عبدالخالق حسين



سيستلم العراقيون يوم 30 حزيران، السلطة السيادية. وقد أكد كل من الرئيسين بوش وتوني بلير أنها ستكون ذات سيادة وصلاحيات كاملة. كما قدمت الحكومتان، الأمريكية والبريطانية مشروع قرار جديد لمجلس الأمن الدولي بهذا الخصوص. ولكن في جميع الأحوال أمام الحكومة الانتقالية الجديدة مهمات كبيرة وعلى رأسها التحضير للانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها قبل 31 كانون الثاني من العام المقبل أي بعد سبعة أشهر من الآن. والأعضاء المنتخبون للبرلمان سيقومون بمهمتين، مجلس تشريعي لسن القوانين ومجلس الدستور الذي يقوم بوضع مسودة الدستور الدائم والتحضير لإجراء انتخابات برلمانية عامة بعد سنة أي في شهر كانون الأول/ديسمبر 2005 لانتخاب برلمان لحكم البلاد لمدة 4-5 أعوام والذي يختار الحكومة الشرعية الديمقراطية. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو أي نظام انتخابي يلائم العراق في وضعه الحالي والمستقبل المنظور.

هناك ثلاثة أنماط انتخابية في العالم الغربي الديمقراطي وهي:
النمط البريطاني - مبدأ فوز المرشح الذي يحصل على أعلى نسبة من الأصوات في الجولة الأولى (First past the post) مهما كانت نسبة الأصوات من مجموع الناخبين.. فوائد هذا النظام أنه يتم على مرحلة واحدة وعادة يكون الحزب الفائز يحصل على أغلبية المقاعد مما يجعل الحكومة المنبثقة قوية في الحكم لتحقيق الإستقرار السياسي والإقتصادي في البلد. أما المساوئ فتتمثل في ضياع نسبة كبيرة من أصوات الناخبين دون أن يمثلهم أحد. كمثال على ذلك فشل حزب المحافظين البريطاني في الحصول على أي مقعد في كل من سكوتلندا وويلز في الإنتخابات البرلمانية العامة سنة 1997، رغم حصول الحزب على ملايين الأصوات في هذين الإقليمين.
2-النمط الفرنسي: إجراء الانتخابات على جولتين: الجولة الأولى: يشترك فيها جميع المرشحين، وإذا حصل فيها أي مرشح على أكثر من 50 بالمائة من الأصوات يكون هو الفائز ولا داعي للجولة الثانية في تلك الدائرة الانتخابية. أما إذا لم يحصل أي مرشح على هذه النسبة، فسيعاد الانتخاب في الجولة الثانية النهائية ويشترك فيها الفائز الأول والثاني فقط. هذا النظام أكثر عدالة من النظام الأول في نسبة تمثيل النواب لعدد الناخبين وأقل عدالة من نظام التمثيل النسبي الذي سنأتي عليه لاحقاً. ويعطي فرصة ثانية للناخبين الذين فشلوا في إيصال مرشحهم الأول إلى البرلمان أن يصوتوا لمن هو أقرب لهم بعد مرشحهم المفضل الذي فشل في الجولة الأولى. ولكنه يمتاز عن التمثيل النسبي بأن الحزب الفائز يكون في موقع القوة عادة والحكومة تكون قوية لإدارة دفة البلاد ويقلل من نسبة ضياع أو هدر الأصوات.
3-التمثيل النسبي (PR) Proportional Representation: وهي طريقة تتبعها بعض الدول الديمقراطية مثل إيطاليا وألمانيا واليونان، حيث يخصص عدد من المقاعد في البرلمان لكل حزب حسب نسبة الأصوات التي حاز عليها ذلك الحزب في الانتخابات العامة. فإذا حقق حزب ما ثلاثين بالمائة من أصوات الناخبين فسيحتل ثلاثين بالمائة من المقاعد وإذا حصل حزب آخر على 20 بالمائة من الأصوات فسيحتل 20 بالمائة من المقاعد البرلمانية وهكذا.
فوائد هذا النظام أنه أكثر عدالة في تمثيل النواب للناخبين من النظامين السابقين ولا يوجد هدر لأصوات الناخبين، وتستطيع الأحزاب الصغيرة إيصال ممثلين عنها إلى البرلمان. أما المساوئ فتتمثل في قيام حكومة ائتلافية ضعيفة حيث يندر أن يفوز حزب كبير لوحده بأغلبية مطلقة من مقاعد البرلمان. فيضطر الحزب الكبير الحاصل على أكبر عدد من المقاعد ودون أغلبية مطلقة، إلى عقد تحالف مع حزب صغير مقارب له في الأهداف عادة. مثل الحزب الديمقراطي الاشتراكي مع حزب الخضر في المانيا.
في هذه الحالة، يفرض الحزب الصغير شروطه على الحزب الكبير وتصل أحياناً إلى حد الإبتزاز، لأن بإمكان الحزب الصغير إسقاط الحكومة في أي وقت يشاء بمجرد خروجه من التحالف. وفي هذه الحالة يحصل ما هو غير ديمقراطي، أي الأقلية تفرض إرادتها على الأكثرية، ويؤدي هذا الوضع إلى زعزعة الحكومة وعدم الاستقرار السياسي وأفضل مثال في ذلك هو إيطاليا التي تعرف بعدم الاستقرار السياسي، حيث تم تغيير الحكومات بمعدل حكومة في السنة منذ الحرب العالمية الثانية. وتعتبر حكومة برلسكوني الأخيرة هي أطول عمراً بين الحكومات الإيطالية حيث دخلت سنتها الثالثة لأول مرة في تاريخ إطاليا بعد الحرب العالمية الثانية.
وقد ظهر تأثير طريقة الأنظمة الإنتخابية جلياً في بريطانيا في الإنتخابات البرلمانية الإقليمية (الحكم الذاتي) في سكوتلاندة وويلز في نيسان 1999، حيث قررت الحكومة المركزية (العمالية) تطبيق نظام التمثيل النسبي في الإنتخابات البرلمانية المحلية في هذين الإقليمين على خلاف الإنتخابات البرلمانية المركزية. ففشلت جميع الأحزاب الرئيسية الثلاثة في الحصول على الأغلبية المطلقة (أكثر من 50%) من عدد النواب، مما اضطر حزب العمال (الفائز الأكبر) عقد تحالف مع حزب الديمقراطيين الأحرار لتشكيل حكومة إئتلافية في هذين الإقليمين. ولو اتبع نظام الفائز الأول (first past the post ) لحصل حزب العمال على الأغلبية المطلقة من المقاعد وفشل حزب المحافظين في الحصول حتى على مقعد واحد. ولذلك يطالب حزب الديمقراطيين الأحرار (أصغر الأحزاب الرئيسية الثلاثة) بتطبيق نظام التمثيل النسبي حتى لإنتخاب نواب مجلس العموم (المركزي) الأمر الذي يعارضه كل من الزبين الكبيرين، العمال والمحافظين.

أي من هذه الأنظمة الانتخابية يصلح للعراق الديمقراطي؟
في الوقت الحاضر لا يوجد في العراق الجديد أي حزب يستطيع لوحده أن يفوز بالأغلبية المطلقة من الأصوات أو المقاعد وفي ظل أي نظام انتخابي، وذلك لعدم تمكن أي حزب تحقيق شعبية واسعة بسبب شراسة القمع التي اتبعها النظام البعثي الساقط ضد أحزاب المعارضة قبل سقوطه وللفلتان الأمني بعد سقوطه. وعليه فليس بإمكان أي حزب أن يحكم البلد لوحده في هذه المرحلة العصيبة. لذلك فهناك مسيرة طويلة أمام الأحزاب الوطنية لتوسيع قواعدها بين الجماهير، عدا الحزبين الكرديين الكبيرين اللذين ينحصر دورهما على إقليم كردستان فقط، سواءً في انتخاب نواب برلمان الإقليم أو حصتهم من نواب البرلمان المركزي. وبذلك فليس بإمكان أي حزب أن يحصل على أصوات كافية للفوز بأغلبية مطلقة من مقاعد البرلمان لتشكيل الحكومة لوحده، بغض النظر عن النظام الانتخابي.
وعليه فالنظام الانتخابي الأنسب في رأيي، هو التمثيل النسبي (PR) لعموم العراق في الوقت الحاضر. هذا النظام سيرغم العديد من الأحزاب الصغيرة المتقاربة في برامجها إلى الإندماج في حزب واحد وتدريجياً سوف تختفي الأحزاب الصغيرة الموسمية الكثيرة و ستظهر أحزاب كبيرة وقوية، عندها يمكن الأخذ بالنظام الفرنسي (على مرحلتين) أو البقاء على نظام التمثيل النسبي كما تقتضيه ظروف البلد. أما في كردستان فهناك حزبان قويان وتشبه أوضاعهما أوضاع بريطانيا، فيمكن اعتماد النظام البريطاني ولكن النظام الفرنسي أكثر عدالة للجميع، أي على مرحلتين وللحد من ضياع أصوات الناخبين إلى أقل ما يمكن.