&
لندن - ايلاف: &نصر المجالي
واضح أن التحقيقات في تفجير الخبر العام 1996 لم تنته، والكشف عن المتورطين الحقيقيين واعلان أسمائهم اضافة الى مكان وزمان اجراءات المحاكمة يتطلب من الولايات المتحدة اجراءات اكثر حكمة واتزانا.
وهذه الحكمة كانت، حسب مراقبين غائبة يوم الجمعة الماضية حين وجهت الولايات المتحدة تهمة الى 13 سعوديا ولبنانيا واحدا مع الاشارة خفية الى تورط ايراني في التخطيط للتفجير الذي ذهب ضحيته 19 أميركيا و400 جريحا .
كانت الولايات المتحدة توجه أصابع الاتهام الى وقت قريب الى المنشق السعودي أسامه بن لادن وفي بعض المرات قالت صراحة أنه هو المتورط وحده، وربطت ذلك بتفجير المدمرة كول في ميناء عدن في تشرين الاول (اكتوبر)&من العام 2000 وكذا الحال بتفجير السفارتين في كينيا وتنزانيا قبل سنوات.
وابن لادن نفسه، ورط نفسه هو الاخر حين أطلق عيارات نارية في السماء من رشاشه الروسي من مدينة قندهار الافغانية ليل الخامس والعشرين من حزيران (يونيو)&1996& معلنا "جاءنا النصر حين فجرنا الخبر".
السعودية التي تفضل "كظم الغيظ " في العادة والتأني في ردات الفعل على أخطاء الاشقاء والاصدقاء والحلفاء سواء بسواء ترى أن الصديق الاميركي تجاوز في الاتهامات الاخيرة الخطوط الحمر، ولهذا كان رد الامير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع والطيران والمفتش العام سريعا على الموقف الاميركي.
والامير سلطان الذي كان في صنعاء في زيارة رسمية التي بينها وبين واشنطن "ما صنع الحداد " بسبب المدمرة كول هناك حسم الامير الخطاب السعودي الرسمي قائلا باختصار وهدوء "لكل دولة الحق أن تناقش أو تحقق مع أي شخص أو أية قضية عل أراضيها، خصوصا أن حادث الخبر راح ضحيته 19 أميركيا، لكن ليس من حق الاميركيين القيام باجراءات تعود للسعودية في الاساس". وشدد على القول "والاتهامات سترجع للسعودية لكي يتم التحقق منها " ، وكان الامير أكثر تشددا بلا تنازل&" نحن المرجع ونحن المرجعية ".
هذا الموقف السعودي الاميري ردا على الموقف الاميركي كان فصلا في الخطاب وهو للمرة الثانية تأكيد علىاستقلال قرار المملكة وتأكيد العزم على رفض الاستجابة المغبونة لقرارات "حليف لا يعرف مصالحه".
والمرة الاولى كانت هي تأجيل زيارة كان ينوي ولي العهد السعودي النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني الامير عبدالله بن عبدالعزيز القيام بها الى الولايات المتحدة، لكنه أرجأها ردا على الموقف الاميركي السافر المنحاز لاسرائيل في التعامل مع قضية الشعب الفلسطيني والسلام في الشرق الاوسط.
يبدو أن ذاكرة واشنطن تخونها، وهي لا تعرف بالقطع القول العربي ( ما أشبه اليوم بالبارحة ) لقد كان هذا موقف& مؤسس المملكة الراحل عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل قبل نيف وخمسين عاما حين التقى الرئيس الاميركي الراحل ثيودور روزفلت على متن بارجة عسكرية في مياه السويس، ولقد أكد الزعيم العربي السعودي باسم العرب والاسلام يومها أن لا تنازل عن الحقوق المشروعة للشعب العربي الفلسطيني، وأكد أيضا " وهذا موقف عربي اسلامي أبلغكم اياه في شكل حاسم أيها الاصدقاء في الدولة العظمى ".
واضح أن موقف الرياض في التحليل الموضوعي وفي السياق التاريخي يخضع لتحليلات مقابلة في الجانب الاميركي، فالسعودية تخطط استراتيجيتها في الملفات الشائكة على صعيد قليمي بكل هدوء ودقة من دون حسابات للربح أو الخسارة أو المصالح الآنية .
لكن واشنطن تستجيب لموقف الصديق على ما يبدو بدون دقة وبدون تقدير لموقف الحلفاء الاستراتيجيين والاصدقاء التقليديين، وهم أخطأوا حتى اللحظة في أنه لا يمكن لأحد "أن يشعل النار في الخفاء في العباءة السعودية".
واذ ذاك، فانه حين لا يعلن النائب الاميركي العام جون أشكروفت استنادا الى لائحة الاتهامات التي أصدرتها محكمة الاسكندرية في ولاية فرجينيا أسماء ايرانية متورطة في حادث الخبر فانه يحاول دق إسفين مسموم، حسب ما قالته مصادر دبلوماسية أمام "ايلاف" في العلاقات بين الرياض وطهران. يذكر أنها علاقات دخلت مع الربيع الماضي ربيعا خصبا سيطول في اتفاقيات أمنية وثقافية وإقتصادية وتوجت بزيارات على مستويات عليا بين قيادتي القطبين الاسلاميين على ضفتي الخليج الهادئة التي تريد لها واشنطن ان تظل هادرة.
وتضيف تلك المصادر "هذا التقارب بين البلدين المسلمين الكبيرين غير مرغوب في حسابات واشنطن التي أضحت ترى في ذلك تهديدا لمصالحها في اتفاق بين عدو شرس في ايران الثورة الاسلامية وصديق له حساباته أيضا في السعودية العربية كدولة قائدة على الصعيد العربي".
ولهذا، تقول المصادر، جاء القول الفصل في لخطاب حين شدد الامير سلطان عبدالعزيز على القول "نريد من الاميركيين تقديم الوثائق والادلة والاسماء في قضية الخبر، وسنكون سعداء جدا اذا قدمت لنا أية دولة أية معلومات حول الحادث لاننا المرجع والمرجعية وليس غيرنا".
ما ورد على لسان أشكروفت&وعلى لسان مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف. بي. آي) لويس فريه أن التحقيق ما يزال مفتوحا. ومن المتوقع توجيه اتهامات جديدة ، وأصر فريه على أن هؤلاء المتهمين سيقدمون للمحاكمة، لكنه اعترف بأن الولايات المتحدة لا تحتجز أيا منهم ولكنها ستحاول المطالبة بتسليمهم، أي أنها ستطالب السعودية بذلك، وهذا الامر مرفوض سعوديا ، كما قال سياسي عربي كبير في لندن لـ "ايلاف " .
الولايات المتحدة تعرف من جانب آخر، أن عددا من المتهمين الـ 14 محتجزون لدى جهات في الشرق الاوسط. وأشار رئيس مكافحة الارهاب السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الاميركية "سي.آي.إيه" فينسنت كانيسترارو الى أن عشرة من هؤلاء موجودون في سجون السعودية وثلاثة في ايران وأن اللبناني الذي يطلق عليه اسم جون دو يعيش حرا في لبنان. وحسب محققين أميركيين فان عسكريين ايرانيين كبارا وجهوا أو مولوا أعضاء فيما يسمى (حزب الله) السعودي للقيام بعمليات رصد وارهاب على الساحة السعودية .
وتقول "نيويورك تايمز" الاميركية في افتتاحية نشرتها يوم السبت أنه بالرغم من عدم اعلان أسماء ايرانية محددة& متورطة في حادث الخبر الا أن العلاقات بين طهران وواشنطن ظلت متوترة في السنوات الخمس الاخيرة، وظلت الشكوك الاميركية تحوم حول التورط الايراني . هذا أمر بحد ذاته يلقي ظلالا كثيفة تعيق عودة العلاقات المقطوعة بينهما منذ احتلال السفارة الاميركية في طهران في العام 1979 كما أنها سترمي بثقلها على سياسة الانفتاح التي يحاولها الرئيس محمد خاتمي على الغرب وكذلك اصلاحاته التي يبد أن واشنطن تحاول اعاقتها أو تدميرها.
مصادر اميركية لها صلة في وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية تشير الى أن اية اتهامات رسمية الى دور ايراني أو حتى تسمية مسؤولين ايرانيين سيقود الى اتهام المرشد الاعلى للثورة الاسلامية في ايران علي خامنئي لانه هو المسؤول الاول عن الشؤون الامنية وشؤون الحرس الثوري.
وتضيف المصادر"ومن شأن أية اتهامات من هذا القبيل أن تفجر العلاقات الهشة بين الاصلاحيين بقيادة خاتمي والمؤسسة الدينية بقيادة خامنئي" وهذه رغبة أميركية متعمدة.
وعلى صعيد منفصل، فان مراقبين ربطوا أمام "ايلاف" بين الموقف الاميركي الراهن ازاء الرياض وطهران وبين ما يجري من تطورات على ساحة الشرق الاوسط ، فواشنطن تتهم طهران بدعم الارهاب الدولي ومعارضة عملية السلام والعمل من أجل الحصول على أسلحة الدمار الشامل.
وفي ذات الحال، فان واشنطن تنظر الى الرياض بعين الريبة بالنظر الى موقف المملكة المتشدد من دعم أميركا لاسرائيل& بشأن عملية السلام الشرق أوسطية التي تدمرها اسرائيل تحت نظر وبصر واشنطن. وزادت شكوك الادارة الاميركية أكثر حين أعلن الامير عبدالله بن عبدالعزيز عن ارجاء زيارته الرسمية لواشنطن حيث تعتقد هذه الاخيرة " بأن الرياض تحاول الخروج على بيت الطاعة " وبالطبع فان الرياض لم تكن في يوم من الايام منذ لقاء عبدالعزيز _ روزفلت تحسب نفسها أنها تحت طاعة وامرة حليف أو صديق أو شقيق أو عدو. و"بيت الطاعة" تعبير لا يوجد أساسا في قاموس التعامل السعودي مع الاحداث والتطورات، والحال ذاته قائم في الفهم الايراني.
القلق الاميركي حسب تعبير المراقبين نابع كما ذكرنا من الربيع السعودي الايراني المزدهر في علاقات البلدين المسلمين الكبيرين، ولهذا ليس غريبا أن تأتي ردة الفعل الاميركية "مزحومة في هذه الزحمة السياسية" في اتهامات تعتبر في العرف السياسي تدخلا سافرا في شؤون داخلية لبلد عربي صاحب سيادة وصاحب قرار ومستقل منذ تاسيسه موحدا قبل مائة عام مثل السعودية.
وأخيرا ، فان الولايات المتحدة الحائرة في سياساتها الخارجية في عهد رئيسها عديم الخبرة جورج دبليو بوش في شؤون الشرق الاوسط حائرة فعلا في ترتيب علاقاتها مع الحليف السعودي، فلم تسعفه على ما يبدو خبرة والده الكهل، ولم تسعفه خبرات الجنرالات مثل كولن باول او المخضرم نائبه ديك تشيني،
وفي العودة في التحليل الى الموقف من وفي ايران فان صحيفة "واشنطن بوست" كشفت في تقرير نشرته يوم السبت أن الاتهام الاميركي موجه بصفة خاصة الى المسؤول الاستخباراتي السابق في الحرس الثوري أحمد شريفي الذي تقول جهات التحقيق الاميركية أنه هو المحرك والممول لما يسمى "حزب الله" السعودي . ولكن اسم شريفي لم يعلن عنه صراحة في الاتهامات الاميركية القضائية .
ولقد ردت ايران على ربط اسمها بتفجير الخبر في شكل سريع وقال المتحدث باسم الخارجية الايرانية حميد رضا آصفي "هذه الاتهامات ما هي الا حلقة في التآمر الصهيوني الاميركي على الجمهورية الاسلامية في ايران".
واضاف "وهذا ما هو الا حلقة من مسلسل الضغوط الاميركية بتاثيرات اسرائيلية على ايران لمنع خطواتها نحو الانفتاح والديمقراطية والاصلاحات " وذكر آصفي بقرار لجنة في الكونغرس الاربعاء الماضي في تمديد الحظر الاميركي على ايران الى جانب ليبيا .
من هنا، فان مصادر معنية في القرار السياسي في الرياض تعتقد بأن العاصمة السعودية وهي تعطي واشنطن درسا في العمل الدبلوماسي المؤدب فانها تجد أن الوقت ملائم لمطالبة واشنطن بتقديم "جردة حساب" عن تصرفاتها في المنطقة للخمسين سنة الفائتة، مرورا بمرحلة الحرب الباردة التي كانت فيها "مزنوقة" في التفتيش عن اصدقاء يدفعون عنها مخاطر الدب السوفياتي الاحمر.
وبالطبع فان الرياض تجد أن واشنطن مدينة للعرب و المسلمين بتصرفاتها تلك وهي "أي الرياض" حالها حال اشقائها العرب والمسلمين لا ترد بعدوانية ان طالبت بذلك فهي لا تستعدي أحدا ولا تضمر عداء لأحد وانما تأكيد حقيقة الاستقلال والسيادة واتخاذ القرار الذي ظل مصونا من التدخل والتبعية للاعوام المائة الماضية.















التعليقات