&
بيروت : ريما زهار:حكم عليهم المجتمع والظروف بلعنة الجنون... فهل نحاكمهم؟
في مجتمع يصبو إلى التقدم والرقي تبقى تلك اللعنة قائمة للأسف:
مجانين!
هكذا يصنف المجتمع العربي بإجحاف، من اختلف من البشر في الإدراك والعقل الراجح.
فهل ينصف القانون وعلم النفس هذه الفئة من الناس؟ وما هي القوانين التي تحدد مسؤولية المختل عقلياً عن أي جرم يقوم به؟
هل يوافق علم النفس على هذه القوانين الموضوعة؟ وهل يستطيع إثبات حالة الجنون لدى الشخص عند ارتكابه الجرم؟
وبين القانون وعلم النفس تبرز فئة ثالثة تقلب الأحكام رأساً على عقب، تطالب بالعقاب حتى ولو كان الفاعل مختلاً.
فكيف يقنع القانون أو علم النفس من فقد ولده أو قريباً له، بأن مرتكب الجرم غير مسؤول عن تصرفاته؟
يقول الدكتور ادمون نعيم، الاختصاصي في القانون الدولي " أن القوانين العربية التي تتناول عقاب " المجنون" لدى ارتكابه الجرم تتحدث جميعها عن إصدار الحكم على المجنون مع عدم تنفيذه " لانتفاء التبعة" وهي شبيهة إلى حد بعيد بالقانون اللبناني الذي ينص على " أنه يعفى من العقاب من كان في حالة جنون أفقدته الوعي والإرادة، كما أن من ثبت اقترافه جناية أو جنحة مقصودة عقابها الحبس سنتين وقضي بعدم مسؤولياته بسبب فقدانه العقل، حجز بموجب فقرة خاصة من حكم التبرئة في مأوى احترازي،أما إذا كانت الجنحة غير مقصودة أو كان عقابها الحبس أقل من سنتين قضي بحجز الفاعل في المأوى الاحترازي إذا ثبت أنه خطر على السلامة العامة، ويستمر الحجز إلى أن يثبت شفاء المجنون بقرار تصدره المحكمة التي قضت بالحجز ويمكن أن تفرض الحرية المراقبة على المحجوز عند تسريحه. أما من كان حين اقتراف الفعل مصاباً بعاهة عقلية وراثية أو مكتسبة أنقصت قوة الوعي أو الاختيار في أعماله يستفيد قانوناً من إبدال عقوبته أو تخفيضها، ومن حكم عليه بعقوبة جنائية أو جناية مانعة أو مقيدة للحرية واستفاد من إبدال العقوبة أو تخفيضها قانوناً بسبب العته، ومن حكم عليه بعقوبة من هذه العقوبات وثبت أنه ممسوس أو مدمن مخدرات أو كحول وكان خطراً على السلامة العامة قضي في الحكم بحجزه في مكان من المأوى الاحترازي ليعالج في أثناء مدة عقوبته، كما أن المحكوم عليه الذي يسرح من المأوى الاحترازي بعد شفائه المثبت بقرار من المحكمة التي قضت بحجزه ، تنفذ فيه المدة الباقية من عقوبته، أما إذا ظل المحكوم عليه بعد انتهاء مدة عقوبته خطراً على السلامة العامة، يضبط في المأوى الاحترازي بموجب قرار من المحكمة نفسها لمدة لا تتجاوز الخمس سنوات إذا حكم عليه بجناية والسنتين إذا حكم عليه بجنحة، ويسرح المحجوز عليه قبل انقضاء الأجل المحدد إذا صدر قرار لاحق يثبت أنه لم يبق خطراً ويمكن أن تفرض الحرية المراقبة على المحجوز عليه بعد تسريحه.
مغيزل
والقانون، بحسب الدكتور فادي مغيزل، مرجع قانوني في هذا المجال، يحدد المختل عقليا بفئتين أساسيتين هما المجنون والمعتوه، يضاف إليهم" السفيه" أي البسيط في تفكيره، ويرتقي المجنون قانونياً أقصى الدرجات، ويتمثل بمن فقد وعيه وإدراكه وتفكيره وارادته، ويقسم الجنون إلى نوعين: النوع الأول يظهر باستمرار، أما الثاني فيتجسد بنوبات متقطعة ويقتضي الفصل بين النوعين لأن مسؤولية الفاعل في كافة القوانين العربية تْحدد لدى اقترافه الجرم خلال النوبة أم خارجها.
وقانونياً أيضاً، يضيف مغيزل، تطلق صفة معتوه على من كان قليل الفهم ويتحدث بطريقة غير واضحة، وهو من ورث عادة عاهة عقلية تختلف عن الجنون الذي يميز فاقد الوعي والإدراك والإرادة كلياً، لكن لا ينفي امتلاكه إعاقة أساسية في تفكيره وعدم قدرته على الاختيار والاعتماد على نفسه.
ويشرح مغيزل"أن كافة القوانين العربية تجاه " المجنون" تبقى غير منصفة حيث لا تزال النظرة إلى المجنون قديمة تطالب بالعقاب بدل المأوى الاحترازي وهو ما نلمسه في تطبيق القوانين، هذا بالإضافة إلى مشكلة السجون في العالم العربي التي تمر بوضع مأساوي يشعر الإنسان فيها بأنه بلا كرامة فكيف إذا كان السجين بحاجة إلى علاج ومتابعة مستمرة؟
علم النفس
ما هي نظرة علم النفس إلى الموضوع؟ البروفيسور منير شمعون، الاختصاصي في الأمراض النفسية والعصبية يشرح "أن المضطرب عقلياً بالنسبة لعلم النفس ، يكون إما مريضاً بالانفصام أو يعاني من انهيار عصبي أو ما شابه من تحديدات علمية يعترف بها علم النفس ، ويعتبر كل شخص لا يملك الوعي والإدراك الكافي أو التفكير الراجح من خلال مرض نفسي يعاني منه، مميزاً عن غيره وبالتالي يعامل بطريقة مختلفة، تلك الطريقة موجودة في كافة بلدان العالم بما فيها العالم العربي وتتطلب خبرة نفسية في هذا المجال، فعندما يعرف علم النفس أن شخصاً ما مختل عقلياً ولديه اضطراب نفسي عميق بعد خضوعه طبعاً إلى اختبارات، يقرر الطبيب النفساني مسؤولية أو عدم مسؤولية الشخص وفقا ًللاختبارات والتحاليل وهنا تظهر وجهات نظر عديدة فيعتبر البعض أن الشخص غير مسؤول لكنه يشكل خطراً على المجتمع، فيوضع في مكان ملائم ويخضع لعلاج مع متابعة الطبيب النفساني
اختلاف في الرأي
في حال أرادت لجنة أطباء نفسانيين تشخيص مرض الفاعل أو مرتكب الجرم ، واختلفت الآراء، كيف تتم معالجة الأمر؟ يجيب شمعون " أن في الأمر مشكلة كبيرة، وغالباً ما تحدث بين الأطباء النفسانيين فيلجأون في تلك الحالة إلى الاختبار الأول ، والاختبار المعاكس ومع وجود اختلاف في الرأي يتم اللجوء إلى رأي ثالث، لكن في معظم الحالات يكون المرض معروفاً ومحدداً مع انتفاء التمثيل من قبل المتهم والضغط من قبل الأهل حتى يظهروا المرض من أجل البراءة أو تخفيف الحكم، لكن للأسف، في مجمل البلدان العربية لا أحد يحاسب الطبيب النفساني المخطئ في التشخيص ...أما في بلدان العالم فيقيم الشخص الذي أصابه الخطأ دعوى على الطبيب ويلاحقه قضائياً وفي معظم الحالات يربح الدعوى، وفي هذا الصدد وضع الكثيرون من الأطباء في السجن لمدة تجاوزت الست سنوات، وأشار شمعون في النهاية بأن العالم العربي غير مجهز كلياً بمأوي احترازية وبأطباء نفسانيين رغم وجود بعض المستشفيات التي تهتم بالأمر