&

الدار البيضاء:عمر حسن العلوي&

لم أضع عنوة علامة استفهام في العنوان مما يدل على أن مقالي هذا ينحى إلى أن ما يحدث الآن وسط حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لا يخرج عن التطور الطبيعي-السياسي لهذا الحزب وإلى دوره ذاتيا وموضوعيا في هذا السياق.
فبعد حوالي ثمان وأربعين ساعة على رجوع الهدوء التام لقاعة مجمع محمد الخامس الرياضي المغطاة بالدار البيضاء، واستنادا على ما يمكن كتابته في الصحافة المحلية ("الأحداث المغربية"أساسا و"الصباح" اسثناءا) وغيبة أية إشارة إلى هذا الحدث بالنسبة لصحافة القوات المؤثرة في التحالف الحكومي("العلم" و"لوبينيون") الناطقتين عربية وفرنسية باللسان المزدوج لحزب الاستقلال..بعد كل هذا يمكن للإنسان الذي يسعى أن يكون محايدا رغم معايشته للأحداث ةفعله فيها وانفعاله معها ومعايشته لها واحتكاكه بجل عناصرها المؤثرة أن يحاول، ولو محاولة بسيطة في بادئ الأمر، ليستجلي حقيقة ما يقع على الساحة الاتحادية من خلال الإيقاع المتسارع لسير الأحداث خاصة منذ شهر نيسان (ابريل) الأخير .
والسؤال: هل يمكن خلال أقل من ثلاثة أشهر أن تعد العدة للإجهاز وبهذه البساطة والسهولة، والرعونة أيضا، على صرح سياسي عريق يتحمل الآن مسؤولية الانتقال بالمغرب على مستويات عديدة من عهد إلى عهد؟
الأكيد أن الأمر ليس بهذه السهولة.
إذ أنه (أي الأمر وهذه هي المعضلة) يرقى بجذوره إلى أكثر من أربعين سنة. وهذه إحدى الخاصيات المغربية. ذلك أننا وبكل بساطة يمكن أن نرجع أصول أية ظاهرة عادية في حياتنا السياسية إلى آخر القرن التاسع عشر أو بداية القرن العشرين.
فالاتحاد الاشتراكي لم يخلق سنة 1975& كما هو منصوص عليه في القوانين ولا في أية سنة قبلها، وإنما هو"صرخة نضالية تقدمية في ضمير الحركة الوطنية" كما عبر عن ذلك عبد الله إبراهيم أحد رواد المنشقين عن حزب الاستقلال. كان ذلك بداية الشرخ في الصرح.
ها نحن-إذن-رجعنا إلى كانون الثاني 1959 والخلاف في أوجه بين جناحي حزب الاستقلال "العتيد" الذي كاد أن يتفرد بالاستيلاء على الشارع المغربي. وها هي عين النظام التي لا تنام تذكي لهيب هذا الخلاف إلى حد السعار. ولم يكن ذلك على نار واقدة بل على لهيب خفيف امتد بذكاء وحنكة من عام 1955 نوفمبر (شرين الثاني) مع الإعلان العملي على استقلال المغرب في خطاب الملك الراحل محمد الخامس يوم 18 من نفس الشهر)
في عملية الانشقاق الأولى هذه لم يعلن الانفصاليون عن مغادرتهم لحزب الاستقلال& بل ظلوا يطالبون بالمشروعية، فأسسوا للبقاء في إطار مشروعية الحزب والاستيلاء على اسمه لجان"الجماعات المتحدة& لحزب الاستقلال".
&ومن شهر يناير بدأت عمليات الصراع الضاري الذي بلغ أحيانا استعمال الأسلحة البيضاء والنارية أيضا ولم تكن الدولة غائبة وكان الجميع يرجعون إليها وانتهى الأمر إلى أن استقرار الأمن والنظام هو الأساس. فإذا بحزب الاستقلال يظل هو حزب الاستقلال وإذا بالمنفصلين يعلنون في شهر أيلول (سبتمبر)&1959 ميلاد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية".
كيف حدث ذلك؟
هل من السهل التخلي عن حزب الاستقلال من طرف أبرز عناصره: عبد الرحيم بوعبيد، المهدي بنبركة، المحجوب بنالصديق، عبد الله إبراهيم، عبد الرحمن اليوسفي، محمد لفقيه البصري....؟
من الممكن أن يحدث هذا إذا تم إعداد مجموعة أخرى من حزب صغير ولكنه مؤثر وظل لسنوات عديدة يقارع حزب الاستقلال بتشبثه بمبادئ الديموقراطية والحداثة وهو حزب الشورى والاستقلال (نلاحظ أن هذا الحزب الوطني يضع في اسمه كلمة "الشورى"أي الديموقراطية قبل الاستقلال) فإذا بهذه المجموعة ولها ثقلعذها السياسي والمعنوي والفكري أيضا تلتحق بالمنفصلين عن حزب الاستقلال.
لقد كان من أبرز الشوريين الملتحقين بالانفصاليين أسماء يذكرها تاريخ المغرب بقيمتها وقيمها: عبد الهادي بوطالب مثلا وأحمد بنسودة ومن في فلكهما السياسي والثقافي والصحافي.
تمت اللعبة إذن، عام& 1959. ولم يبق لنا إلا تتابع مشهد الانشقاقات المتوالية ومنذ ذاك& وكل منشق يطالب بالمشروعية ويؤسس حركة جديدة ويصاب الصرح الأساس بمزيد من التصدع والضعف والإنهاك:
-الشوريون وبعد سنتين تأكدوا أن موقعهم الطبيعي ليس داخل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ولكن داخل الحكم لأن طريق الاتحاد نحو الحكم طويل وعسير وغالي الثمن، وهم يملكون ذكاءا يساعدهم على اختصار المسافات.
-العنصر العمالي الأساسي في التنظيم يتميز بالتحفط ويمثله الزعيم النقابي المحجوب بنالصديق والسياسي عبد اله إبراهيم. وهذا التحفظ يجعله ينأى عن ركوب مغامرة محاولة الانقلابات أو التآمر التي كانت تزخر بها الساحة العربية في بداية الستينات.
لقد تحكمت عوامل ذاتية/شخصية وحنينية أيضا في الإبقاء على نوع من التماسك الهش بين فصائل الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى أن كان الانفصال الصريح في بداية السبعينات حيث نجد أنفسنا ولم نبرح بعد آخر الخمسينات. فقد أفلح "المنفصلون الجدد" بأنهم لن يتخلوا عن اسم الاتحاد الوطني" وظل الأمر يترواح بين اسم "اللجنة الإدارية للاتحاد الوطني-فرع الرباط" وبين تغطيات أخرى إلى أن كان مؤتمر 1975 وتم الإعلان عن تأسيس"الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية".
لم يقف الأمر عند هذا الحد فسرعان ما انبثق خلاف حاد دعا المشروعية التي يمثلها عبد الرحيم بوعبيد إلى الاستنجاد بالسلطة لفض النزاع (إذن، فالنظام دائم الحضور) وألقي القبض على مناضلين وحوكموا بشأن قضايا حزبية داخلية. حدث هذا في بداية الثمانينات مما يجعل المرء يتساءلهل هذا التفكك يعني مرضا دوريا. وهو الصحيح. ذلك أنه لا يمكن فصل ما حدث وما يحدث داخل حزب الاستقلال أو الاتحاد الوطني وبعد الاتحاد الاشتراكي عن المتغيرات العامة في المغرب.
ولنبق في موضوع الانشقاقات داخل "الاتحاد".لقد توج المؤتمرالسادس للاتحاد الاشتراكي قمة المأساة التي يعاني منها حزب، كان المؤمل ، في الظروف الراهنة والقاسية بالنسبة لمغرب، أن يشكل قاطرة الحلول ولو المرحلية للعديد من القضايا المطروحة وذلك في إطار التناوب الذي يعني ضمنا التراضي بين كل الأطراف المشكلة للمشهد السياسي العام بما فيه من فعاليات اقتصادية وعمالية ومالية ولما يمكن أن يعطيه من مصداقية بالنسبة للأوساط الخارجية من ضمانات سياسية واستثمارية وأمنية. وبعد اجتماع الأحد الأخير، فإن الأمر يتعدى قضية انشقاق أو التحاق أو تكوين لجنة تحضيرية لعقد مؤتمر ديموقراطي. إن كل هذه شعارات استهلاكية ظرفية ولكن الأمر في عمقه يعني مدى قدرة الفعاليات السياسية على مواجهة مهام الحقبة الراهنة. في أحد الأفلام الأمريكية التي شاهدتها وأنا صغير". وهو فيلم يحكي قصة بطل رياضي ملاكم على أكثر الافتراضات، وربما أن البطل الأساس في الفيلم هو كيرك دوغلاس في أول أفلامه"البطل" -إن ساعفتني الذاكرة وهي قلما تخون-يتسلل هذا البطل بعد أن أزرى به الدهر إلى مدار الملعب الذي شهد أمجاده فإذا به فقير ويسكنه صمت الموت الرهيب...وفجأة يضج الملعب بهتافات وتصفيقات وهمية لا يستطيع البطل تحملها.
وبعد ثمان وأربعين ساعة، فقط، على اجتماع يوم الأحد الصاخب بالمجمع الرياضي محمد الخامس لا أدري من يتجرأ الآن على ولوجه: الأموي أم اليوسفي أم غيرهما.