في عصر الطريق الدولي السريع للمعلومات "الانترنت" لم تعد هناك اسرار سياسية ولا عسكرية، ولا حتى نووية، خاصة بعد ان اخترق قراصنة صغار في المانيا وبريطانيا مواقع "البنتاجون" وتربح أحدهم من ورائها مئات الآلاف من الدولارات مقابل بيع بعض الملفات لمن يهمهم الامر.
اما الأغرب ما فعلته جماعة مدافعة عن البيئة والموارد الطبيعية في واشنطن، حيث سخرت وهزأت من الاسرار النووية الامريكية، فبواسطة جهاز كمبيوتر منزلي عادي تماما وبفضل قدر كبير من الابداع، تمكنت جماعة تطلق على نفسها اسم مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية أن تقدم تصورا لهذا السر الدفين "سيوب"، متيحين معلومات جديدة تثير تساؤلات مقلقة حول جدوى السياسة التي تنتجها الولايات المتحدة حيال المسألة النووية.
وباستخدام خرائط وصور من أقمار صناعية ومعلومات مناخية، متاحة علنا لمن يرغب، افترضت الجماعة أن منشآت بعينها، مثل مطارات عسكرية أو محطات رادار في الاتحاد السوفييتي السابق يمكن أن تكون من ضمن أهداف السلاح النووي الامريكي. وأضافت الجماعة إلى ما سبق خرائط مواقع المنشآت الدفاعية والصناعية الروسية ومراكز القيادة العسكرية والسياسية في روسيا.
فضلا عن ذلك، استعانت الجماعة بمعلومات عسكرية كانت قد أذيعت علنا مثل رقم 2260 الذي يشير إلى عدد الاهداف "الحيوية" في روسيا. وبعد تجميع كل ذلك، شرع أفراد الجماعة في تصميم برمجية كمبيوتر تحوي خريطة للاهداف "الافتراضية" للحرب النووية الامريكية وللمناطق التي ستضر من جراء تعرض هذه الاهداف لهجوم نووي.
ووصفت مجلة "بولتين أوف أتوميك ساينتيستس" أو مجلة العلماء الذريين، البرمجية الجديدة واسمها "أركفيو" بأنها، بعد النظر إليها في ضوء بيانات سكانية، تقدم بشكل أساسي كل ما تريد أن تعرفه إذا أردت إسقاط رأس نووي على آخرين.
أوضحت البرمجية أن أهداف الولايات المتحدة هي في الاغلب منشآت عسكرية، وإن كان عدد كبير منها يقع بالقرب من مناطق سكانية بدرجة تجعل أي هجوم نووي يؤدي "عرضا" بحياة ملايين البشر ممن لم يستهدفوا في حد ذاتهم.
وأورد البرنامج بعض الامثلة المفزعة لهجمات مبالغ فيها، منها تعرض رادار أرضي رئيسي في بوشكينو بالقرب من موسكو لهجوم بـ 69 صاروخا نوويا في ضوء معلومات بأن محطة الرادار هذه قوية جدا. وإذا كانت تلك الاستنتاجات جائزة باعتبارها محض افتراضات، فمن الممكن أيضا افتراض أن المؤسسة العسكرية السوفييتية السابقة كانت ستنتهج الاسلوب ذاته عند مهاجمتها أهدافا أمريكية ضخمة.
وتقول إدارة الرئيس الامريكي جورج بوش انها مستعدة لتقليص عدد الصواريخ النووية التي تمتلكها إلى 2500 إذا فعل الروس الشيء ذاته والان بعد أن انتهت الحرب الباردة، يبدو رقم 2500 نفسه مبالغا فيه.
ففي الواقع، تفتحت الان أبواب العالم السري للتخطيط العسكري الذي كان الظلام يلفه حتى عهد قريب ما أدى لظهور نزعة للتوسع في سباق التسلح النووي. وبات من الممكن الان الاطلاع على ما كان سرا في الماضي، بفضل ضرب جديد من ضروب السحر يتيح الحصول على المعلومات بضغطة زر بالاستعانة بتكنولوجيا متاحة لعشرات الالاف من الاشخاص، منهم أعضاء في الكونجرس.
وتقول المقالة الصحفية المذكورة ان بعض هؤلاء الذين أتيحت لهم معلومات كانت سرية في الماضي بدأوا يتساءلون لماذا نوجه آلاف الصواريخ على أهداف في صناعة السلاح الروسية التي تتداعى بالفعل ومن تلقاء ذاتها؟
وسيستغرق الامر بعض الوقت حتى تستقر المعلومات التي كشف عنها في أذهان الناس. لكن مجرد إدراك المخططين العسكريين أن هناك من يتابع تحركاتهم يمكن أن يكون له تأثير يردهم إلى صوابهم ويقنعهم بالتخلي عن اعتقادهم الراسخ بأنه كلما زاد عدد الصواريخ النووية كان ذلك أفضل(البيان)
&