القاهرة - نبيل شرف الدين: د.شريف حتاتة يمكن تسميته "رجل المفارقات الصعبة" فقد ولد لام إنكليزية، وظل يتلقى تعليما وتربية غربية خالصة حتى انضمامه الى حركة التحرر الوطني، التي اندلعت في اربعينات القرن الماضي، للتخلص من الاستعمار الإنكليزي. وعلى الرغم من انه ابن لاسرة إقطاعية عريضة الثراء والنفوذ، انخرط مبكراً في صفوف اليسار لمحاربة الإقطاع والدفاع عن الفلاحين، وهو أيضا الطالب الجامعي الذي انتقل من خانة الترتيب الاول على دفعته في كلية الطب الى الترتيب الأول بين نزلاء السجون من الوطنيين في مدد تزيد على 15 عاماً في مجملها .
لكن تظل المفارقة الاكثر اثارة للشجن في حياة المثقف المصري والكاتب والروائي د.شريف حتاتة، تتمثل في حالة الصمت الإعلامي تجاه اعماله في السياسة والاجتماع والابداع ، التي بدأت بـ " رحلة الى الجزائر" عام 1964، مرورا بـ "طريق الملح والحب" عام 1983 وانتهاء بـ"العولمة والاسلام السياسي".
&أما مؤلفاته الادبية فقد كانت بسيرته الذاتية"النوافذ المفتوحة"التي كسرت طوق الصمت الإعلامي لما فيها من جرأة وصدق.
التقته "ايلاف" ودار الحوار التالي:
حتاتة والسعداوي
بالرغم من القيمة المهمة التي تنطوي عليها تجربتك تاريخيا وفنيا الا انك لم تنل حقك اعلاميا؟
هناك أسباب عديدة ، فانا على المستوى الشخصي لا أجيد فن العلاقات العامة والاقتراب من أصحاب النفوذ والجاه في الوسط الثقافي، ولاعلاقة لي بالمجاملات بل على العكس تجدني شخصا محدود الحركة قليل العلاقات وهو ما لا يتناسب مع حركة الثقافة المصرية السائدة الان.
وقد يندهش البعض اذا عرف أنني ظللت لسنوات طويلة قليل الضحك فقد تأثرت بشخصية والدتي الجادة جدية تقترب أحيانا من التجهم.
أيضا أنا صريح ومباشر ولا أستطيع ضبط آرائي على ايقاع المجاملة لأنني أحب أن أكون حرا في مشاعري وأحاسيسي ثم إنني لي تاريخي الفكري ومبادئي التي أؤمن بها وأدافع عنها وكان طبيعيا أن أدفع ضريبة هذا الالتزام الفكري.
المشاكسة
هل يمكن أن نعتبر أن زواجك من الدكتورة نوال السعداوي أحد الاسباب التي أدت الى هذا التجاهل؟
- نعم ، فهي بالفعل مشاكسة وصدامية وعنيدة ولها الكثير من المعارك والكثير من العداوات التي ورثتها أنا بسبب إيماني بقضيتها ودفاعي عن حقوق المرأة وتضامني معها في كل المواقف رغم اختلافي معها احيانا ، لكنني بشكل عام متفق معها وبالتأكيد جر موقفي هذا الكثير من المتاعب ومنها تجاهلي اعلاميا مادمت أقف معها في نفس خندق القضية النسوية.

ولكن د. نوال تحولت في السنوات العشر الاخيرة الى نجمة اعلامية تحظى بالاهتمام ، ألا يمكن أن تكون شهرتها هذه جنت عليك بسبب استقطابها لكل الاضواء بينما تواريت انت في الظل؟
- لا أريد أن أكون انتهازيا ، فرغم انها بالفعل هي الاكثر شهرة ونجومية كما تقول ، الا أنني أدرك أن الحياة لا تعطيك شيئا الا وتأخذ شيئا في المقابل أريد أن اقول ان شهرتها جاءت على حسابي بالفعل ، لكنها في المقابل كانت السبب في اتجاهي للكتابة الادبية ودخولي عالم الرواية الساحر.

كيف؟
- أفرج عني من السجن في تشرين الاول (نوفمبر) 1963 وبعد سنة تزوجت من د.نوال ،كنت قد مررت بتجارب مختلفة ثرية حولتني من طالب مجتهد، متفوق في دراسته ثم طبيب ناجح في مهنته الى ثائر يواجه المخاطر ويقتحم تجارب لم تكن تخطر على باله، عرضت عليها أن أحكي لها عن جوانب من حياتي لعلها تجد فيها مادة تستفيد منها في كتاباتها.
هكذا في احدى الامسيات جلسنا في حجرة المكتب التي تعودنا أن نعمل ونقرأ فيها ، وأخذت أحكي لها عن حياتي بينما جلست تسجل في كراسة وضعتها امامها.
وتتابعت الليالي ليلة وراء ليلة وكان الوقت يمتد بنا احيانا الى الفجر دون ان نشعر به الى ان مضى ما يقرب من 3 أشهر.
وفي احدى الامسيات وضعت القلم وقالت "عندي الان ما يكفى " وفي اليوم التالي بدأت تكتب، مرت الشهور وفي صباح احد الايام رأيتها وهي تلملم اوراقها وتضعها في ملف لازالت أذكر لونه البرتقالي ، قالت:"انتهيت من الرواية ألا تريد أن تقرأها"
قرأت الرواية في ليلة واحدة ، كان اسمها "الغائب" أعجبتني لكني لم أجد فيها ما رويته لها عن حياتي استوضحتها وكان رأيها انها لا تستطيع ان تكتب الا ماهو نابع من حياتها وأنني أنا وحدي القادر على كتابة ما رويت.
جادلتها موضحا أنني لا أجيد الكتابة الادبية، لست موهوبا بما يكفي، فقالت: بالعكس الطريقة التي حكيت بها أقنعتني بأنك فنان، ولن تعرف ذلك الا اذا حاولت الكتابة".
ظلت تلح علي الى ان امسكت بالقلم ، باءت محاولاتي الاولى بالفشل ومزقت أوراقي لكن مرت الايام وفي ليلة من ليالي الصيف ، كنت جالسا قرب النافذة، أستمع الى اصوات المدينة وانا شارد.
فجأة قمت وجلست الى المكتب ، أخرجت "رزمة" من الاوراق وأمسكت بالقلم، تعثر في البداية، ثم أخذ يجري فوق السطور ، تدفقت الكلمات كأن حاجزا في داخلي قد انهار ، كأن حوارا صامتا نشأ بيني وبين الاوراق.
أصبحت أجلس كل ليلة خلف المكتب ساعات ، اعمل في النهار ثم أعود أنام ساعة أو ساعتين ثم استيقظ لاكتب وبعد سنتين انتهيت من اولى رواياتي واسمها "العين ذات الجفن المعدني" كانت مستوحاة من تجربتي الطويلة في السجن.
هكذا دخلت العالم الساحر للرواية بمساعدة نوال السعداوي التي اكتشفت الفنان بداخلي.

لكن ألا تشعر أحيانا بشيء من الاسى& جراء عدم تحققك اعلاميا؟
- أحيانا تنتابني مثل هذه المشاعر - لا انكر ذلك لكن عندما أنظر الى الامور بموضوعية وشمولية لا أشعر بالغضب .
النوافذ المفتوحة
يبدو أن للمرأة تأثيرا كبيرا في حياتك على المستويين الشخصي والإبداعي ؟
- كانت أمي انكليزية، ومنذ سن مبكرة عشت التناقض بين تأثيرها علي وبين تأثير المجتمع المصري ، أحسست بالغربة والعزلة مما دفعني في سن صغيرة الى التأمل والتفكير والقراءة، كانت قراءاتي الاولى في الادب الإنجليزي وساعدني هذا على الارتباط بعالم اوسع من أقراني.
لكن كان علي فيما بعد ان أكسر العزلة وأندمج في المجتمع المصري وقد تحقق هذا اساسا عن طريق العمل السياسي رغم تأثيره السلبي على التكوين الفني ، لكن من ناحية أخرى لا يمكن الفصل بين الفن والسياسة.
وساعدت وحدتي أثناء طفولتي - وكوني الابن الاكبر بين أخواتي - على سرعة تعلقي بعالم المرأة واندماجي في قضاياها على نحو لا يتاح الا نادرا للرجال، وذلك عن طريق علاقتي بنوال السعداوي - فالعلاقة غير المتساوية بين الرجال والنساء تدخل في كل جوانب حياتنا العامة والخاصة ولها علاقة بالتكوين الفني والحسي والوجداني، كما أن تأثيرها على الابداع الفني عميق للغاية، وقد أدركت ذلك بعمق عندما كتبت سيرتي الذاتية "النوافذ المفتوحة"
ففي رأيي أن الرجل لا يستطيع أن يكتب سيرة ذاتية ، صادقة وشجاعة اذا ظل عاجزا عن اختراق قوقعة الذكور التي تحول دون رؤيته لأعماقه وهذا ينطبق ايضا بالطبع على كافة التحيزات الاخرى الطبقية والعرقية والدينية، وفى قراءتي تجدني مهتما بكل ما يصدر عن المرأة أو بأقلام النساء وأتابعه بشغف فأنا أقرأ بالانجليزية والفرنسية بجانب العربية.

ولكنك لم تتعلم العربية الا في مطلع شبابك ؟
- بالفعل ، لم تكن اللغة العربية هي أول لغة سمعتها تتردد في أذني وأنا طفل ، كنا نتحدث بالانكليزية لغة أمي ونحن في البيت ، ولما أصبحت سني ست سنوات التحقت بمدرسة انكليزية.
هكذا خلال سنوات طويلة من الطفولة والشباب كانت قراءاتي كلها في المدرسة وفي البيت باللغة الانكليزية واستمر هذا الوضع حتى تخرجت في الجامعة سنة 1946 وكان سني في ذلك الوقت 22 سنة.
ومع ذلك كانت اللوائح في كلية الطب تشترط أن أتقدم لامتحان المعادلة باللغة العربية ، وهو امتحان يقتضي دراسة المنهج الخاص بالمرحلة الثانوية كلها، فأحضر لي أبي مدرسا للغة العربية كان يأتي الي في البيت ثلاث مرات في الاسبوع وواظبت على هذه الدروس طوال السنة الاولى في كلية الطب ثم تقدمت للامتحان ونجحت.
لم يكن النجاح صعبا كان المطلوب الاجابة عن عدد من الاسئلة في قواعد النحو والصرف ، مع تطبيقاتها على بعض النصوص وتحليل آيات من القرآن وشرحها وكتابة موضوع في الانشاء أختاره من ثلاثة موضوعات مطروحة في ورقة الامتحان. وبالطبع لم يكن هذا كافيا لكي اتعلم اللغة العربية وأصولها فبقيت قدراتي على التعبير بها محدودة ،كنت أتعثر عندما أتحدث باللغة العربية او اكتبها وكان نطقي يتميز بلكنة اجنبية كما كان قاموس اللغة العربية الذي امتلكته محدودا حتى مع شيء من التوسع طرأ عليه ، لكني منذ ذلك الوقت واظبت على القراءة باللغة العربية ، وعلى الاخص في الادب والتاريخ والدين والفلسفة وقليل من العلم.
فيما بعد انخرطت في العمل السياسي وعندئذ أصبح علي أن أعبر عن نفسي ، أن أناقش وأجادل في الاجتماعات ، أن ألقي بعض الخطب وأكتب تقارير او بيانات باللغة العربية . وهكذا كانت الممارسة السياسية هي المدرسة التي تعلمت فيها الكثير مما كان ينقصني في هذا المجال.

ألم تعارض والدتك -وهي انجليزية- اتجاهك للسياسة الذي قادك للنضال ضد الانكليز؟
- والدتي -& ووالدي أيضا- كانت تشفق علي من المتاعب التي ستجرها السياسة علي لكنها في الوقت نفسه كانت شديدة الثقة في وفي قراءاتي واتجاهاتي، فلم تعارضني لانها كانت تراني الاول دائما على دفعتي في كلية الطب.
يساراً .. جهة القلب
وكيف اتجهت لليسار وهاجمت الإقطاعيين رغم انك ابن الطبقة الإقطاعية؟

- كنت مفعما بالاحلام الرومانسية والرغبة في تغيير العالم والقضاء على الاستغلال والظلم والفقر وكانت صدمتي كبيرة عندما عملت طبيبا في قصر العيني ، لأنني اصطدمت بالفقر وجها لوجه،وعرفت أن المستوى الاقتصادي المعقول أحد شروط الصحة العامة.وازددت ايمانا بهذه المبادئ في الوقت الذي كانت قد أفلست فيه جميع الاحزاب فكريا أو توشك على الافلاس مثل الوفد وقتها كان التيار الفكري الجديد القادر على صهر أحلامنا في بوتقة السياسة هو اليسار.
أيضا يمكنني أن أقول إنني انضممت الى اليسار في فترة تمردت فيها على انغلاق الاسرة وحياتها وعلى اغترابي عن المجتمع المصري، وسعيه نحو الحرية والاستقلال ضد الاقطاع وحكم الملك والاستعمار البريطاني لمصر ، اليسار حطم الانانية الاسرية والطبقية التي حالت دون ان أرى ما كان يجب أن أنتبه اليه ، حررني من أفكار وقيم كانت تثقل الحركة الحرة للنفس ، حطم قبولي لسطوة المال والسلطة ، لكنه في الوقت نفسه فرض علي قيودا من نوع جديد كان علي ان اكسرها في مرحلة لاحقة من حياتي. جمود في الفكر وبعد عن الواقع ظلا معي سنوات طويلة الى ان حررني منهما الفن والايمان بقضية المرأة.
التجاهل الإعلامي
هل كانت الجرأة والصدق في سيرتك "النوافذ المفتوحة" رد فعل على احساسك بالتجاهل الإعلامي؟ هل رغبت في اطلاق صرخة ما ؟

- الشيء العادي هو أن كل انسان يحب الظهور ولفت الانظار اليه ولابأس في ذلك بشرط عدم التزييف أو الكذب والادعاء. هذه الرغبة من الطبيعي ان تتزايد ونحن نعيش حضارة "معولمة" تقدم على تحويل كل شيء الى سلعة وسحق الفرد وقهره وإشعاره دوما بأنه قزم ، كما أن هذه الرغبة ستتزايد أكثر اذا كنت في مجتمع لا يساعد الفرد على تنمية احساسه بقيمته أو قيمة ما يفعله ولا يشعره بالثقة في ذاته.
من هذه الزاوية ربما كان افتراضك وجيها بمعنى أنني أردت أن أقول أنا هنا . لكن الواقع أن مبررات هذا العمل كانت متعددة لدي مثل تقدمي في السن ورغبتي الحارة في التعبير عن تجربة غنية أحملها على كتفي في مجتمع يربينا على نفي تجاربنا الخاصة النابعة من معاناتنا وظروفنا.

ولماذا -في رأيك- مازالت منطقة السيرة الذاتية في أدبنا العربي تثير الرعب والحساسية ويفضل كتابها ارتداء الاقنعة بدلا من مواجهة الذات بصدق؟
- لا تنس& أننا مجتمع اعتاد على تهميش الصدق ويفضل انماط اللف والدوران وعدم التعبير الحر، والسيرة الذاتية تعني خلع جميع الاقنعة فكيف لمن تربى على اخفاء الحقائق والتزييف والتجميل ان تكون لديه الشجاعة والقدرة على المكاشفة وهما السمتان اللتان تتطلبهما كتابة سيرة ذاتية حقيقية.
هكذا من الطبيعي أن تجد الاديب العربي يتفادى- في سيرته - التعرض لما هو خاص في حياته بسبب التربية الدينية والتقاليد والقيم وسائر المحرمات التي تحيط بالاسرة وبالعلاقات بين الرجال والنساء أو بنواح أخرى يمكن أن تكشف عن الذات العميقة عن الضعف والفساد والازدواج، عن الحقيقة العارية المدفونة في الاعماق.
فمثلا عندما كتب لويس عوض" أوراق العمر" لم يكرس سوى جزء قليل من هذه السيرة الذاتية لحياته الخاصة بينما تمادى في الكتابة عن أحداث وتطورات المجتمع والسياسة رغم أنها لا تمت اليه بصلة سوى أنها جرت في مرحلة من المراحل التي كان فيها على قيد الحياة. هكذا فقد كتابه ما كنت أشتاق الى معرفته ، وهو تجربته الخاصة وعلاقتها بالاحداث العامة التي عاشها فكان من شأن هذا التناول أن ينير لي أشياء مهمة في الحياة وأن يضفي على العمل ذلك الجانب الفني الصادق الذي أحسست به ، وهو يكشف جوانب من نشأته في الاسرة، وعلاقاته ببعض افرادها.
فالسيرة الذاتية ليست مسائل اجتماعية أو سياسية أو تاريخية جرت في عصر الكاتب ولكنها ذاتية بمعنى انها تحكي عن حياته وعلاقته بالمجتمع من حوله ، بالاحداث والازمنة والامكنة التي قامت بينه وبينها صلات أثرت فيه وتفاعل معها.

وما الفرق بين الرواية والسيرة الذاتية من واقع تجربتك؟
- السيرة تتعرض لحياة الكاتب بشكل مباشر وتعلنها، في الرواية يمكنه أن يتخفى وراء شخصية ما لكنه في السيرة الذاتية يجد نفسه مواجها باخيتار صعب كلما وصل الى موضوع حساس في حياته فيمكن أن يكذب حتى يحافظ على صورته أو أن يصدق ويتحمل تبعات الصدق ، واذا اختار الصدق، فانه يعطي نموذجا وصورة أجمل وأنصع تجتذب الانسانية الكامنة في قرائه، صورة تريحه أيضا من تمثيل الدور المفروض عليه فيما يكتب فتنفجر فيه قوة ابداع متجددة، ويجري قلمه بيسر فيما كان حرما عليه من قبل ، فالصدق والفن مرتبطان، وممارسة الصدق عادة تتطور مع كل خطوة يتخذها الكاتب للتخلص من الزيف.

ألم تتردد وتحسب رد الفعل الذي ربما يشبه الصدمة نتيجة صراحتك المفرطة في سيرتك ؟
- بالعكس ، كنت أحتاج هذه الصراحة حتى أشعر بالتحرر، ثم إنني جربت أن أكسر المألوف ، مرة حين تركت كل شيء ودفعت ضريبة إيماني الفكري والتزامي السياسي ودخلت السجن.

&هل معنى ذلك أنك اقتحمت جميع المناطق الملغومة؟
- نعم، على الاقل فيما يتعلق بي ، أما فيما يتعلق بالاخرين فلم أخرج كل ما في جعبتي حينا، واستخدمت الرموز والإشارات أحيانا.