتَ يُضْحِكُكَ الأنِيْنُ
إِضْحَكْ إِذَنْ
فَمَاْذَاْ أَسْتَطِيْعُ أَنْ أَفْعَلَ
غَيْرَ سَرْدِ الْبُطُوْلاتِ الزَّاْئِفَةِ ؟
مَاْذَاْ أَسْتَطِيْعُ أَنْ أَفْعَلَ
غَيْرَ حَشْوِ الْمَنَاْمَاْتِ بِالْقَنَاْبِلِ الْيَدَوِيَّةِ ؟
لِتَتَفَجَّرَ الرُّؤُوْسُ
لِتَتَفَجَّرَ
لِكَيْ لا تَبْقَىْ مِنَ الأحْلامِ سِوَىْ أَشْلاءْ
وَمَهْمَاْ كَاْنَتِ الآرَاْءُ حَوْلَ الْمَوْتِ وَطَرِيْقَتِهِ
وَمَهْمَاْ تَحَدَّثْنَاْ عَنْ رَجُلٍ مَاْتَ حَتْفَ أَنْفِهِ
وَآخَرَ رَهِيْنَ الْفِرَاْشِ
وَغَيْرِهِ مَطْعُوْنَاٍ فِيْ ظَهْرِهِ
وَكَثِيْريْنَ بِبَسَاْلَةٍ
فِيْ حُرُوْبِ الأمَّةِ
فَإِنَّ أَبْشَعَ شَئٍ فِيْ هَذَاْ الْوُجُوْدِ
هُوَ أَنْ تَلْتَفِتَ فَلا تَرَىْ
مَنْ تُحِبُّ إِلَىْ جِوَاْرِكَ:
أُمِّيْ
أَيَّتُهَاْ الْبَعِيْدَةُ
أَلْحُزْنُ هُوَ أَنْ تَشْرَبِيْ الشَّاْيَ لِوَحْدِكِ
وَأَنْتِ فِيْ أَقْدَسِ الْعُمْرِ
فَإِنْ قَاْبَلْتِهِ فِيْ بَغْدَاْدَ
أَوْ رَآكِ فِيْ نِيْنَوَىْ
فَقُوْلِيْ لِلسَّيِّدِ الأمِيْنِ
نَحْنُ بِخَيْرٍ
وَسَلِّمْ لِيْ عَلَىْ الْحَبَاْيِبِ الْمُنْتَشِرِيْنَ
كُلَّمَاْ مَرَرْتَ بِعَاْصِمَةٍ
أَوْ حَلَلْتَ فِيْ بَلَدْ
فَكُلُّ شِبْرٍ مِنْ أَرْضِكَ الَّتِيِْ تَعُسُّ عَلَيْهَاْ
مَرْمِيٌّ فِيْهِ لِيْ
جُزْءٌ مِنْ كَبَدْ
أَلْحَرْبُ لَمْ تَنْتَهِ يَاْ سَيِّدِيْ
أَلْحَرْبُ هِيَ أَنْ أَشْرَبَ الشَّاْيَ لِوَحْدِيْ
كُلَّ يَوْمٍ
فِيْ سَلامٍ
إِلَىْ الأبَدْ.