&
كتب المحرر السياسي في "ايلاف"
وسط احتدام اللغط حول حقيقة الموقف اللبناني الرسمي ازاء "الخط الأزرق" الذي انسحبت اليه القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان، تكشف "ايلاف" اليوم عن صورة طبق الاصل حصلت عليها للمذكرة الموجهة من الرئيس اللبناني العماد أميل لحود الى كوفي أنان، أمين عام الأمم المتحدة، عبر السفير سليم تدمري مندوب لبنان الدائم لدى المنظمة الدولية، وذلك بتاريخ 9 حزيران (يونيو) عام 2000 ومن قراءة الرسالة المكتوبة تحت عنوان "مذكرة رئاسية"، والجهة التي تولت نقلها، هناك3 نقاط جديرة بالتوقف عندها:
1) ورود المذكرة الى السفير تدمري عبر جهاز استخبارات الجيش Army Intelligence.
2) ورود عبارة "وقد وافق لبنان على هذا التقييم بانتظار ايجاد صيغة مشتركة لمنطقة المزارع موقعة بينه وبين سوريا لتقديمها الى الامم المتحدة ، في حين ان مثل هذا الالتباس لايتناول خط الحدود بين لبنان وسوريا شمالي تلك المزارع وبالتالي يصبح انسحاب اسرائيل من المرتفعات اللبنانية لجبل الشيخ أمراً تابعاً لتنفيذ القرار 425 بما يعنيه "من كل الاراضي اللبنانية".الى أن مثل هذا الموقف
3) ان ارسال المذكرة جاء قرابة وقت وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد.

تساؤلات وشكوك
&موضوع هذه "المذكرة الرئاسية" يتصل في الحقيقة بعدة مسائل "تفجيرية" على الصعيدين الداخلي اللبناني والاقليمي.
فعلى الصعيد الداخلي شهدت السنوات الثلاث الفائتة في لبنان عملية تجاذب قوية على رأس السلطة التنفيذية. وجاء التنافر& بين رئيس الجمهورية العماد أميل لحود ورئيس الوزراء الحالي والأسبق رفيق الحريري - وهو تنافر معروف وموجود حسب كل المتابعين - ليعيد الى الواجهة روح "اتفاق الطائف" للوفاق الوطني وتحديد الصلاحيات بين رئيس الجمهورية والحكومة. وتجدر الاشارة& ان الرئيس الحريري استنكف عن قبول تكليف بتشكيل الحكومة في مطلع عهد الرئيس لحود لأن الأخير وافق على ان يترك له عدد من النواب حرية التكليف. وكانت حجة الحريري انه لا يحق للنواب ترك حرية الخيار لرئيس الجمهورية او تفويضه ولا يجوز للرئيس قبول تفويض النواب.
وحقاً، كما هو معروف، جرى تكليف الرئيس الدكتور سليم الحص بتشكيل الحكومة بعد استنكاف الحريري، واستمرت حكومة الحص في السلطة نحو سنتين انتهتا بعد اجرائها الانتخابات النيابية التي سجلت فيها المعارضة انتصارات ساحقة وسقط فيها حتى رئيس الحكومة وعدد من وزرائه.
لماذا خسر الحص في الانتخابات. مسألة أثارت جدلاً طويلاً وخلقت نوعاً من التوتر العام، عندما اتهم أنصار الحص الحريري باشاعة جو طائفي يلمح الى أن الحص "فرّط بحقوق المسلمين"، وارتضى بأن يتخلى على سلطاته وصلاحياته المنصوص عنها في "اتفاق الطائف" لرئيس الجمهورية. في حين كان أنصار الحريري يعتبرون ان الحص خلال سنتي وزارته كان "حاضراً غائباً"، وكان لحود هو الذي يمارس الحكم بمفرده تعاونه "غرفة الأوضاع" العسكرية - الأمنية في القصر الجمهوري.
والواقع انه بينما كان أنصار الحريري وحليفه الوزير السابق وليد جنبلاط يتهمون لحود علناً بالاعتماد على جهاز القصر الرئاسي و"غرفة الأوضاع" و"دكتيلو" الاجهزة الأمني، وكان الحص يقر بين الفينة والفينة بأنه تعرض لـ"تجاوز" غير مقبول. وكان بين "التجاوزات" التي ذكرها بالاسم ما جاء في كتابه "للحقيقة والتاريخ" حين اشار في الصفحة 46 حول المذكرة التي أرسلها لحود الى أنان (يقول الحص انها بتاريخ 11 حزيران 2000) "... ولا شك في ان الرئيس كان على حق فيما ورد في مذكرته، ولا اعتراض لي على مضمونها. ولكن الذي ساعدني انه أوعز لأمين عام وزارة الخارجية السفير زهير حمدان بارسالها الى الأمانة العامة للأمم المتحدة من دون علمي. وعندما عرفت بالأمر، حملت أمين عام الخارجية المسؤولية وعاتبته بشدة وقطعت علاقتي به، وعند معاتبتي الرئيس على ذلك، قال انه سلّم المذكرة الى أمين عام الخارجية معتقداً انه بطبيعته سيعرضها عليّ قبل ارسالها. وسرعان ما اعتذر السفير حمدان عما بدر منه واعتبرت الأمر منتهياً".
إلا أن الحص، الذي كان يشغل أيضاً أبان رئاسته للحكومة في تلك الفترة منصب وزير الخارجية، عاد يوم 18/5/2001& في تعليقه على تصريح للسفير الأميركي ديفيد ساترفيلد زعم فيه السفير ان لبنان وافقق على "الخط الأزرق" للاشارة الى المذكرة الرئاسية الموجهة الى أنان، وهنا أشار الى أنها أرسلت لأنان بتاريخ 9/6/2000، أي المذكرة ذاتها التي سلمها السفير تدمري لأمين عام الأمم المتحدة (الصورة).

تصريح دلّول وردّ الحص.. ورد على الرد
وبتاريخ 22 أيار(مايو) الحالي انتقد الحص الحديث الذي أدلى به وزير الدفاع السابق محسن دلّول لاذاعة "صوت الشعب" اللبنانية وقال فيه ان موافقة لبنان على "الخط الأزرق" تمت في مذكرة رسمية أرسلت الى الأمم المتحدة من دون علم الحص. وجاء في انتقاد الحص لدلول قوله "جرياً على عادته ما زال الوزير محسن دلول يُتحفنا بمواقفه المتحاملة عليّ من ان يراعي الموضوعية والحقيقة في اطلاق التهم ضدي شخصياً، وانني اذا استهجن هذا التهجم أقدر ظروف مطلقه، ويهمني التأكيد في شأن "الخط الأزرق" انني قمت برد مسهب على ما ورد في حديث السفير الاميركي وقد نشر هذا الرد بتاريخ 19/5/2001. كما ان هذا الموضوع سبق لي ان شرحت ظروفه وملابساته في أحد فصول الكتاب الذي نشرته مؤخراً بعنوان "للحقيقة والتاريخ" والذي يوضح حقيقة الموقف اللبناني حول (الخط الأزرق) بوضوح".
ولم يلبث دلول، الذي يرتبط بصلات وثيقة بالرئيس الحريري، ان أبدى استغرابه لكلام الحص، ودعا رئيس الحكومة السابق الى مراجعة النص الذي ورد في كتابه في الصفحة 46 حول ما أسماه الاساءة الثانية والمذكرة المرسلة الى أنان عبر السفير حمدان اذاً بما يتعلق بالسؤال الأول، نعم أرسلت مذكرة رئاسية من لحود الى أنان، لكنها لا تحمل على ما يظهر شكل الأوراق الرسمية وشعار الدولة، وكما يظهر أيضاً أرسلت الى السفير تدمري عبر جهاز فاكس تابع لاستخبارات الجيش (الصورة).
وهذا اسلوب من شأنه اعادة طرح علامات الاستفهام واثارة الارتباك ولاسيما، ازاء خلفية التفاوت النوعي واللفظي بين موقفي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الحالي رفيق الحريري من آخر عمليات "حزب الله" في مزارع شبعا. ففي حين يواصل لحود تأييده بالمطلق للمقاومة، انتقدت صحيفة "المستقبل" التي يملكها الحريري "توقيت تلك العملية وسط انهماك رئيس الحكومة في اتصالات دولية سياسية واقتصادية لتخفيف الضغط على لبنان.

موافقون... غير موافقين
وهنا نصل الى السؤال الثاني.
السفير الأميركي ساترفيلد، المعروف لبنانياً بكلامه المباشر والصلف أحيانا، اعتبر في تصريحه يوم 17/5/2001 بعد لقائه بعض كبار المسؤولين اللبنانيين ان لبنان "وافق على (الخط الأزرق) وعليه الا يثير هذا الموضوع مجدداً".
ومن الناحية التقنية كلام السفير صحيح. إلا انه يتجاهل عمداً التحفظ المربوط بالموافقة.
نعم لبنان "وافق" كما تشير المذكرة الرئاسية المرسلة الى أنان بتاريخ 9/6/2000 ولكن طبقاً لنص المذكرة "بانتظار ايجاد صيغة مشتركة لمنطقة المزارع"، وبعد تحفظات واضحة، وتأكيد لمنظور لبنان لخط الحدود الفعلي لا "العملي" كما تقتصر مهمة "الخط الأزرق".
والشيء الواضح في هذا المجال ان السفير الاميركي في حرصه على قطع الطريق على مزيد من الجدل حول مزارع شبعا وتنفيذ القرارات الدولية، وطبعاً وقف عمليات المقاومة في المزارع، سمح لنفسه باعتبار "الموافقة" المتحفظة موافقة رسمية لها صفة الديمومة، وهذا موقف سياسي ترك وما زال يترك أثاراً سلبية على الجدل اللبناني الداخلي.

السؤال الثالث خصوم دمشق
ونأتي الى السؤال الثالث حول ربط البعض توقيت المذكرة الرئاسية المرسلة الى أنان يوم 9/6/2000 بفترة تدهور الوضع الصحي للرئيس السوري السابق الراحل حافظ الأسد.
المصادر اللبنانية تقول ان المذكرة أرسلت لتوضيح نقاط مبدئية وأساسية في الموقف أثر تصريحات ملتبسة حول خط الحدود والقرار 425.
ولكن خصوم دمشق داخل لبنان صعدوا مطالبهم وناشدوا دمشق ترسيم كل حدودها مع لبنان بذريعة ان مجرد اعلان صادر عن وزارة& الخارجية لا يكفي لمستند في العلاقات الدولية، وتشير جهات مطلعة الى ملف العلاقات السورية - اللبنانية الى أن مثل هذا الموقف خطير جداً من الناحية السياسية. ففي حين يهم الحكومة السورية ان تساهم بتحرير كل ذرة تراب من التراب اللبناني بما فيها مزارع شبعا، فهي غير مستعدة للذهاب أبعد نحو ترسيم "كل الحدود" لأن خطوط كهذه ستعيد فتح ملف "العلاقة الخاصة" وستشجع بعض خصوم سورية على العودة الى نغمة المطالبة بتبادل السفراء بين دمشق وبيروت. وبطبيعة الحال مثل هذا الموضوع غير وارد سورياً. ولاسيما ان القيادة السورية منذ تعاملها مع ملف الأزمة اللبنانية في منتصف السبعينات من القرن الماضي دأبت على اعتبار العلاقات "علاقات شعب واحد في (دولتين شقيقتين)".

"الخط الأزرق" هل تحوّل الى "خط أحمر"
بناء على ما سبق، تحمل المذكرة الرئاسية بشكلها ومضمونها وأيضاً بخلفياتها وتداعياتها عناصر تأزيم في الموقف يأتي من خلال ساعات معدودات من احتفال لبنان بالذكرى الاولى للتحرير. وهي تطرح من الاسئلة اكثر مما تقدمه من أجابات، وتترك اللبنانيين أمام علامات استفهام كبيرة، وبخاصة ان مسألة ارسال الجيش اللبناني الى المناطق المحررة في الجنوب يشكل جزءا من الاتفاق المتصل بالانسحاب الاسرائيلي، حسب وثائق الأمم المتحدة. وهذا ما تشدد عليه القوى المسيحية والقوى المناوئة لدمشق في لبنان. وفي المقابل تصر بيروت على ان الجيش اللبناني غير مكلف أصلاً بحماية الحدود الاسرائيلية، فكم بالحري عندما يكون الانسحاب الاسرائيلي "ناقصاً" لأنه لا يشمل كل النقاط التي يشملها التحفظ اللبناني الرسمي.


&
صورة لرسالة الرئيس أميل لحود ويظهر في الاسفل راسم الاستخبارات العسكرية اللبنانية