محمود درويش
لا تعرف كيف ينتظم الحوار مع محمود درويش! فليس مألوفاً ان تجد السياسي الحكيم، والمحلل الدقيق مخبوءاً داخل الشاعر والفنان المبدع، وان يفرض الارتقاء باللغة الى مستوى الشجن وهو يعرض بالوقائع بعض فصول ملحمة النضال المفتوح على التاريخ حاضراً ومستقبلاً.
وبرغم ان كل فلسطيني سياسي، بفعل جرحه المفتوح، الا ان منشد فلسطين الأكبر يرتقي بالحوار الى مرتبة غير معهودة، فترق اللغة لتصبح نفحات من هواء فلسطين، بغير ان تفقد الوقائع دلالاتها الموجعة، ويرف الأمل ليطرد شبح اليأس المخيم على المنطقة برمتها والذي يستولده العجز وتحاول إسقاطه الانتفاضة بدماء الشهداء وعمق الارتباط بالأرض حتى وهي في مرتبة الحلم.
جاء محمود درويش الى <<السفير>>، كعادته يوم كان في بيروت، ليضيف الى قصيدته المبتورة، والتي يكتسب فيها الصراع أبعاده كاملة: بين الحقيقة والأسطورة، بين الحق التاريخي المكسور بالعجز عن حمايته، وبين القوة المصفحة بالخوف لتبقى مصدراً للتعاطف الدولي.
وجلسنا من حول فلسطين القضية والحقيقة، الشعر والجرح، المواجهة المفتوحة بين الخرافة الدينية المحمولة على جناح الأف 16 وبين الحقيقة الفلسطينية التي لا يقتلها الرصاص، بين الوطن المنفي وبين الحكاية التي صارت <<دولة عظمى>>.
وتحدث محمود درويش عن كل ما يتصل بفلسطين وفيها: عن شروط المواجهة وعن طبيعة <<المجتمع الإسرائيلي>> ولحظة التطابق الراهن بين ما هو سياسي وما هو ثقافي، عن <<السلطة>> والمجتمع الفلسطيني، عن مشروع حرب الاستقلال لفلسطين، عن قادة اسرائيل وعقل الدولة <<العلماني>> فيها وتدين <<مواطنيها>>، عن <<العودة>> ودلالاتها، عن شروط الحوار مع الإسرائيلي، وعن العلاقة مع لبنان واللبنانيين، وعن صورة المقاومة اللبنانية في فلسطين.
وتحدث محمود درويش عن شعره، اليوم، وأين هو من ماضيه، وعن الشعر السياسي عموماً وعن قصيدة محمد الدرة التي ينفي ان تكون تحولاً <<ولكنني متورط مع محمد الدرة، وكان عليّ ان اقول حتى استطيع ان اعود الى جدول اعمالي>>... وعن علاقته بالقارئ <<لقد صدقني وغفر لي كل شيء، وأنا أفاخر بذلك>>.
وقال محمود درويش ان المثقف على علاقة يومية بالأشياء وهو ليس مقدساً، وانه ضد تعالي المثقف عن دوره السياسي.
تبدّى المنشد الأكبر حكيما الى حد الدهاء، بغير ان تفقد لغته شفافيتها، وبغير ان تغيب عن الوجع نبرة الفكاهة المرة.(السفير)