يعتقد الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة انه قادر على تجاوز كل العقبات وانقاذ بلاده من الفوضى التي تتخبط فيها منذ اكثر من عشر سنوات. لكن تظاهرة الامس
وحيد في مواجهة الازمات
من حيث حجم المشاركة& وضعت حدا لهذا الحلم.
الحقيقة ان الرئيس الجزائري فشل بعد سنتين في الحكم من وضع حد لموجة العنف. وبقيت الجزائر تلك البلاد المريضة كما عرفها بوتفليقة عندما كان وزيرا للخارجية في عهد هواري بومدين. المشاكل في غاية التعقيد ومنها تلك التي تعاني منها منطقة القبائل.
وكان سقوط بوتفليقة سريعا ومفاجئا بعد موجة التفاؤل التي اثارها انتخابه داخليا وخارجيا. وفي الواقع فان بوتفليقة الذي وصل الى السلطة بارادة العسكريين وليس باصوات الشعب، تميز بكثير من الوضوح في السياسة وفي تصميمه على كسر "اللغة الخشبية" التي اعتمدها اسلافه ودفع بالازمة نحو ذروتها. احد قبله لم يتجرأ على الاعتراف ان العنف اوقع مائة الف قتيل في الجزائر. احد قبله لم يعلن التصدي لموجة الفساد المستشري في الادارات والمؤسسات، وللمافيا ومجموعات التهريب عبر الموانىء والحدود. واكتشف المجتمع الدولي خلال سنتين ان بوتفليقة المعروف بميوله الاشتراكية، تحول الى النظرية الليبرالية وناصر عمليات الخصخصة.
ومن اجل اعادة الجزائر المشرذمة الى المجتمع الدولي، طرح بوتفليقة قانون "الوئام المدني" الذي يدعو الاصوليين الى القاء السلاح مقابل العفو عنهم. تحدث عن عباسي مدني، الزعيم التاريخي لجبهة الانقاذ الاسلامية بكثير التودد ونجح في تحييد العديد من المنظمات الاسلامية المتطرفة. وبرزت شخصية بوتفليقة كرجل يسعى الى السلام والتعايش والحوار. انه زعيم شعبي بكل معنى الكلمة.
وفي الخارج كانت شخصية بوتفليقة تحظى بالاحترام خصوصا بعد مشاركته في جنازة العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني في صيف 1999. واتاحت هذه المشاركة عودة الدفء الى العلاقات الجزائرية-المغربية رغم الحدود المقفلة بين البلدين. وكان اللافت ايضا مصافحته رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك واعلانه بعد ذلك عن التزامه التام بالقضايا لعربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وعلى صعيد العلاقة مع فرنسا الدولة الاستعمارية السابقة نجح بوتفليقة في الترويج لعلاقات مميزة الى درجة ان بعض المعلقين الفرنسيين وصفوه بـ" غورباتشوف الجزائر".
ولا شك ان الرئيس الجزائري ظلم كثيرا حيث انه لا يتحمل وحده مسؤولية ما جرى من احداث وتطورات. ويبدو ان نواة صلبة من المجموعات العسكرية مصممة على تحطيم كل آمال السلام المدني، ليبدو بوتفليقة كشخص يسير عكس التيار وطروحاته لا تمت بصلة الى واقع الجزائر.
وجد بوتفليقة نفسه اسير افكار تخطاها الزمن والاحداث. فالجزائر غرقت كما لم يسبق لها في دوامة ازمات امنية واقتصادية حادة دفعت بالمجتمع الى حافة الفقر والفوضى على كافة الصعد. وكان يجب على السلطة ان تعيد بناء كل شيء في غياب عوامل الاستثمار والخصخصة.
وعاش بوتفليقة مؤخرا مرحلة من التخبط السياسي نتيجة تداخل عناصر النزاع، الى ان برزت مشكلة القبائل التي وصفها بوتفليقة بانها مؤامرة خارجية. ويقول احد الدبلوماسيين معلقا: انه من الصعب على من يتفوه بهذا الكلام ان يكون رائد التحديث في بلاده. فالقضية ابعد من ذلك بكثير وقضية القبائل حلقة من سلسلة ازمات تعصف بالجزائر. (عن "لوموند" الفرنسية)&