&
باريس: قصي صالح الدرويش
يقف الكثير من المتابعين للوضع السوري حيرى أمام السؤال الملح الذي ما فتئ يطرح نفسه، ويتعلق بهوية النظام القائم حاليا بالقياس الى النظام الذي تركه الرئيس حافظ الأسد، ومع ان تخفيف القبضة الامنية وانتشار لحرية التعبير بصيغها الفردية، بعدما اقفلت الابواب امام صيغها الجماعية، دفع البعض الى الحديث عن تغييرات جذرية في بنية النظام ورؤيته وطرق ممارسته، مستدلين على ذلك بالاشارات التي& وردت في خطاب الرئيس بشار الأسد، وفي السمعة التي يتمتع بها حتى الان في وجود رغبة قوية لديه للتغيير.
إلا ان ارتفاع صوت النظام الزاجر والمتهم ضد المثقفين وبعض الاوساط السياسية، وعودة وجوه النظام التقليدية المعروفة باسم "الحرس القديم" الى واجهة الاحداث والخطاب مثل عبد الحليم خدام ومصطفى طلاس، وتضييق آفاق التعبير الجماعية تحت شعار " لا أحزاب جديدة" و"لا تخلي عن حزب البعث ودوره الطليعي القيادي" وتوقف الرئيس بشار الأسد عن اعطاء اشارات جديدة& تؤكد رغبته في التغيير، يدفع المتابعين، وخصوصا المثقفين السوريين الى القول وبصوت مرتفع ان النظام هو هو، لم ولن يتغير، ولعل شكل وصيغة الاحتفال الذي اقيم في الذكرى الاولى لرحيل حافظ الأسد يعزز هذا الاعتقاد.
ومن الواضح ان حقيقة الوضع السوري اليوم تقف بين هذين الحكمين المتناقضين، فرغبة التغيير موجودة، وكانت موجودة، والتغييرت التي طرأت على الواقع بموت الرئيس حافظ الأسد، وبالتعديلات التي أدخلها على بنية ورجال النظام قبل رحيله غيرت كلياً من طبيعة النظام وفتحت الابواب أمام صيرورة أو صيرورات جديدة له.
اللغز الغامض يتعلق بالاسباب التي دفعت الرئيس بشار الأسد الى الكف عن حديث الاصلاح، والى السماح بعودة وجوه الحرس القديم بخطابهم التهويمي. والامر لا يتوقف عند عبد الحليم خدام او مصطفى طلاس فقط، بل يتعلق ايضا بباقي رموز النظام القديم وفي مقدمتهم اللواء علي دوبا الذي استقبله بشار الاسد اربع او خمس مرات على الاقل خلال الأسابيع الماضية وكذلك حليفه رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي.
هناك من يعتقد ان الشكل الذي اخذه الحديث عن المنتديات السياسية، وتصريحات بعض قادتها لعب دوره في زعزعة الثقة في افكار الرئيس الشاب، حيث بدا الأمر وكان المنتديات هي مقدمة لحركة عريضة في الشارع تهدف الى محاكمة الرئيس حافظ الأسد، ومن ذلك باسقاط نظام ابنه. ولعل بعض الاجهزة الامنية وبعض اطراف النظام بالغوا في التهويل بحجم المنتديات السياسية، وبالتالي مخاطرها الامنية على النظام، في وقت كان يعتقد ان الرئيس بشار الأسد سيكون المستفيد الاول من هذه المنتديات لأنها ستساعده على التخلص من بقايا النظام القديم التي لا تتناسب مع افكاره، ولأنها ستسمح له بتشكيل حيوية سياسية تعطي نظامه بريقا ديمقراطيا، لا يستطيع ان يحصل عليه خارجها، خصوصا وان احوال الاحزاب السياسية القائمة المرتبطة بالنظام او المعارضة له لا يسمح لها بلعب أي دور ايجابي في الواقع.
ثم جاءت الانتخابات التشريعية اللبنانية، لتبدو وكأنها هزيمة لخط الانفتاح السورية، بل وكأنها هزيمة لسورية وللنظام السوري الامر الذي عزز وقع التقارير الامنية المعادية للمنتديات السياسية.
ويمكن ان نضيف الى ذلك الحذر الذي أبدته اغلب العواصم العربية التي تربطها بدمشق علاقات قوية، والتي أبدت مخاوف عميقة من انفلات الاوضاع السورية وظهور دوامة جديدة للصراع بالساحة العربية، لا توجد مقومات لضبطه او الحد منه او مواجهته. ويقال ان الرئيس بشار الاسد استمع الى هذه التحفظات مباشرة من بعض العواصم الخليجية ومن عواصم اخرى مؤثرة مثل القاهرة. في وقت لم يجد فيه دوليا حالات ترحيب خاصة بامكانية اجراء تغييرات جذرية في سورية.
فوق ذلك يمكن التنويه بان الرئيس بشار الاسد لم يستطع ان يحقق بلورة واضحة لطرق وآليات اتخاذ القرار داخل النظام. فمن جهة لم يحضر جيلا جديدا من عمره أو قريبين من عمره ليكونوا فريق العمل الذي يفكر ويخطط ويسهر على تنفيذ القرارات. وفي الوقت نفسه أدت عمليات الافراغ التي قام بها الرئيس حافظ الأسد قبيل وفاته، ومن بينها ابعاد علي دوبا وبعض زملائه، الى تبعثر سلطة القرار الأمني - السياسي. ويظهر ذلك جليا في عمليات التجاذب الداخلي بين صهر الرئيس آصف شوكت أقوى مسؤولي المخابرات العسكرية وبين بهجت سليمان الذي يعتبر العقل السياسي الأقرب الى بشار الأسد.
وعلى هذا المستوى يلاحظ ان تردد الرئيس في حسم بعض الحالات ساهم في زيادة الغموض المحيط بها والناتج عنها. فهو من جهة لم يعين صهره آصف شوكت في قيادة المخابرات العسكرية، في وقت قيل فيه ان آصف شوكت وزوجته بشرى الأسد رفضا استلام مخابرات القوة الجوية بدلا من المخابرات العسكرية، التي يقال ان الرئيس ومن زاوية الحرص على التوازنات العشائرية داخل الطائفة العلوية يميل الى تعيين الضابط علي يونس الذي يرأس فرع المخابرات العسكرية 293 على رأس& المخابرات العسكرية، وهو ينتمي الى العشيرة الميلانية التي كان منها علي دوبا نفسه.
وبين آصف شوكت وبهجت سليمان يقف ماهر الأسد شقيق الرئيس في وضع مستقل فيه والى جانب هؤلاء يوجد ايضا كبار ضباط المؤسسة العسكرية مثل رئيس الاركان علي أسلان وابراهيم صافي وشفيق فياض وعلي حبيب وكل واحد من هؤلاء يشكل ثقلا ، ذا وزن او اصبح ذا وزن بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد.
ومشكلة الرئيس بشار الأسد ان وزن كل طرف من هؤلاء، ووزنهم جميعا غير مستمد من العلاقة المباشرة به. وهذا يعني انه لم يتمكن بعد من صهر نسيج النظام ومراكز قواه في نسيج خاص به نابع منه وعائد اليه. وكان ذلك سببا اخر لتوقف الانفتاح الذي اشار اليه الرئيس في أول خطاب له. وكان سببا في اعادة فتح الابواب امام الحرس القديم الى جانب البوابات الامنية النشطة.
ورافق ذلك عودة للخطاب الردعي الاتهامي الذي يتغاضى عن الحقائق ويلصق تهمة الخيانة والعمالة بمثقفين تفاءلوا بمجيء رئيس شاب وعبروا عن رغبتهم في ان يتحول ذلك الى ربيع للديمقراطية والحريات، ومع ذلك تلاشى الحديث عن المحاسبة وايقاف عمليات الرشوة والفساد غير المشروع والسماح بظهور طبقة سياسية جديدة اكثر شباباً واكثر نظافة في الوقت نفسه.
هل هذا يعني انه لا بد من انتظار مرحلة اخرى تسمح بفضاء الديمقراطية والحرية ودولة القانون؟ او يعني هذا ان الرئيس الاسد بحاجة الى مزيد من التحضير والاستعداد لاحداث التغيير المطلوب الذي لم يتخل عنه. وانه على هذا المستوى ينتظر تطور الاوضاع من اسرائيل والادارة الاميركية الجديدة التي قبلت الرئيس ابن الرئيس والتي لا تبدي حماسة، اية حماسة لاعادة الشباب الى النظام السوري. أم ان هذا يعني ان الرئيس بشار الأسد استكان في موقعه للاوضاع القائمة وقبل حظوة الحكم برجال أبيه من دون أية مخاطرة بتهديد مستقبل النظام؟
كل هذا ممكن، ولا يوجد في سوريا من يستطيع اليوم ان يعطي جوابا شاف أو أجوبة شافية على هذه الاسئلة التي تعكر صورة النظام وتعكر آفاق الساحة السياسية في سوريا.
ومن الواضح ان حقيقة الوضع السوري اليوم تقف بين هذين الحكمين المتناقضين، فرغبة التغيير موجودة، وكانت موجودة، والتغييرت التي طرأت على الواقع بموت الرئيس حافظ الأسد، وبالتعديلات التي أدخلها على بنية ورجال النظام قبل رحيله غيرت كلياً من طبيعة النظام وفتحت الابواب أمام صيرورة أو صيرورات جديدة له.
اللغز الغامض يتعلق بالاسباب التي دفعت الرئيس بشار الأسد الى الكف عن حديث الاصلاح، والى السماح بعودة وجوه الحرس القديم بخطابهم التهويمي. والامر لا يتوقف عند عبد الحليم خدام او مصطفى طلاس فقط، بل يتعلق ايضا بباقي رموز النظام القديم وفي مقدمتهم اللواء علي دوبا الذي استقبله بشار الاسد اربع او خمس مرات على الاقل خلال الأسابيع الماضية وكذلك حليفه رئيس الأركان السابق حكمت الشهابي.
هناك من يعتقد ان الشكل الذي اخذه الحديث عن المنتديات السياسية، وتصريحات بعض قادتها لعب دوره في زعزعة الثقة في افكار الرئيس الشاب، حيث بدا الأمر وكان المنتديات هي مقدمة لحركة عريضة في الشارع تهدف الى محاكمة الرئيس حافظ الأسد، ومن ذلك باسقاط نظام ابنه. ولعل بعض الاجهزة الامنية وبعض اطراف النظام بالغوا في التهويل بحجم المنتديات السياسية، وبالتالي مخاطرها الامنية على النظام، في وقت كان يعتقد ان الرئيس بشار الأسد سيكون المستفيد الاول من هذه المنتديات لأنها ستساعده على التخلص من بقايا النظام القديم التي لا تتناسب مع افكاره، ولأنها ستسمح له بتشكيل حيوية سياسية تعطي نظامه بريقا ديمقراطيا، لا يستطيع ان يحصل عليه خارجها، خصوصا وان احوال الاحزاب السياسية القائمة المرتبطة بالنظام او المعارضة له لا يسمح لها بلعب أي دور ايجابي في الواقع.
ثم جاءت الانتخابات التشريعية اللبنانية، لتبدو وكأنها هزيمة لخط الانفتاح السورية، بل وكأنها هزيمة لسورية وللنظام السوري الامر الذي عزز وقع التقارير الامنية المعادية للمنتديات السياسية.
ويمكن ان نضيف الى ذلك الحذر الذي أبدته اغلب العواصم العربية التي تربطها بدمشق علاقات قوية، والتي أبدت مخاوف عميقة من انفلات الاوضاع السورية وظهور دوامة جديدة للصراع بالساحة العربية، لا توجد مقومات لضبطه او الحد منه او مواجهته. ويقال ان الرئيس بشار الاسد استمع الى هذه التحفظات مباشرة من بعض العواصم الخليجية ومن عواصم اخرى مؤثرة مثل القاهرة. في وقت لم يجد فيه دوليا حالات ترحيب خاصة بامكانية اجراء تغييرات جذرية في سورية.
فوق ذلك يمكن التنويه بان الرئيس بشار الاسد لم يستطع ان يحقق بلورة واضحة لطرق وآليات اتخاذ القرار داخل النظام. فمن جهة لم يحضر جيلا جديدا من عمره أو قريبين من عمره ليكونوا فريق العمل الذي يفكر ويخطط ويسهر على تنفيذ القرارات. وفي الوقت نفسه أدت عمليات الافراغ التي قام بها الرئيس حافظ الأسد قبيل وفاته، ومن بينها ابعاد علي دوبا وبعض زملائه، الى تبعثر سلطة القرار الأمني - السياسي. ويظهر ذلك جليا في عمليات التجاذب الداخلي بين صهر الرئيس آصف شوكت أقوى مسؤولي المخابرات العسكرية وبين بهجت سليمان الذي يعتبر العقل السياسي الأقرب الى بشار الأسد.
وعلى هذا المستوى يلاحظ ان تردد الرئيس في حسم بعض الحالات ساهم في زيادة الغموض المحيط بها والناتج عنها. فهو من جهة لم يعين صهره آصف شوكت في قيادة المخابرات العسكرية، في وقت قيل فيه ان آصف شوكت وزوجته بشرى الأسد رفضا استلام مخابرات القوة الجوية بدلا من المخابرات العسكرية، التي يقال ان الرئيس ومن زاوية الحرص على التوازنات العشائرية داخل الطائفة العلوية يميل الى تعيين الضابط علي يونس الذي يرأس فرع المخابرات العسكرية 293 على رأس& المخابرات العسكرية، وهو ينتمي الى العشيرة الميلانية التي كان منها علي دوبا نفسه.
وبين آصف شوكت وبهجت سليمان يقف ماهر الأسد شقيق الرئيس في وضع مستقل فيه والى جانب هؤلاء يوجد ايضا كبار ضباط المؤسسة العسكرية مثل رئيس الاركان علي أسلان وابراهيم صافي وشفيق فياض وعلي حبيب وكل واحد من هؤلاء يشكل ثقلا ، ذا وزن او اصبح ذا وزن بعد وفاة الرئيس حافظ الأسد.
ومشكلة الرئيس بشار الأسد ان وزن كل طرف من هؤلاء، ووزنهم جميعا غير مستمد من العلاقة المباشرة به. وهذا يعني انه لم يتمكن بعد من صهر نسيج النظام ومراكز قواه في نسيج خاص به نابع منه وعائد اليه. وكان ذلك سببا اخر لتوقف الانفتاح الذي اشار اليه الرئيس في أول خطاب له. وكان سببا في اعادة فتح الابواب امام الحرس القديم الى جانب البوابات الامنية النشطة.
ورافق ذلك عودة للخطاب الردعي الاتهامي الذي يتغاضى عن الحقائق ويلصق تهمة الخيانة والعمالة بمثقفين تفاءلوا بمجيء رئيس شاب وعبروا عن رغبتهم في ان يتحول ذلك الى ربيع للديمقراطية والحريات، ومع ذلك تلاشى الحديث عن المحاسبة وايقاف عمليات الرشوة والفساد غير المشروع والسماح بظهور طبقة سياسية جديدة اكثر شباباً واكثر نظافة في الوقت نفسه.
هل هذا يعني انه لا بد من انتظار مرحلة اخرى تسمح بفضاء الديمقراطية والحرية ودولة القانون؟ او يعني هذا ان الرئيس الاسد بحاجة الى مزيد من التحضير والاستعداد لاحداث التغيير المطلوب الذي لم يتخل عنه. وانه على هذا المستوى ينتظر تطور الاوضاع من اسرائيل والادارة الاميركية الجديدة التي قبلت الرئيس ابن الرئيس والتي لا تبدي حماسة، اية حماسة لاعادة الشباب الى النظام السوري. أم ان هذا يعني ان الرئيس بشار الأسد استكان في موقعه للاوضاع القائمة وقبل حظوة الحكم برجال أبيه من دون أية مخاطرة بتهديد مستقبل النظام؟
كل هذا ممكن، ولا يوجد في سوريا من يستطيع اليوم ان يعطي جوابا شاف أو أجوبة شافية على هذه الاسئلة التي تعكر صورة النظام وتعكر آفاق الساحة السياسية في سوريا.












التعليقات