"إيلاف"من القاهرة: في الوقت الذي يغسل فيه الجميع أياديهم من أية شبهة قد تربطهم بحزب "البعث" العراقي، بما في ذلك كبار قادته ورموزه ومنظريّه، كان هنا في القاهرة من يحتفل بالذكرى السنوية لحزب البعث، وعبر صفحات موقع مجلة يصدرها أحد الذين اتهموا في قصة "كوبونات النفط" وهو الصحافي المصري عبد العظيم مناف صاحب "دار الموقف العربي"، وشقيقتها "دار صوت العرب"، كتب تحت عنوان: "رسالة إلي الأخ الرئيس المجاهد صدام حسين، رئيس جمهورية العراق الموقر"، يقول: "في مناسبة الذكرى السابعة والخمسين لتأسيس حزب البعث العربي الاشتراكي في السابع من نيسان (أبريل) 1947 يبعث كاتب السطور بهذه الرسالة إليكم كما اعتاد في مناسبات قومية عزيزة على النفس، مضيئة في الذهن، منيرة للعقل، محرضة للفكر، وذلك منذ تموز (يوليو) 1968 وحتى اليوم"، على حد تعبير الصحافي المصري الذي طالما كان ضيفاً دائماً على احتفالات النظام السابق بهذه الذكرى سنوياً، وما كان يتردد في أوساط الصحافيين حينئذ عن عطايا وهدايا صدامية، كانت أشهرها ساعة ذهبية عليها صورة صدام، حتى ان أحدهم قال ساخراً ذات مرة حين أبدى البعض تململاً من التأخير في تسليمه الساعة، قائلاً لهم اطمئنوا فإن "الساعة آتية لا ريب فيها".
وعبد العظيم مناف الذي تصدر اسمه قائمة نشرتها صحيفة (المدى) العراقية، لهؤلاء الذين منحهم نظام صدام حسين المخلوع هبات نفطية كبيرة، في ما اشتهر إعلامياً بفضيحة "كوبونات النفط"، والتي اشتملت على أسماء 280 شخصية عربية وأجنبية من 52 دولة عربية وأجنبية، وكانت منها مساعدات قدمت لمناف لطبع صحيفته "صوت العرب" في بغداد وتوزيعها هناك، إضافة إلى بيع أشرطة صوتية لمؤسسته بلغت قيمتها حوالي ثلاثة ملايين دولار بسعر الصرف الرسمي للدولار آنذاك سلمت له، كما ورد في تقرير (المدى) الشهير الذي أثار عاصفة في شتى عواصم العالم.
ومضى مناف في معرض مخاطبته لصدام حسين الذي تحتجزه القوات الأميركية بعد القبض عليه، قائلاً : "هاهي ذي الأمة الواحدة ذات الرسالة الخالدة تواصل التواصل بالأصيل في تاريخها منذ بدر والقادسية وحطين وعين جالوت والسويس والكرامة وإيلات وشدوان والاستنزاف والجنوب والقنيطرة والقنطرة".
وغمز مناف أنظمة وعواصم عربية منها القاهرة، فضلاً عن واشنطن بقوله: "فهاهم أولاء العملاء شهود الزور، وجماعة التزوير، وأبواق الشرير يجمعهم مأزق التعرية والتعوية ­ من العواء ­ والتعمية من واشنطن مرورا بتل أبيب وصولا إلى الكويت والدوحة، وعواصم أخرى تنتظر تكليفها بمهام الفراشة والخدمة من الباطن لتقديم القهوة المسمومة، والوجبة الملغومة تحت شعار (القمة لابد أن تنعقد)، وهم جميعا يعرفون أنها لا قمة، ولا قرار من القمة أو في القمة أو للقمة بأيدي هؤلاء، وإنما بيد مقاول الهدم في واشنطن".
يأتي هذا في وقت يتحدث فيه صحافيون وناشطون مصريون عن ثروة ضخمة أصبح يمتلكها مناف، منها على سبيل المثال دار نشر يمتلكها، فضلاً عن بناية فخمة في أحد أرقى أحياء القاهرة، وهو منيل الروضة، إضافة إلى بناية أخرى بواحد من أهم شوارع القاهرة، وهو شارع قصر العيني.
ظاهرة الفرحان
وبينما يصر الصحافي المصري مناف على اختيار "شرف الدفاع" عن شخص صدام حسين ونظامه، وإقراره بـ "مآثر صدام"، فقد اختار الصحافي العراقي داود الفرحان الذي أصبح يقيم في شقة فاخرة بالقاهرة بشكل دائم طريقاً آخر منذ إطاحة النظام السابق، إذ انقلب على كل تاريخه وتراثه لدى صدام وابنه ونظامه، وفي المقابل فتحت صحف كبرى الصفحات له، بينما لا تتيح جزءاً يسيراً من هذا حتى لمحرريها، للحد الذي فسره البعض بعبارة تنطوي على دلالات خاصة وهي "التوجيهات العليا"، التي فسرت أيضاً تقاضيه راتباً ضخماً بـ "العملة الصعبة"، رغم إقامته في مصر، وهو أمر لا يحدث عادة مع غيره من الصحافيين، ولا حتى كبار الكتّاب في مصر، فضلاً عن دعوته إلى شتى الفعاليات المصرية للمشاركة ممثلاً للصوت العراقي
وفي وقت يكاد لا يعرف أحد في مصر اسم ممثل مجلس الحكم الانتقالي العراقي لدى مصر والجامعة العربية، فقد تندر صحافيون في مصر على الاسم الذي لمع خلال العام الماضي عبر صحف مصرية، للصحافي داود الفرحان، الذي شغل عدة مناصب أثناء حكم نظام صدام حسين، وكان نائباً لعدي، بقولهم إنه أصبح "الممثل الشرعي الوحيد للشعب العراقي في القاهرة"، والصوت العراقي المعتمد لدى المتلقي المصري.
وشهدت "مقالاته القاهرية" تحولاً معاكساً إلى النقيض، إذ أصبح الفرحان يحرص على وصف صدام حسين بالطاغية والدكتاتور والمستبد، ويسخر من رئيسه السابق عدي صدام حسين، بينما لم تغب عن ذاكرة المتلقين العرب حتى الآن دفاع فرحان عن صدام ونظامه، ليس في صحف العراق حينئذ فقط، بل وعبر لقاء في البرنامج الشهير الذي تبثه فضائية "الجزيرة"، وهو برنامج "الاتجاه المعاكس"، والتي ورد فيها على سبيل المثال لا الحصر، قوله في معرض تبريره لغزو الكويت:
"نعم، المؤامرة الكويتية كانت واضحة جداً، ونبه إليها السيد الرئيس القائد صدام حسين في مؤتمر القمة الذي عُقِد في بغداد في أيار 1990م، نبه إلى أن قيام دولة الكويت -كما تسمي نفسها- بتخفيض أسعار النفط وزيادة الإنتاج هو مؤامرة دولية لإضعاف العراق".
وفي نفس الحلقة راح الفرحان يدافع عن "حزب البعث" قائلاً: "أفخر بأن حزب البعث العربي الاشتراكي يقود بلادي، وأفخر بأن الرئيس صدام حسين يقود هذه المسيرة".
ثم يرد الفرحان على سؤال وجهه إليه فيصل القاسم، مقدم البرنامج، حول مبررات دفاعه عن سياسة النظام العراقي (المخلوع) قائلاً:
"أدافع عنه لأنه اتخذ قرار، وواضح جداً إنه اتخذ لأسباب إنسانية، وفي يقيني الشخصي أيضاً إنه جزء من رد على ما خصصته المخابرات الأميركية لمجموعة من المرتزقة الذين يسمون نفسهم بالمعارضة العراقية ولا أساس لهم داخل العراق، خصصت لهم أيضاً 100 مليون دولار توزع عليهم لاقتسامها".
وفي معرض رده على تصريحات قالها رئيسه عدي قبل إسقاط النظام، وكرر فيها كلاماً ممجوجاً عن اعتبار الكويت جزءاً من العراق، قال الفرحان:
لقد أبدى الأستاذ عُدي رأيه الشخصي وهو رأي أغلبية العراقيين الساحقة، إنه الكويت تاريخياً هي جزء من العراق، ومن حقه أن يقول رأيه هذا بصفته -أولاً- مواطناً عراقياً، وبصفته -ثانياً- عضواً في المجلس الوطني.
وهذه الحلقة بالكامل لم تزل موجودة على موقع (الجزيرة . نت) تحت هذه الوصلة:
http://www.aljazeera.net/programs/op_direction/articles/2001/2/2-11-2.htm