د. عبدالله المدني


خوف وهلع غير مسبوقين يسيطران علي حركة الشارع. الملايين تغطي وجوهها بالكمامات الطبية. المطاعم والمسارح ودور السينما والمجمعات التجارية خالية من الرواد. المدارس منحت طلابها اجازات مفتوحة وأغلقت أبوابها. طلبة الجامعات حزموا حقائبهم وعادوا الي بلداتهم. مئات الآلاف من العائلات تهجر مساكنها وتنزح الي أماكن بعيدة. شركات الطيران العالمية توقف رحلاتها الي مطار المدينة ودول العالم تحذر مواطنيها من السفر إليها. أنشطة وفعاليات اقتصادية عالمية تلغي أو تؤجل الي اجل غير مسمي، بما فيها زيارات رسمية مقررة لزعيمي الولايات المتحدة وسنغافورة.
هذا بعض ملامح الصورة الراهنة لعاصمة الصين ذات الملايين الاثني عشر من جراء تفشي وباء سارس القاتل وفشل الحكومة الصينية في كبح جماحه والسيطرة عليه كنتيجة لسياسات رعناء. وبقدر ما يسود الشارع الصيني حالة اضطراب وقلق وخوف من المرض، فان القيادة الصينية تمر بحالة شبيهة لكن خوفا من تداعيات المشكلة علي سلطتها. إذ لا يخفي مدي الحرج الذي تشعر به اليوم داخليا وخارجيا من جراء سياسات التعتيم والنفي و الكذب والمناورة التي مورست طويلا بخصوص حقيقة وباء سارس ومدي انتشاره وعدد ضحاياه من الصينيين الي أن خرج الموضوع عن نطاق السيطرة. هذه السياسات بطبيعة الحال هدفت أساسا الي تأكيد أن الصين بلد خال من الأزمات ومظاهر التقصير بفضل القيادة الحكيمة للحزب الحاكم وجهود الأخيرة في سبيل توفير الأمن والسلام الاجتماعي للجماهير. وبذلك تمت التضحية بصحة المواطن من اجل مصلحة النظام وهيبته وصورته،دون أدني ادراك لما قد ينجم عن هكذا سياسات من نتائج كارثية،خاصة مع ما يعيشه العالم اليوم من ثورة في مجال الاتصالات والمعلوماتية،اصبح معها حبل الكذب والتعتيم اقصر من أي وقت مضي.
ويشبه البعض ما تمر به الصين اليوم بما مر به الاتحاد السوفياتي بعد حادثة تشيرنوبل (1986) التي كشفت النقاب عن العديد من الأمراض التي كانت تنخر جسد النظام. وفي مثل هذا التشبيه إيحاء بأن سارس الصيني قد يكون مدخلا للتغيير مثلما كانت تشيرنوبل السوفياتية مقدمة لصحوة أنتجت البروسترويكا والغلاسنوست. لكني اعتقد أن في هذا الإيحاء بعض المبالغة،لسبب بسيط هو خلو الحزب الشيوعي الصيني حتي الآن من قائد يفكر بطريقة غورباتشوف،بل تأكيد قادة هذا الحزب دائما علي أنهم تعلموا درسا من التجربة السوفياتية ولن يقعوا فيما وقع فيه غورباتشوف من أخطاء أفضت سريعا الي انهيار البنيان السوفياتي كله. علي أن هذا لا يعني أن كارثة سارس سوف تمر دون أن تفضي الي شيء من التغيير في نهج النظام أو الطريقة التي يدير بها البلاد أو علي الأقل في مجال الشفافية الإعلامية تحت ضغط الرأي العام المحلي والدولي وحاجة القيادة الصينية الي استعادة شيء من مصداقيتها المجروحة أمام الجماهير. فالصينيون الذين تهددت حياتهم وأعمالهمبسبب تقصير النظام في الكشف عن وباء سارس في وقت مبكر واخفائه المعلومات الصحيحة عن مواطنيه طويلا قد لا يرضيهم بعد اليوم قيام الحكومة بتقديم تبريرات واهية أو لجم الغضب الشعبي عن طريق تحميل المسؤولية لوزراء ومسئولين من الدرجة الثانية وإقصائهم عن مناصبهم مثلما حدث مع وزير الصحة " زهانغ وينكانغ " وعمدة بكين " مينغ زوينونغ ". فهم يعرفون أن وزير الصحة مثلا شخصية لا ثقل لها وتأتي في مرتبة أدني بكثير من مرتبة أي زعيم محلي للحزب الشيوعي في مقاطعات البلاد،كما يعرفون أن من يدير الأجهزة الصحية المحلية لا يعينه الوزير المختص ولا يتبع للأخير وإنما يعينه الزعيم المحلي للحزب الحاكم ومنه يتلقي الأوامر والتوجيهات. الي ذلك فان ما يثير حنق المواطنين هو أن تحميل المسؤولية الي وزير الصحة وعمدة بكين تحديدا لا علاقة له بالمحاسبة بقدر ما هو اجراء متفق عليه ما بين طرفي المعادلة داخل الحزب الحاكم وبطريقة تحفظ موازين القوة ما بين الطاقم القيادي الجديد المؤلف من الرئيس " هو جنتاو" و رئيس الوزراء " مين جياباو " والطاقم القديم الذي يتزعمه الرئيس الخارج من السلطة حديثا "جيانغ زيمين ". فوزير الصحة محسوب علي المجموعة الأولي بينما عمدة بكين محسوب علي المجموعة الثانية مما يعني وجود اتفاق علي أن تحمل مسؤولية سارس بالتساوي الي شخصية من هذا التيار وشخصية من ذاك التيار.
إن ما حدث علي هامش وباء سارس في الصين من ممارسات وسياسات رسمية يؤكد أن الأمل الذي كان معقودا علي توجه الصين تدريجيا نحو سياسات انفتاحية تلتزم بالشفافية في القول والعمل استعدادا لاستضافة بكين لأولمبياد 2008 ولاستضافة شنغهاي لمعرض اكسبو الدولي في عام 2010، أمل في غير محله. وبعبارة أخري أكد الحدث أن بكين ماضية في سياساتها القديمة القائمة علي التعتيم واخفاء الحقائق تحت مبررات الحفاظ علي الأمن والاستقرار ومقاومة كل ما من شأنه التسبب في وقف الاستثمارات الأجنبية والنشاط السياحي والتجاري، الي الدرجة التي قامت فيها السلطة بتحذير أطبائها وممرضيها من لبس الكمامات الواقية أثناء معالجتهم لمرضي سارس كي لا يتسببوا في إحداث الذعر بين المواطنين،الأمر الذي أدي الي إصابة العديد من الأطباء والممرضين بالمرض وبالتالي حرمان المواطنين من خدماتهم.
والجدير بالذكر أن الحكومة الصينية تعاملت في حالات مشابهة عديدة في الماضي بنفس الطريقة،وان كانت الآثار التي نجمت عن ممارساتها وقتذاك أقل ضررا. فعلي سبيل المثال عندما وقعت المظاهرات الطلابية الحاشدة في ساحة تيان ان مين في عام 1989 لجأت وكالة أنباء الصين الجديدة الرسمية الي إرسال تقارير دقيقة حول الحدث الي كبار قادة الدولة والحزب، لكن ما كانت تبعث به الي الخارج لم يتعد القول بأن مجموعة صغيرة من الطلبة المشاغبين تسببت في بعض المشاكل مدفوعة بالدعايات الغربية الحاقدة. وبالطريقة نفسها دأبت وكالة الأنباء الصينية علي التعامل مع الكوارث الطبيعية كالفيضانات مخفية عن العالم الخارجي حجم أضرارها ومعاناة الناس من جرائها، كي لا يقال أن البنية التحتية الصينية لا تصمد أمام الكوارث الطبيعية أو أن الدولة لم تحتط للأمور بما فيه الكفاية أو أنها مقصرة لجهة تقديم العون للمتضررين. ويمكن في السياق نفسه الإشارة الي طريقة تعامل السلطات الصينية مع مرض الايدز الذي وصفته في البدء بأنه من أمراض المجتمعات البرجوازية المتفسخة التي لا مكان لها في المجتمع الصيني. لكن قبل ثلاثة أعوام حدث أن أصيب عشرات الآلاف من فلاحي المقاطعات الصينية الوسطي بفيروس الايدز كنتيجة لاستخدام دماء وأدوات طبية ملوثة في عمليات نقل الدم لبعض المرضي. هنا دأبت السلطات علي إخفاء عدد المصابين الحقيقي ثم أعطت رقما لا يتجاوز 30 ألف حالة قبل أن تقر في العام الماضي بوجود مليون حالة تقريبا. وقبل وقت قصير من ظهور وباء سارس حدثت حالات تسمم لأطفال مدارس مقاطعة لياونينغ الشمالية الشرقية بسبب تناولهم حليبا ملوثا. وبينما كان آلاف الطلبة الصغار يترددون علي المستشفيات وثلاثة منهم يلقون حتفهم،كانت السلطات المحلية تحجب الخبر قبل أن تضطر الي الاعتراف به مع تأكيدها علي أن الأمر تحت السيطرة ولا يبعث علي القلق إطلاقا.
هذا كله،إضافة الي نفي السلطات وجود حالات لوباء سارس في العاصمة ثم اعترافها بوجود 37 حالة فقط قبل أن يكتشف أن الحقيقة أكبر من هذا العدد بتسع مرات، جعلت أحد المراقبين يتعرف علي الصيغة التي يتعامل بها النظام الصيني مع الأزمات إعلاميا وملخصها:
1) نفي حدوث الأزمة إطلاقا.
2) الاعتراف بوجود مشكلة صغيرة لا تستدعي القلق عندما تفشل جهود النفي.
3) الاعتراف بوجود أزمة مع التأكيد علي أنها تحت السيطرة،حينما تفشل جهود التقليل من حجمها.
4) الإعلان عن الحقائق حينما تخرج الأزمة عن نطاق السيطرة وتصبح مادة رئيسية في الإعلام العالمي،مع إيجاد التبريرات اللازمة وتحميل المسؤولية إما للخارج أو الي مسئولين من الصف الثاني.
وجملة القول أن وباء سارس أكد أن مشكلة الصين تكمن في إصابتها بوباء مزمن اسمه مرض نقصان الشفافية،ناجم عن فيروس لا يتكاثر إلا في الأجواء المغلقة، وان علاجها يتطلب قيام الثنائي الشاب جينتاو- جياباو بعملية جراحية سريعة و جريئة و دونما تقيد بإرشادات معلميهم السابقين.

باحث وخبير خليجي في الشئون الآسيوية