&
تنفرد "ايلاف" بنشر كلمة الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف، التي ألقاها في غاليري "الكوفة" في الامسية التي اقامتها الجالية العراقية تحية للصحافي والكاتب البريطاني كيفن يونغ الذي رحل مؤخرا. وقد تحدث في الامسية مارغريت أوبانك محررة وناشرة مجلة "بانيبال" التي كانت قريبة جدا من الراحل يونغ، والباحث العراقي فالح عبد الجبار. كما أعيد عرض فيلم "العودة الى الاهوار" الذي عرضته قناة البي بي سي.
===========
غيفن يونغ
هنا يثوي من طال شوقه الى هنا
عاد البحار، عاد من البحر
والصياد عادل من التل.
شاهدة قبر روبرت لويس ستيفنسون التي هيأها بنفسهلا في ساموا

&
في الرابع والعشرين من نيسان، ولد كيفن يونغ، العام 1928، وكان توفي في الثامن عشر من كانون الثاني هذا العاموفي الرابع والعشرين من نيسان هذا، حضرت مع مارغريت اوبانك (ناشرة مجلة بانيبال)
قداس الشكر المقام لأجل حياة يونغ وأعماله، في كنيسة سانت برايد (حيث كان جون ملتون حينا)، الواقعة في فليت ستريت، شارع الصحافة اللندني الشهير. والواضح أن هذه الكنيسة مثابة للصحافيين والأدباء والشعراء، وقد حضرت، مرة، في الكنيسة ذاتها قداما لذكرى أهل القلم السجناء في مختلف أنحاء العالم, هذا لقداس المكرس لكيفن يونغ، كان في منتهى الغنى والتنوع، فيه مزمور وتهليل، وقصيدة لديلان توماس، وأنشودة فرح بيتهوفن تنشدها الجوقة، إضافة إلى ثنائية "صيادي اللؤلؤ" لبيزيه، من إنشاد الجوقة أيضا. كما قدمت الجوقة نصا باللغة الويلزية التقليدية، وتمت قراءة من نص لجوزيف كونراد، وأخرى لنص من وودهاوس.

الطقس المهيب في كنيسة سانت برايد، كان يشف بين حين وآخر، هكذا أحست، أريد أن أقول إن جو القداس لم يكن شديد الوطأة، ثقيلا، مرهقا. فالحضور، كانوا في غالبهم، من أصدقاء الراحل ومعارفه وقرانه، هم من عالم الصحافة والأدب، أخته أيضا كانت حاضرة. الكلمات والموسيقى كانت تتصاعد في تدرج من الفرح والمغامرة اللائقين بكاتب مترحل، أحب الناس في كل مكان، واستمتع بالبر والبحر، وعرف كيف ينقل حكمة الناس البسطاء وفتنتهم إلى مستويات فن الكتابة الرفيع، متحدثا عن جذور هؤلاء الناس ومصائرهم حديث العارف المحب.
سعدي يوسف
أمضى كيفن يونغ الشطر الأكبر من شبابه، في كورنوال وجنوبي ويلز، درس التاريخ الحديث في جامعة أكسفورد، وكان مؤهلا لأن يغدو ذا منصب مرموق في المملكة المتحدة، إذ كان متعدد المواهب، وكان والده ضابطا عالي الرتبة والمنزلة. لكن يونغ كان يتنفس هواء مختلفا، مع مجموعة يسارية الهوى من أقرانه وزملاءه في الجامعة. هكذا ذهب إلى البصرة، ليعمل سنتين في شركة "بيت لنج" للنقل البحري والنهري، وليتعرف على ثيتسغر في النادي البريطاني بالبصرة، وليقيم، في ما بعد، مع سكان الأهوار الذين كتب عنهم كتابه "العودة إلى الأهوار" الصادر في العام 1977 والذي ترجمه حسن الجنابي.
كذلك كتب يونغ كتابا آخر عن العراق هو "العراق، أرض الرافدين" صدر في العام 1980. الجدير بالذكر أن هيئة الإذاعة البريطانية أنتجت في العام 1979 فيلما يعتمد على "العودة إلى الأهوار".
لدي قصة مع "العودة إلى الأهوار"،& فحينما زرت أستراليا قبل أعوام، بدعوة من حسن الجنابي مهندس المائيات وجدت علي ناصر حسين وواصف شنون وعقيل منقوش مهتمين بإصدار العدد الأول من مجلة نثرية، ثقافية، وكان حسن الجنابي يفكر بترجمة "العودة إلى الأهوار" سألني علي ناصر حين إن كنت سأقدم مادة للعدد الأول من المجلة -النشرة. قلت له إنني سأقدم بضع صفحات من "العودة إلى الأهوار"، وكنت استعرت الكتاب من حسن الجنابي، نقلت تلك الصفحات إلى العربية، ونشرت في المجلة. وبعد حين نشرت مجلة "المدى" فصلا من ترجمة الجنابي اهتممت به ثم أرسل الجنابي ترجمته الكاملة للكتاب، فتوليت أمر العناية بلغته ومتابعة إصداره، وفاء لحسن الجنابي وللمؤلف في آن.
في لندن حاولت رؤية كيفن يونغ، عبر أصدقاء مشتركين، لكن هؤلاء الأصدقاء ظلوا يخبرونني عن صحته المتدهورة، وعن وقت لزيارته آت لا ريب. لكن هذاالوقت لم يأت. وقدر لي ألا ألتقي مع كيفن يونغ وأصدقائه إلا في كنيسة سانت برايد مع الموسيقى والتهاليل والقصائد.
&حدثتني مارغريت اوبانك عن قضايا حقوق النشر، وكيف أن دار النشر احتجت على صدور الترجمة العربية بدون دفع حقوق أو استحصال إذن بالنشر منها، في الأقل، وأخبرتني أن كيفن يونغ أوقف المسألة عند حدها، متنازلا عن حقوقه، رسميا بالنص العربي للكتاب.
من كتب يونغ الشهيرة "مراكب بطيئة إلى الصين" الصادر في العام 1981، و"مراكب بطيئة إلى الوطن" الذي يمثل حصيلة في غاية الجمال، لرحلة في غاية الطول، بدأت من هونغ كونغ وشنغهاي لتمتد إلى الفلبين وأندونيسيا وغينيا الجديدة وجزو سولومون ومالانيزيا وبولونيزيا وساموا وتونغا وتاهيتي وليما في البيرو وجزيرة خوان فرنانديث في الشيلي إلى كيب هورن في أقصى جنوبي شيلي، ثم إلى جنوبي إفريقيا، مدينة الكاب، فإلى داكار وجزر الكناري ولشبونة، وأخيرا يلقي البحار حقائبه بميناء بليموث البريطاني (أنظر الخارطة العجيبة).
كيف بدأت رحلة المركاب البطيئة ؟
أولا بالطائرة إلى هونغ كونغ، لكن لم كانت الرحلة ؟
كان يونغ يحس بالفقدان بعد الموت المفاجيء لعدد من أفراد أسرته، كان يريد الخلاص من لفات أفعى لاوكون، ومما عاناه بطل "أسفار مع عمتي" لجراهام غرين، في التخلص من مخلفات أمه المتوفاة حديثا، الأثاث والصور والملابس الداخلية العتيقة والمساحيق التي مضى عهدها، والدفانين، ووكلاء العقارات، ومفتشي الضرائب، والمحامين...
إذا، في هونغ كونغ بدأت الرحلة، بعد أن لم يعد بمقدوره الانتظار طويلا، بغية الاحصول على التأشيرة الصينية,
يقول يونغ : كنت أشرع في رحلتي بحثا عما سماه هنري جيمس "الماضي الممكنة زيارته".
وقد اصطحب معه روبرت لويس ستيفنون، مِلف "جزيرة الكنز" الشهير، و"رقيق شبابي" كما يقول يونغ ، أخذ معه رسائل الكاتب التي أرسلها من جزيرة ساموا إلى صديقه سدنى كولفن، ورسائل والدة ستيفن التي رافقت حاملي جثمان ابنها إلى سفح مونت فايا حيث قبره المظلل بالشجر. كما حمل معه في صندوق معدني كتابا لهرمان ملفيل، وجاك لندن، وكتاب غوغان "يوميات حميمة" وقصص ساكي القصيرة، وكتابين لجوزيف كوزاد. وقبيل ارتحاله إلى الصين أخذ معه "رواية تصف بكلمات نارية رعب الشوارع الذي خاضه الشيوعيون والقوميون الصينيون في مدينة شنغهاي العام 1927، رواية أندريه مالرو La condition Humaine التي صدرت باللغة الانجليزية تحت عنوان (Fate's Man)& مضت سنوات على قراءتي إياها، لكني أحفظ نهايتها عن ظهر قلب : هل على شين أن يحاول رفع كلة من البعوض، أم يضرب عبرها ؟"
البحث عن الأعماق الغائرة، وفيها ، هو ما ابتغاه يونغ، وما فعله، في رحلته. وثمت سبب كاف يفصح عنه: "أنا لا أود السفر مع الأوربيين، ومن بين أسباب سفري الابتعاد عنهم". أما هؤلاء الكتاب الذين اصطحبهم معه، وبينهم الرسام غوغان، فقد كانوا خارجين على "الأوروبيين" ومتمردين.
على انتداد الكتاب، ومشاهده، وتفاصيله، وتغوره في التاريخ والحضارة، نلحظ& الاحترام العميق أي يكنه الكاتب للشعوب المهمشة وعاداتها النبيلة، وهو يدافع بحرارة عن تقاليدها في المأكل والملبس. المستخدمون في هونيارا، على سبيل المثال، يتركون، بكل بساطة، أشغالهم، ويعودون إلى قراهم التي يجدون فيها كل ما يريدون. في البلدة، عليهم أن يشتروا الكيروسين، والصفيح لسقوف المنازل، وعلب التونة، بينما يتقافز السمك من البحر، وتسقف المنازل بسعف نخيل الساغم. حياة بدائية ؟
نعم. لكن لها عاداتها الحميدة. يقول ينغ "خذ الوزرة (الفوطة) إنها نافعة، رخيصة، مريحة، جميلة. قيل لكم أن ترموا بها، وترتدوا السراويل. من قال لكم هذا ؟ صانعو السراويل الأستراليون ؟ أم هم المبشرون ؟ هل يرتدي الله ، الجينز، يا بلثازار ؟"
ثم يشير الكاتب إلى شبكة أمان اجتماعي يأخذ بها أهل الجزر الذين يتكلمون بلهجة مشتركة.فمن غادر مكانه بسبب العمل، او السفر,يتوقع المساعدة والضيافة الفوريتين من أي فرد ينتمي إلى جزيرته,حتى لو كان غريبا مادام ينطق بلهجته.ويقول ينغ بالنص " حتى في الضيافة العربية المرموقة لدى العشائر، ينتظر من الضيف المغادرة بعد ثلاثة أيام " اما هنا فبإمكان الضيف البقاء أياما و أسابيع.
لكن مكان هذه الجزر، في مهب الريح، فالعالم الغني ينساهم، والأجيال الجديدة تتطلع إلى هذا العالم الغني القاسي، كي تأخذ منه ولو شيئا يسيرا. يقول أحد سكان فيجي للكاتب : نحن ساخطون، البطالة. شرب البيرة. نحن نريد أعمالا. جامعتنا تقذف بالخريجين، لكن لا عمل. هكذا يهاجر شبابنا إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. ترى هل يرضى حامل شهادة إلكترونيات، بأن يظل في جزيرة جميلة من جزر المحيط الهادي، تعتمد على السياحة ولب جوز الهند وصيد السمك ؟ جحافل من شباب العالم سيذهبون، إن استطاعوا، إلى حيث يبرق المال في ضواحي لوس أنجلس وفيلاديفيا، ولسوف ينسون، خلال جيل أو أقل، لغتهم الأم. آنذاك لن يعودوا ...........
يتمتع كيفن ينغ بأسلوبية رفيعة في الكتابة، أسلوبية تضعه في مصاف كتاب النثر اللامعين في اللغة الانجليزية.
سرده، مثلا، لسيرة تشارلز سافج وهو وغد ألقت به الأقدار على الجرف المرجاني في إحدى مناطق فيجي، ليفعل ما فعل، حتى أنه ادخل فيجي "في فترة من سفك الدم والحرب الأهلية لا تقارن بأيام الهراوة والرمح" وانتقاما، حين أسره أهل البلاد، رفعوه بالمقلوب، وغطسوا رأسه في بركة حتى لفظ أنفاسه، ثم قطعوه أشلاء، وطبخوه أمام عيون أصحابه الأسرى، وأخيرا، للدلالة على كرههم إياه وظفرهم به، جعلوا من عظامه إبرا لخياطة الأشرعة.
وكان كيفن يونغ نفسه، أحس بقرب المقارنة، فذكر أن تشارلز سافج يشبه كورتز في رواية جوزيف كونراد "قلب الظلام"، مع معاينة أن تشارلز سافج حقيقي، سار على قدمين، بينما كان كورتز من مخيلة كونراد الخصب.
"سمك هلام يطفو، شبحي البياض، في الماء الأخضر المشمس تحت الجروف. كانت السفينة "تاسي" تستدير شرقا على مسار من النور أسطع من أن يحدق فيهن كانت تتجاوز المد، وتعبر ركام السفينة الغارقة الصدئة المائلة على مرتبى مرجاني مثل قبعة منكسة. جبال فيجي المتطاولة شرعت تنسحب سريعا. وبعد ساعة أو اثنتين، حين غربت الشمس في شرائط من سحاب قاتم الزرقة، فكأن نارا عظمى أوقدت وراء مرتفعات فيتي ليفو. لقد كان رحيلا في دراماتيكية البداءة" (كيفن يونغ "مراكب بطيئة إلى الوطن")
"الصباح الباكر، كان باردا منبعثا حتى لكأن ساموا خلقت في ذلك الشروق. الندى يترقرق على كل سعفة موز، وعلى كل ورقة عشب، على كل خبازي وجاردينا. دخان نار مانينو، يتدلى، بلا حراك، حول مطبخها، مثل ستارة زرقاء أفقية، متضوعا بأرج حبات الكاكاو المحمصة" (كيفن يونغ)
مدائح للحياة، مدائح للأرض، لشعوب الأرض التي لم يعد أحد يمتدحها.
كيفن يونغ، صديق الشعوب المهانة، صديق شعبي.

&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&&& سعدي يوسف

&
&