غودوار

في الدورة الأخيرة لمهرجان <<كان>> السينمائي الدولي (9 19 أيار 2001)، عُرض الفيلم الأخير لجان لوك غودار، <<مديح الحب>>، في المسابقة الرسمية: حكايات عن الشباب والعجائز، عن الذكريات والتفصيلات الحياتية المختلفة. وافق غودار على مشاركة فيلمه في المسابقة الرسمية، وهو
&السينمائي القدير الذي صنع جزءا أساسيا من تاريخ الفن السابع العالمي، كما كان أحد أبرز مؤسسي <<الموجة الجديدة>> في السينما الفرنسية. هذا المخرج المختلف، البالغ من العمر نحو اثنين وسبعين عاما، أثار بموافقته تلك إعجاب النقّاد والسينمائيين والجمهور، على حد سواء، اذ اعتبروا خطوته هذه أقرب الى <<تواضع>> السينمائي الكبير.
أيا يكن، فإن <<مديح الحب>> لم يفز بأي جائزة، بقدر ما دفع صحفا ومجلات فرنسية وأوروبية عدة الى تخصيص صفحات وملفات به. مجلة <<استوديو>> الفرنسية لم تشذ عن القاعدة، فنشرت في عددها ما قبل الأخير (أيار 2001) حوارا معه، نعيد هنا نشر مقتطفات منه، مترجمة الى العربية.
? نرغب في محاولة استكشاف النتاجات والمؤلفين الذين ألهموك في عملك السينمائي؟
? مستحيل. لا أستطيع وضع تصنيف لذلك. ربما يمكنني القول اني أفضّل بلزاك على ماكس غالو. لكن، حسنا: اذا توجب علي الذهاب الى جزيرة نائية ومهجورة، حاملا معي أربعة كتب فقط، فإني أختارها من بين تلك التي لا أعرفها. <<دون كيشوت>>، مثلا، لم أقرأه أبدا. كنت أمنّي النَفْس، دائما، بأن لديّ متسع من الوقت لفعل ذلك. كنت أقول إنه لا يزال ثمة الكثير من الطواحين لمحاربتها.
? ما الذي ألهمك، مثلا، بالنسبة الى <<مديح الحب>>؟
? من قبل، كنت أستطيع أن أذكر أسماء بعض الكتّاب. اليوم، أكتفي ببعض الجمل. إنه عمل قريب من البيولوجيا الفنية. أفلامي غنية بالاستعارات اللفظية. يُمكنني سرد مئات من الخدع، من دون توقف.
? كيف تتصرّف؟ ما الذي تفعله، مثلا، بتلك الجمل والمقولات التي تحب؟ هل تدوّنها على دفتر؟
? نعم. ما إن يكون لدي مشروع عمل ما، حتى أبدأ بأخذ الملاحظات. البعض يسمّي هذا الأمر <<المرحلة الكتابية>>. أنا أكدّس المعلومات. أختار جملا، لا يهمني لمن هي، إذ تبدو لي قابلة للاستخدام. في النهاية، أجد نفسي أمام مدوّنات كثيرة، غالبا ما لا أستعين بها، لأنه يجب إعادة قراءتها كلها، وثمة الكثير منها.
? في <<الأم والعاهرة>>، قال جان أوستاش: <<السعادة، أن نتكلم بجمل مسروقة>>.
? لن أقول <<مسروقة>>، بل مستعارة. إنها هنا، مثل المنازل والأشجار والحيوانات، مثل الناس أيضا.
? هل ثمة كتّاب تعود اليهم بشكل دائم؟ أفكّر بسيوران، الذي غالبا ما تذكره.
? سيوران، نعم. منذ البداية، تقريبا. في الصف الثانوي الأخير، حين كنت أدرس في كلية لويس الكبير، اكتشفت كتابه <<موجز التحليل>>. لكني لا أقرأ، غالبا، إلاّ بعض المقاطع. أما النص الكامل، فقليلا ما أقرأه. باستثناء بعض الروايات. إحدى تلك الروايات التي قرأتها مرتين أو ثلاث مرات، هي <<الحرب والسلم>> (لتولستوي). لكن سبب ذلك يكمن في وجود كثير من القصص. <<آنا كارينينا>> (لتولستوي) أيضا، قرأتها مرتين أو ثلاث مرات.
? ما الذي يجذبك، بصورة خاصة، الى مثل تلك الروايات؟
? الروائي، المتخيّل. أحب كثيرا الرواية. لم أجد إلاّ قليلا من الروايات المعاصرة. أعتقد أني توقّفت عند أولئك الذين برزوا في مطلع القرن، وهم كبار الكلاسيكيين. لم أجد أبداً أفضل منهم. اليوم، بات الأمر مختلفا (...). من وقت الى آخر، أشتري رواية، لكن ما إن أقرأ السطر الأول منها، حتى أتخلّى عنها.
? بماذا تفسّر هذا الأمر؟
? يبدو لي أن الروائي اليوم يعرف ما الذي يكتبه. الآخرون لا يعرفون، انهم يكتبون. بطريقة شريرة بعض الشيء، أقول إن الروائيين اليوم ليسوا فنانين. لكن، حين يكون المرء شابا، فإنه لا يلاحظ هذا، إلا نادراً.
تذوّقي الأدب جاء من والدتي، التي كانت تقرأ كثيرا. باكرا جدا، امتلكت لذة الكتاب نفسه، هذا الشيء اللطيف والخدوم... الكتاب مستعد دائما لأن يفتح لك ذراعيه، اذا جاز التعبير. واذا لم تكن تريده، فهو يبقى لطيفا، ويترك نفسه موضوعا جانبا.
? في <<مديح الحب>>، نشعر برغبتك في الكلام عن التاريخ.
? نعم. إذ اننا لا نستطيع (الاكتفاء بالقول) <<إن (هذا) مرّ>>. على نقيض أفلام أخرى، حيث يلتقي آنتل بفلان أو فلان، ويفعلان هذا أو ذاك. هنا، أردت القول: <<هذا مرّ>> (أو <<هذا حدث>>).
? متى ظهر اهتمامك بالتاريخ، في حياتك؟
? شيئا فشيئا. حين أنهيت صف البكالوريا، كانت مادة التاريخ تزعجني، بسبب أسلوب التدريس: يجب علينا أن نذكر عدد المعارك التي خاضها نابليون. اليوم، كل شيء يثير اهتمامي. حتى أني اشتريت كتاب دومينيك دو فيلوبان عن <<المائة يوم>> (الأيام الأخيرة لحكم نابليون، بعد عودته من جزيرة آلبي).
? ما الذي يصيبك أكثر في التاريخ؟
? الروائي الخيالي في الانسانية. الروائي الخيالي والانسانية. أرى أن السينما ولدت، تقريباً، لأجل هذا. الفيلم الذي أسّس الصالة السينمائية هو أيضا <<مولد أمة>> (لغريفيث، 1915)، وفيه نعثر على هذين البعدين.
لذة التاريخ هذه جاءتني مع الوقت، أو ربما بفضل إعجابي بروسّيليني. في حياتي، شعرت أن ثمة شيئا ما حدث في التاريخ، أشكّل أنا جزءا منه. الحرب العالمية الثانية، والكوارث التي وقعت، والتي (يُمكن أن) تقع مجدّداً، فهي مثل الأمراض. (صحيفة السفير)

&