قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

خيرالله خيرالله
هناك حرب اميركية - ايرانية في العراق. فايران التي تعتبر نفسها المستفيد الاول من اسقاط النظام العراقي تعمل حالياً على استغلال المأزق الذي يواجهه الاميركيون الذين قرروا احتلال هذا البلد العربي تمهيداً لاعادة رسم خريطة الشرق الاوسط، او على الاصح اعادة تشكيل المنطقة على حد تعبير وزير الخارجية الاميركي كولن باول في خطاب له قبيل بدء العملية العسكرية في العراق.
تتحرك ايران هذه الايام في اتجاهات مختلفة من منطلق ان ثمة فراغاً في العراق وانها الطرف الوحيد القادر على ملئه في حين ان ليس ما يشير الى ان الاميركيين سيغادرون هذا البلد غداً. وذلك عائد الى ان وجودهم في هذا البلد ليس مرتبطاً باعادة رسم خريطة الشرق الاوسط وبوجود ثاني اكبر احتياط نفطي في العالم فيه فحسب، بل بحال عدم الاستقرار السائدة في السعودية ايضاً.
وهذه الحال تفرض على الاميركيين الابقاء على وجودهم العسكري الكبير في العراق وذلك كي تكون لديهم خطط جاهزة للتدخل في السعودية في حال سارت الاحوال فيها بشكل دراماتيكي. انه احتمال لا يسمح للاميركيين بالاقدام على اي نوع من المجازفات نظراً الى ان استقرار الولايات المتحدة والعالم مرتبطان الى حد كبير بنفط الشرق الاوسط والنفط السعودي تحديداً. ومن المجازفات التي لا يستطيعون السماح بها اجراء خفض كبير لقواتهم في العراق قبل التأكد من ان هناك حكماً قادراً على الامساك بالبلد من جهة وعدم وجود قوى خارجية كايران وغير ايران تستطيع ممارسة نفوذ مباشر في البلد من جهة اخرى. هل تدرك ايران هذه الحسابات الاميركية كي لا يتبين ان حساباتها خاطئة؟
ما لم تفهمه ايران هو انها ليست قوة عظمى وان من الصعب تكرار تجربة العام 1980 حين قررت من هو الرئيس المقبل لاميركا وذلك بامتناعها عن اطلاق الرهائن الاميركية المحتجزة في سفارة الولايات المتحدة في طهران منذ خريف العام 1979 قبل موعد الانتخابات التي تنافس فيها جيمي كارتر الساعي الى تجديد ولايته ورونالد ريغان مرشح الحزب الجمهوري. وقتذاك كان كافياً اطلاق الرهائن قبل الانتخابات ليفوز كارتر وتأخير اطلاقهم الى ما بعد الانتخابات ليفوز ريغان. وقد انتقمت ايران من الاول بحجة انه سعى الى اطلاق الرهائن بالقوة وذلك عندما شن عملية عسكرية كانت لها نتائج كارثية بسبب عاصفة رملية هبت على صحراء طبس في اثناء تحليق طائرات هليكوبتر اميركية تنقل قوات في طريقها الى السعي الى تحرير الرهائن. والواقع ان اتفاقاً سرياً توصل اليه الايرانيون مع فريق ريغان امن للاخير فوزه في الانتخابات.
تبدو ايران عاجزة عن استيعاب فكرة ان العالم تغير وان اوائل الثمانينات شيء وبدايات القرن الواحد والعشرين شيء آخر. كذلك تبدو عاجزة عن فهم انه ليس مسموحاً لها بأن يكون لديها مشروع خاص بها في العراق. ستتمكن ايران من ممارسة نفوذ اكبر في العراق لكنها لن تستطيع امتلاك مشروع لهذا البلد وذلك لسبب في غاية البساطة. يكمن هذا السبب في ان الاميركيين لن يسمحوا لها بذلك من جهة وفي انهم لا يستطيعون ترك العراق من جهة اخرى. هل يمكن للولايات المتحدة ان تسمح لقوة اقليمية مثل ايران بالتحكم بنفط الخليج ومنابعه وجعل العالم تحت رحمتها؟ ان اقدام صدام حسين على اقل من ذلك بكثير في اغسطس من العام 1990 حين احتل الكويت كان كافياً لاصدار حكم بالتخلص منه، فما الذي يمكن ان يحل بنظام يفكر في انه ستكون له اليد الطولى ليس في العراق وحده بل في الخليج ايضاً وذلك من منطلق ان الاميركيين سيهزمون في العراق عاجلاً ام آجلاً وان هناك فراغاً يرى انه قادر على ملئه؟
تخطئ ايران كثيراً اذا كانت تعتقد انها ستكون قادرة على استغلال الوضع العراقي لتتحول القوة الاقليمية المهيمنة على المنطقة. قبل كل شيء ليس مسموحاً لها امتلاك السلاح النووي. واذا كانت تريد تقديم خدمة لنفسها ولشعبها، يفترض فيها التوقف عن اي نوع من المناورات في هذا المجال. اما اذا كانت تعتقد ان لديها اوراقاً كثيرة تستطيع لعبها، فان هذه الاوراق لا يمكن الا ان ترتد عليها في النهاية بما في ذلك ورقة تشجيع حركة التمرد التي يقودها حسين بدر الدين الحوثي في اليمن، او استمرار الوضع الراهن لـ«حزب الله» في لبنان. ففي نهاية المطاف ستتمكن مؤسسات الدولة في اليمن من القضاء على ظاهرة الحوثي، وهي لم تفعل ذلك حتى الآن لأن القيادة اليمنية تمتلك حداً ادنى من الشعور بالمسؤولية يجعلها حريصة على عدم وقوع خسائر في صفوف المدنيين. ولذلك تنصب الجهود اليمنية حالياً على محاصرة الحوثي وانصاره مع ادراك انه لا يمكن ان تكون هناك تحركات لأي مجموعة قبلية في اليمن من دون دعم خارجي خصوصاً الدعم المالي.
اما بالنسبة الى لبنان، لا يمكن في ضوء التجارب التي مر فيها البلد تجاهل ان وجود الجزر الامنية ليس في مصلحة البلد الصغير وان هذه الجزر لا يمكن ان تعود عليه بالفائدة. على العكس من ذلك ان ما يخدم لبنان واللبنانيين والقضية العربية عموماً هو لبنان المعافى الذي تسيره دولة قوية ذات مؤسسات راسخة. وكل ما عدا ذلك لا يخدم سوى اعداء لبنان من الذين يحاولون الترويج لفكرة استحالة العيش المشترك في ظل اجواء من التسامح في المنطقة العربية.
باختصار شديد، ليس مسموحاً لأي دولة في المنطقة لعب ادوار اكبر منها. واذا كان من رسالة يمكن توجيهها الى ايران، فهي ان عليها الاستفادة من تجربة الحرب مع العراق بين العامين 1980 و1988 كي تقتنع بأن دولة في حجمها لم تستطع الانتصار في تلك الحرب لأن العالم كان يدرك ان انتصارها ستكون له انعكاسات على الصعيد الاقليمي ليس في الامكان تحملها. واذا كانت تلك الحرب مسؤولية جنون شخص اسمه صدام حسين، فانه لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل ان هناك جانباً من المسؤولية تتحمله ايران التي ارادت تصدير ثورتها الى دول الجوار ولم تخف هذه الطموحات في اي وقت من الاوقات... وها هي الآن تعود الى تلك النغمة القديمة التي عفا عنها الزمن، او هكذا يفترض.
ان ايران دولة متوسطة الحجم تمتلك ثروات كبيرة خصوصاً على صعيد الطاقات البشرية، ولعل افضل ما يستطيع النظام عمله خدمة للايرانيين عدم تبديد الثروات على اعمال لا طائل منها. فاليمن لا يمكن ان يعود الى ايام حكم الامام لأن الشعب اليمني كله يرفض ذلك، ولبنان لا يمكن ان يتحول يوماً «جمهورية اسلامية» على الطريقة الايرانية لأن اهله بكل طوائفهم ومذاهبهم يرفضون ذلك اولاً. اما العراق فيجب ان يترك له مجال للتصالح مع نفسه اولاً بعيداً عن اي اثارة للنعرات المذهبية. ان ذلك كفيل بانهاء الاحتلال الاميركي في اقرب وقت، وما عداه مضيعة للوقت والدخول في لعبة لا تخدم سوى مخططات جناح الصقور في واشنطن. هذا الجناح لا فارق لديه اذا بقي العراق موحداً ام لا، ولا يرى عيباً في ان يبذل كل الجهود الممكنة كي لا يكون هناك اي تعارض بين اميركا واسرائيل في العراق وغير العراق! لماذا لا تعمل ايران على التصدي لهذا الجناح في واشنطن بدل العمل على تقويته من خلال سياساتها المتبعة حالياً؟
&