كتب غسان تويني في النهار عن عصر الرجال التاريخيين فقال: عندما يشاهد واحدنا هنا احتفالات 14 تموز، عيد الحرية، يسكنه فجأة شعور عميق بالحنين الى الاحرار!
ترى هل كانت ثمة حاجة الى ملصقات على جدران بيروت حتى يتذكروا، في لبنان، ان رجلاً كان له الدور الاول في الظفر للبنان باستقلاله، اغتيل من نصف قرن تماماً؟
رياض الصلح: 16 تموز 1951 - 16 تموز .2001
معذور لبنان الرسمي إن هو لم يتذكر... فقد ورث من الرؤساء الشهداء، بعد استشهاد الرياض، ما يُثقل علىه تذكّر استشهادهم والتذكير به.
... لأن ذلك قد يعكّر صفو علاقات ما، وتتكاثر الاسئلة التي لا يمكن ان تبوح شهرزاد باسرارها، وتبقى حية حتى الصباح.
هل نسمّي؟ حسبنا ان نقول ان الوحدة الوطنية، بل "الميثاق" الذي صنعه رياض الصلح ومهره وبشارة الخوري بدماء الشهادات، هذا الميثاق ساوى بين الحديثي الاستشهاد، فلم يوفّر طائفة ولا منطقة: من كمال جنبلاط الى رينه معوض، ومن بشير الجميل الى رشيد كرامي، فضلاً عن المفتين وسائر من يصلّون للبنان اليوم معهم في الدنيا الآخرة.
* * *
ولكن رياض الصلح كان شيئاً آخر، وشيئاً آخر كان اغتياله، وأيام الاغتيال...
علماً بأن التحقيق في اغتيال ،1951 رغم اعتراف المنفّذين والقبض على بعضهم، ابقى علامات استفهام كبرى مرسومة على حائط الأيام، أين منها التساؤلات عن الذين اغتالوا، مثلاً، الرئيسين رينه معوّض ورشيد كرامي، بل الشيخ بشير الجميل كذلك والمفتي حسن خالد.
ترى، هل هي وحدة لبنان تلزمنا عند الذين يظنون أنّ لهم بلبنان شأناً، وان له على تاريخهم وهمومهم أثراً...
ترى، هل وحدة لبنان هي التي تلزمنا بعدم نبش قبور الذاكرة حتى لا نكتشف الاسرار فنتعلم منها؟... واذا نحن علمنا، نبني على امر الاسرار مقتضاه، من غير وجل ولا تجابن ولا تجاهل، ولا خصوصاً أي تجهيل؟
في غير لبنان من بلاد الناس، ينتقم التاريخ من المجهِّلين هوية الاغتيالات وابعادها، المتواطئين هكذا ولو بالعمق مع الاجرام...
ترى، هل في التجهيل بعض من حكاية "غرام وانتقام" أم هو للانتقام فقط، أم للتمثيل كما بالجثث الاعتيادية احياناً، أم لردع الآخرين، أم، وهو الأبسط، لـ"درء الشر"؟.... "الشر" الذي كان سيكون العلم به كله خيراً لأهل الشهداء والقضية!!!
* * *
سيظل رياض الصلح شيئاً آخر، وشيئاً آخر اغتياله والاسرار التي لم تكتشف بعد.
بدءاً بسؤالين اثنين:
أولاً: لماذا ذهب رياض، المستقيل من الحكم، الى الملك عبد الله، واغتيل وهو في طريق العودة من عمان الى بيروت؟... ثم اغتيل الملك عبد الله بعد فترة قصيرة من اغتيال زائره بالأمس؟ وهل يعقل ألا يكون بين الجريمتين رابط هو بالذات الذي حدا المرتّبين على ان يبتكروا منفِّذين معلومي الهوية ويعلنوا عنها ويتباهوا، ربما تمويهاً لمجرّد المباعدة بين الحدثين؟
ثانياً: هل من صلة بين اغتيال رياض ورسالة سرية نُشرت في ما بعد، كان قد وجهها الى العرش الهاشمي في العراق؟... وقيل في ما بعد ان رياض حمل مثلها بالضبط الى الملك عبد الله الاردني... وفي الرسالة انتقاد للهدنة مع اسرائيل ودعوة للدولتين المتكاملتين الى استئناف الحرب فور انتهاء مدة "الهدنة" التي كان رياض في الاساس عارضها، ثم قبل بها لبنان على مضض، لأن بعض ارضه كان محتلاً، والدول العربية الاخرى التي حاربت (باستثناء العراق الذي وحده عارض، ولا حدود بينه وبين فلسطين) وافقت كلها على الهدنة وبادرت الى توقيعها، فكيف ينفرد لبنان؟
* * *
هذا عن الاغتيال، وربما ثمة أكثر، مما نجهل ولا ندعي معرفته رغم ما صار معلوماً عن دور دولي كبير تشير اليه التقارير والوثائق المكتشفة، روايات روايات!
وهذا كله يضع رياض في مرتبة مختلفة...
فقد جاء الصلحي العظيم الى الحكم من التاريخ الذي هيّأ لهذا الحكم ان يكون استقلالياً مستقلاً.
وجاء الى حكم لبنان من صميم جهاد لبناني من اجل العروبة والاستقلال، انما حاملاً من العروبة رصيداً يتجاوز حدود لبنان وحجمه... فمكّنه رصيده من ان يفرض على العروبيين الوحدويين "المنطق الصلحي" القائل بأن استقلال لبنان وعروبته صنوان لا يفترقان... وليست عروبة لبنان في ابتسار وحدوية معه مرفوضة، وقد تهدد وحدته الوطنية واستقلاله... بل تصير العروبة وحدوية وممكنة عندما تستقل كل الكيانات العربية، وينضج الحكم المستقل فيها، الواحدة بعد الاخرى، وتتكامل مجتمعاتها واقتصاداتها... فتنبع من الوحدة العميقة الجوهر، وحدة مؤسسات متناسقة تلقائياً وبغير كبت ولا الزام.
ولأن رياض كان أقوى عربياً - بفعل رصيده منذ نضال الصبا - أقوى من المشكّكين في استقلالية الحكم اللبناني، بل في ميثاق وحدته، غير الراغبين في الاعتراف به عربياً، ولا دولياً... لأن رياض كان الاقوى، تقدّم على رفاقه في النضال الوطني، بل وانسبائه، وفي طليعتهم حكام دمشق - جابريين وقوَّتليين ومردميين وعظميين - ولم يتردد في اعلان قطيعة اقتصادية بين الجمهوريتين الشقيقتين عندما حاولت الشقيقة الكبرى فرض نظامها الاقتصادي "الاوتارسي" على النظام "الليبيرالي" المعتمد في لبنان.
تلك كانت الرجال...
وللتذكير، لجأ رئيس حكومة القطيعة السورية الى بيروت بعد زمن اغتيال رياض الصلح... وهو مدفون على مقربة من مقام رياض في الارض اللبنانية الأرحب.
* * *
تلك كانت الرجال. نعم، ولكن...
ظل لبنانُ رياض، بعد اغتياله، يعيش "الميثاق الوطني" بينما الاغتيالات التي بدأت موجتها آنذاك تطيح الأنظمة مع الرجال، لتقيم انظمة عسكرية "ثورية" باسم استعادة فلسطين التي قيل آنذاك ان الحكم "المدني" تسبّب بخسارتها!
فاذا بالاحكام "المدنية" تذوب، ومعها تذوب فلسطين الارض والشعب، والطموحات تزداد ذوباناً...
الجيوش الحاكمة لم تنتصر في الحروب، بل مضت تدَّعي حيناً انها "نُكِبت" وأنها "انتكست" أحياناً... وأما الهدنات، فصارت هي و"سلاماتها"، البطولات!
فالى أين من هنا؟
الى اللبنان الذي لم يُجدِ اغتيال رياض الصلح في الاجهاز عليه، بل احتاج قهره الى حروب وحروب، سافرة حيناً ومتنكرة أحياناً... وما لم يسترده الجيش من أرض لبنان وشرفه، استرده الشعب بمقاومته وصموده؟!...
* * *
نعم، هكذا... الا ان الحاجة لا تزال ماسّة الى حكم تاريخي، أكبر من التحديات، لا ينوء تحت عبء لائحة فضائح مضحكة معيبة، كأسماء وجهاء النيابات والوزارات والزعامات الذين يطالبون بالاصلاح، ولا يستنكفون عن خرق أبسط قواعد الاخلاق المدنية... من "التنصت"، الى الكهرباء، الى الطيران... الى اين؟
الحاجة ماسّة الى حكم لا يرتجف وجلاً من الابتزاز السياسي قاعدةً للمعارضة، فضلاً عن الابتزاز "الاقتصادي" او المالي...
حكم تاريخي لا يمكن ان يهرب من استشهاد اذا هدّدوه به، ولا من عسكر يهوّل، فـ"يخابر" ولا يحارب...
حكم تاريخي يدرك ان مصير لبنان رهن بعظمة حكمه وحجم رجاله، وبتطلعات الرجال التي لا تطأطئ رؤوسها حتى أمام أهوال العدو الزاحف كالوحش من حرب الى حرب... فاذا بنا، نحن العرب، نغرق في نشوة حديث الحرب كلما بها هددنا العدو... ولكننا ننتشي ولا نُقبل، بل نُدبر ونختبئ وراء تصريحات التهديد والوعيد... مما العدو بفراغها أعلم.
* * *
أول الشجاعة ان يرتفع صوت من الحكم يقول للمتآمرين عليه، "السحرة الصغار الهواة" موزعي لوائح الوزارات تحت الطلب، والنظريات الاقتصادية "المعلّبة" بديل الانماء الحلال، ولو عسير الطريق...
ان يرتفع صوت يقول ان لبنان الذي لم تقتله الاغتيالات المتتالية، لن تغتاله الازمة التي يصطنعون له في الكلام... بل هم اللاعبون بالنار من ستفترسهم الازمة، فيكونون، اياهم، اولى ضحاياها!
وبعد، وبعد... في ذكرى اغتيال رياض الصلح يشتاق لبنان الى حكم يلتزم ميثاقه ومنه ينطلق ليطمح الى ان يكون ولو في مرتبة مثالية رياض... فيحمي لبنان من اليأس، ولبنان قادر هو، متى لم يُيأس، على ان يحمي نفسه والحكم من كل اغتيال.
&