قصص هذه المجموعة الممتعة، والمكتوبة باسلوب رشيق وسهل، تنقلنا الى عالم غير مطروق من قبل. ونادرا ما ينطبق ما يقوله الناشر في الغلاف الاخير عن الكتاب الذي يقدمه. ولكن هنا، دار رياض الريس للنشر والتوزيع، تقدم كتابا بالفعل فاتنا، فمجموعة "المتنصتون" للكاتب المصري أحمد والي، تتناول، كما جاء في الغلاف الاخير "العالم التحتي الشعبي المصري، في سياق يغلب عليه طابع الكبت والهوس الجنسي، حيث أبطال |
القصص يتلصصون من الثقوب على المشاهد الجنسية الحميمة. وهكذا يطالعنا في القصص عالم سري لشخصيات من قاع المجتمع المصري غير القاهري، سواء في المكان او التقليد القاهري الأدبي في كتابة القصة.
المؤلف أحمد والي يملك في كل قصة خلطة سحرية تقوم على ايروسية ونقد اجتماعي وسياسي مكثف وساحر في اختزانه وتخففه خصوصا وهي تصور مشاهد وأحداثا ومفارقات تظل من قبيل المسكوت عنه في الكتابة الأدبية العربية، مما يجعل القارئ يقلب صفحات الشارع المصري في ألبوم مثير وشديد الجاذبية." ننشر هنا قصتين من المجموعة.
المؤلف أحمد والي يملك في كل قصة خلطة سحرية تقوم على ايروسية ونقد اجتماعي وسياسي مكثف وساحر في اختزانه وتخففه خصوصا وهي تصور مشاهد وأحداثا ومفارقات تظل من قبيل المسكوت عنه في الكتابة الأدبية العربية، مما يجعل القارئ يقلب صفحات الشارع المصري في ألبوم مثير وشديد الجاذبية." ننشر هنا قصتين من المجموعة.
يا عالم الأسرار علم اليقين
اذا فتح موضوع التنصت في دكان الترزي المعروف بـ "ترزي الشباب" أو "الانسان منا" فسيترك الطاولة التي يفرد عليها القماش وسيترك الماركة التي يصنع بها العلامات قبل أن يُعمل المص، ولسوف يطفئ السيجارة بعصبية على أرضية الدكان حتى لو كان لم يكن قد أخذ منها سوى نفس واحد، ثم يبصق وكأنما ليكمل اطفاء زهرة النار ويسحق العقب ثم يخرج حذرا الى الطوار امام الدكان يمط رقبة طويلة كرقبة الكركي ويشعل سيجارة اخرى ثم يترك الدكان بصعبية والشباب الذين أسمى دكانه باسمهم ويذهب.
... ربما ليشرب كرسي الدخان (رغم انه من مدخني السجائر) أو فنجان قهوة مرة بدون سكر (الانسان منا يحتاج بين حين واخر لفنجان قهوة يهدئ اعصابه ولا ايه؟ هو الانسان منا مكنة ولا ايه؟)
ولأن رواد الدكان دائما في سن الشباب، ولأنهم دائما يتعجلون التفصيل والمفصّل فانهم يجالسون الترزي وصبيانه من باب تسليتهم وكذلك لاستعجالهم، فاذا تركه صاحب قماشة نحاها جانبا وأمسك التي تخص أحد الجالسين واكثرهم تعجلا أو أكثرهم مالا أو سلاطة لسان، هذا كان في الزمان الذي مضى وليس ببعيد ايام المنطقة الحرة ببورسعيد وايام كان الشغل على ودنه. كل اصحاب الصناعات البائرة من حدادين ونجارين ورجال معمار وكذا النشالون وصبيان السائقين، وكل من هبّ ودبّ عمل بالتهريب وامتلأت الدور والشقق وعتبات البيوت وأرصفة الشوارع بالاقمشة والملابس والصابون والعطور. كانت الاشياء رخيصة وكان الشباب يساير الموضة. أما الآن فقد تحول الدكان الى مكان شبيه بالمقهى، فهو الوحيد الذي يسهر ونوره النيون هو الوحيد الذي يضيء بطول الشارع الكبير بالبلد. اين يذهب الشباب اذا بعد اغلاق المقاهي؟ يجلسون وتبادلون السجائر واكواب شاي السبرتاية ويتحدثون.
وليس ربما بل حتما ولا بد ان تقود الاحاديث دائما للتنصت والمتنصتين. يبدأ الحديث هكذا مثلا "ادريتو حصل ايه امبارح؟" فيذكرون اسماعيل الجبري ضابط البحرية وزوجته السمراء اللذين يسكنان الدور الارضي بجوار مقام الشيخة آمنة بن يوسف الاحمدية، ويمتد الحديث للحارة التي ضبط فيها ترزي الشباب وهو يسترق السمع ويتنصت على تاجر البطيخ.
وفي عرف المتنصتين فان هذه الحارة تتمتع بميزات عديدة، أولها انها حارة سد لا تقود الى شارع اخر او حارة اخرى، وبذا فالقدم عليها معدومة. وثانيها امتداد لأولها، فلانها سدوليست مطروقة من الممكن ان يتحجج "الانسان منا" ويزعم ان يقضي حاجة عرضت ولا يحتمل السير للجامع القريب. وثالثها ان هذه الحارة& دائما غارقة في ظلام دامس، لأن سكانها فقراء وشراء لمبة كهرباء يحتاج الى اقتراحات وموافقات على الحجم والنوعية وكم وات، ومن أي دكان يشترونها، وهكذا ينتهون لبقاء الحال على ما هو عليه. ورابعها ان سكان الحارة فلاحون (عدا الشيخ عبيد الكفيف ومقرئ الجامع المجاور) يشقون طوال النهار ويتعبون فنومهم ثقيل ولا يحتاجون الا الى نور الله في الفجر، أما ليلة أمسك عبيد بتلابيب "الانسان منا" فكانت سقطة من الترزي المتنصت لأن الوقت كان صيفا، والحر بطبعه يبعث القلق فلا استغراق في النوم لدى الفلاح الذي بدا له في الصيف من السهر، فثمة حصاد قمح فتذرية ثم تخزين الغلال وجمع الأتبان ثم حراثة فسقاية الأرز بعد القمح.. وهرب من التزاحم على الالات والجرارات والماء (كما راح شهداء أثناء العراك على دور الساقية) وهذا يحتاج الى نسمة الصيف اللينة قبل صهد النهار. كذا فان طلاب المدارس وهم عادة جيش المتنصتين ومنهم عرف "الانسان منا" جغرافيا النساء الغانجات، يتحججون بحرّ البيوت فيخرجون لاستذكار دروسهم اسفل اعمدة النور في الشارع. ففي أول الصيف تكون مواسم الامتحانات، وفي الوقت الذي نشن فيه الترزي لدى مرور تارج البطيخ وبحساب ساعتين يقضيهما برفقة زملائه من الحشاشين، وحين يكون على شوك ولوج البيت، كان الانسان منا في ركن ركين متخذا موقعا استراتيجيا حتى سمع التاجر الحشاش، بعد ان خلع هدومه، يغازل حلاله "نعيمة" ثم يمسك اردافها المكتنزة البيضاء ويبدأ في تسميط الشريط الذي حفظ طلاب المدارس والذي لقنوه للترزي فقاده مرات ومرات للتنصت (كآفة اوداء تملكه ولا يستطيع للآن منه فكاكا) وهنا في هذه الحارة بالذات.
يتحسس التاجر الارداف ويقول "
- الطيز دي ملكي لوحدي يا نعيمة؟
- ملكك يا سليم!
- يعني ما حدش بيشاركني فيها؟
- لأ يا روحي.
ويبدآن.
هذه المرة لم يكد ينتعظ ويبدأ في الاندماج مع الحدث وكأنه الممارس (على فكرة، شكت زوجته من هجرانه فراشها فشكرت ربها على اعطياته ولدا وبنتا وظنت انها لعنة فلبست النقاب وارتادت المساجد مع المتطرفين".
نقول انه لم يكد ينتعظ حتى أمسك عبيد الأعمى بتلابيبه. وانطلق جؤار فظيع فجر ذلك اليوم. جؤار لا تسمعه الا ممن يطلب نجدة او اسعافا، فلا بد ان حريقا بشعا بادئ في الاشتعال أو ان قتلاً وتربصاً حدثا منذ ثوان، وهكذا التمّ الناس أنصاف عرايا يرتدون الملابس على عجل او سحواً حتى اذا عرفوا رؤوس المواضيع انتبهوا الى ان نساءهم خرجن محلولات الشعر او بملابس خفيفة تفضح عريهن فيزجرون النسوة ويدخلون لتغيير الهدوم وهم يصبون اللعنات على المتنصت، وقليل منهم يفتح باب الشك في ان عبيد ظنان ويتهم الابرياء ويجعل ما فيه في الناس، فلا يغيب عن احد حوادثه في الزنا واللواطة ايام الكلية التي لم يتمها بعد ان مكث فيها سنين عددا ثم توظف بالثانوية الازهرية، ولا تغيب عن الناس طريفة من طرائفه، اذ ان عمه الثري والذي يكفله، دائما يقيم سهرة في رمضان، ويقرأ عبيد ما يحفظ من كتاب الله وتقدم المشاريب من شاي وقهوة محوجة وقرفة حتى يمر المسحراتي فيتسحر الحضور ثم يمضون لصلاة الفجر جماعة. ويا كم لامه الاقرباء والتقاة من اهل الحي ان عبيدا نجس، ثم انه لا يحفظ الكثير من القرآن ويلحن في القليل الذي يحفظ. لكنه كان يردهم خائبين من باب صلة الرحم وانه أولى من الغريب وعز التمر لأهله، حتى كانت الليلة التي نزا فيها على فهيمة الخبازة (خبزة العيد في العشر الاواخر التي ربما ضمت ليلة القدر) ولم يستطع ان يرفع جنابته وخشي ان يقرأ القرآن وهو على جنابة فتلعنه الملائكة، فهداه شيطانه الى تلحين رباعيتين من الخيام تلحينا قرآنيا (ان تفصل القطرة من بحرها، ففي مداه منتهى أمرها، تقاربت يا رب ما بيننا، مسافة البعد على قدرها، يا عالم الاسرار علم اليقين، يا كاشف الضر عن البائسين، عدنا الى رشدك فاقبل توبة التائبين).
في اليوم التالي عايره عمه اللوّام "ما رأيكم ان الشيخ قرأ بالأمس سورة لم اسمع لها من قبل وليتكم حضرتم لتستمتعوا بجمال صوته! ثم بعد هذا تدّعون انه لا يحفظ من الكتاب الا القليل، والله لأكسونه في العيد كسوة ليست على بدن شاهبندر التجار او شيخ الازهر".
هؤلاء الذين شككوا في مصداقية عبيدهم الذين حسموا الخلاف لصالح "الانسان منا". فبعد مناقشات ومداولات "نروح المركز نبلغ أهله. نفضحه قدام عياله والناس. هاتوا مراته وأمه"، واخرون "هو أنت؟"، "تفو!".. انحسم الصراع مكتفين بما ناله من ضرب ولكم وركل وفضح وبصاق وأطلقوه.
ولا بد ان فتح موضوع التنصت، اذا، ان يبادر الى طوار الدكان ويمط رقبة الكركي ويدخن سيجارة اخرى قبل ان يصل الحديث لتلك الليلة الليلاء في حياته التنصتية التي امتدت بعد ذلك، ولا ينسى عند عودته فجرا وقبل ان يتسلم الشغل الذي انجزه الصبي ان يسأله من بعيد عما حكاه الشباب عن النساء المتهتكات "كانوا بيقولوا ايه أولاد الكلب دول؟".
... ربما ليشرب كرسي الدخان (رغم انه من مدخني السجائر) أو فنجان قهوة مرة بدون سكر (الانسان منا يحتاج بين حين واخر لفنجان قهوة يهدئ اعصابه ولا ايه؟ هو الانسان منا مكنة ولا ايه؟)
ولأن رواد الدكان دائما في سن الشباب، ولأنهم دائما يتعجلون التفصيل والمفصّل فانهم يجالسون الترزي وصبيانه من باب تسليتهم وكذلك لاستعجالهم، فاذا تركه صاحب قماشة نحاها جانبا وأمسك التي تخص أحد الجالسين واكثرهم تعجلا أو أكثرهم مالا أو سلاطة لسان، هذا كان في الزمان الذي مضى وليس ببعيد ايام المنطقة الحرة ببورسعيد وايام كان الشغل على ودنه. كل اصحاب الصناعات البائرة من حدادين ونجارين ورجال معمار وكذا النشالون وصبيان السائقين، وكل من هبّ ودبّ عمل بالتهريب وامتلأت الدور والشقق وعتبات البيوت وأرصفة الشوارع بالاقمشة والملابس والصابون والعطور. كانت الاشياء رخيصة وكان الشباب يساير الموضة. أما الآن فقد تحول الدكان الى مكان شبيه بالمقهى، فهو الوحيد الذي يسهر ونوره النيون هو الوحيد الذي يضيء بطول الشارع الكبير بالبلد. اين يذهب الشباب اذا بعد اغلاق المقاهي؟ يجلسون وتبادلون السجائر واكواب شاي السبرتاية ويتحدثون.
وليس ربما بل حتما ولا بد ان تقود الاحاديث دائما للتنصت والمتنصتين. يبدأ الحديث هكذا مثلا "ادريتو حصل ايه امبارح؟" فيذكرون اسماعيل الجبري ضابط البحرية وزوجته السمراء اللذين يسكنان الدور الارضي بجوار مقام الشيخة آمنة بن يوسف الاحمدية، ويمتد الحديث للحارة التي ضبط فيها ترزي الشباب وهو يسترق السمع ويتنصت على تاجر البطيخ.
وفي عرف المتنصتين فان هذه الحارة تتمتع بميزات عديدة، أولها انها حارة سد لا تقود الى شارع اخر او حارة اخرى، وبذا فالقدم عليها معدومة. وثانيها امتداد لأولها، فلانها سدوليست مطروقة من الممكن ان يتحجج "الانسان منا" ويزعم ان يقضي حاجة عرضت ولا يحتمل السير للجامع القريب. وثالثها ان هذه الحارة& دائما غارقة في ظلام دامس، لأن سكانها فقراء وشراء لمبة كهرباء يحتاج الى اقتراحات وموافقات على الحجم والنوعية وكم وات، ومن أي دكان يشترونها، وهكذا ينتهون لبقاء الحال على ما هو عليه. ورابعها ان سكان الحارة فلاحون (عدا الشيخ عبيد الكفيف ومقرئ الجامع المجاور) يشقون طوال النهار ويتعبون فنومهم ثقيل ولا يحتاجون الا الى نور الله في الفجر، أما ليلة أمسك عبيد بتلابيب "الانسان منا" فكانت سقطة من الترزي المتنصت لأن الوقت كان صيفا، والحر بطبعه يبعث القلق فلا استغراق في النوم لدى الفلاح الذي بدا له في الصيف من السهر، فثمة حصاد قمح فتذرية ثم تخزين الغلال وجمع الأتبان ثم حراثة فسقاية الأرز بعد القمح.. وهرب من التزاحم على الالات والجرارات والماء (كما راح شهداء أثناء العراك على دور الساقية) وهذا يحتاج الى نسمة الصيف اللينة قبل صهد النهار. كذا فان طلاب المدارس وهم عادة جيش المتنصتين ومنهم عرف "الانسان منا" جغرافيا النساء الغانجات، يتحججون بحرّ البيوت فيخرجون لاستذكار دروسهم اسفل اعمدة النور في الشارع. ففي أول الصيف تكون مواسم الامتحانات، وفي الوقت الذي نشن فيه الترزي لدى مرور تارج البطيخ وبحساب ساعتين يقضيهما برفقة زملائه من الحشاشين، وحين يكون على شوك ولوج البيت، كان الانسان منا في ركن ركين متخذا موقعا استراتيجيا حتى سمع التاجر الحشاش، بعد ان خلع هدومه، يغازل حلاله "نعيمة" ثم يمسك اردافها المكتنزة البيضاء ويبدأ في تسميط الشريط الذي حفظ طلاب المدارس والذي لقنوه للترزي فقاده مرات ومرات للتنصت (كآفة اوداء تملكه ولا يستطيع للآن منه فكاكا) وهنا في هذه الحارة بالذات.
يتحسس التاجر الارداف ويقول "
- الطيز دي ملكي لوحدي يا نعيمة؟
- ملكك يا سليم!
- يعني ما حدش بيشاركني فيها؟
- لأ يا روحي.
ويبدآن.
هذه المرة لم يكد ينتعظ ويبدأ في الاندماج مع الحدث وكأنه الممارس (على فكرة، شكت زوجته من هجرانه فراشها فشكرت ربها على اعطياته ولدا وبنتا وظنت انها لعنة فلبست النقاب وارتادت المساجد مع المتطرفين".
نقول انه لم يكد ينتعظ حتى أمسك عبيد الأعمى بتلابيبه. وانطلق جؤار فظيع فجر ذلك اليوم. جؤار لا تسمعه الا ممن يطلب نجدة او اسعافا، فلا بد ان حريقا بشعا بادئ في الاشتعال أو ان قتلاً وتربصاً حدثا منذ ثوان، وهكذا التمّ الناس أنصاف عرايا يرتدون الملابس على عجل او سحواً حتى اذا عرفوا رؤوس المواضيع انتبهوا الى ان نساءهم خرجن محلولات الشعر او بملابس خفيفة تفضح عريهن فيزجرون النسوة ويدخلون لتغيير الهدوم وهم يصبون اللعنات على المتنصت، وقليل منهم يفتح باب الشك في ان عبيد ظنان ويتهم الابرياء ويجعل ما فيه في الناس، فلا يغيب عن احد حوادثه في الزنا واللواطة ايام الكلية التي لم يتمها بعد ان مكث فيها سنين عددا ثم توظف بالثانوية الازهرية، ولا تغيب عن الناس طريفة من طرائفه، اذ ان عمه الثري والذي يكفله، دائما يقيم سهرة في رمضان، ويقرأ عبيد ما يحفظ من كتاب الله وتقدم المشاريب من شاي وقهوة محوجة وقرفة حتى يمر المسحراتي فيتسحر الحضور ثم يمضون لصلاة الفجر جماعة. ويا كم لامه الاقرباء والتقاة من اهل الحي ان عبيدا نجس، ثم انه لا يحفظ الكثير من القرآن ويلحن في القليل الذي يحفظ. لكنه كان يردهم خائبين من باب صلة الرحم وانه أولى من الغريب وعز التمر لأهله، حتى كانت الليلة التي نزا فيها على فهيمة الخبازة (خبزة العيد في العشر الاواخر التي ربما ضمت ليلة القدر) ولم يستطع ان يرفع جنابته وخشي ان يقرأ القرآن وهو على جنابة فتلعنه الملائكة، فهداه شيطانه الى تلحين رباعيتين من الخيام تلحينا قرآنيا (ان تفصل القطرة من بحرها، ففي مداه منتهى أمرها، تقاربت يا رب ما بيننا، مسافة البعد على قدرها، يا عالم الاسرار علم اليقين، يا كاشف الضر عن البائسين، عدنا الى رشدك فاقبل توبة التائبين).
في اليوم التالي عايره عمه اللوّام "ما رأيكم ان الشيخ قرأ بالأمس سورة لم اسمع لها من قبل وليتكم حضرتم لتستمتعوا بجمال صوته! ثم بعد هذا تدّعون انه لا يحفظ من الكتاب الا القليل، والله لأكسونه في العيد كسوة ليست على بدن شاهبندر التجار او شيخ الازهر".
هؤلاء الذين شككوا في مصداقية عبيدهم الذين حسموا الخلاف لصالح "الانسان منا". فبعد مناقشات ومداولات "نروح المركز نبلغ أهله. نفضحه قدام عياله والناس. هاتوا مراته وأمه"، واخرون "هو أنت؟"، "تفو!".. انحسم الصراع مكتفين بما ناله من ضرب ولكم وركل وفضح وبصاق وأطلقوه.
ولا بد ان فتح موضوع التنصت، اذا، ان يبادر الى طوار الدكان ويمط رقبة الكركي ويدخن سيجارة اخرى قبل ان يصل الحديث لتلك الليلة الليلاء في حياته التنصتية التي امتدت بعد ذلك، ولا ينسى عند عودته فجرا وقبل ان يتسلم الشغل الذي انجزه الصبي ان يسأله من بعيد عما حكاه الشباب عن النساء المتهتكات "كانوا بيقولوا ايه أولاد الكلب دول؟".
أبيع لأجلها عمري
حادث تنصت الحاج سيد عبد السميع- والذي بلغ من العمر اثنين وثمانين عاما-على محمد عبد البصير هو الاقل اثارة في حوادث التنصت في بلدتنا. وكان بعض الناس يحكونه للتدليل على طيبة عبد البصير وكرم الأرومة والمنبت وكذا على ان داء التنصت غلاب. فالعجوز الذي تجاوز الثمانين حولا والذي بالكاد يستطيع ان يتبين عضوه الآن وفقط عند خروج البول، لا يملك ان يتخلى بسهولة عن دائه القديم، فهو شهواني حتى الجلد والعظم اللذين يتبقيان من جرم كان هائلاً وفحلاً. والناس تحكي انه لا زال يلصق بالنشاء على حائط قاعة نومه صورة لممثلة اغراء اميركية اسمها راكيل وولش تباعد فيها بطريقة مغناج بين فخذيها العاريتين، كان قد حصل عليها من مجلة المصور التي يداوم حفيده على شرائها لافتتانه بافتتاحية رئيس تحريرها السياسي البارع. قال الحاج سيد عبد السميع "دي أبيع من أجلها مش بس الفدادين الخمسة وملعون أبو الورثة، دا أبيع عمري" اذ اشتهر عنه في اواخر ايامه انه كان يتأمل فرج امرأة تجاورهم اسمها احسان كانت تحت عجوز يعمل نجار سواقي مات من سنين ولا زالت تضج بالحيوية والانوثة وكان يمنحها قيراطا بين حين واخر، ثم يستكثر عليها ذلك ويقول:
- قيراط بنظرة بس يا احسان؟
- يا خويا ان كان فيك الله يعافيك.
فلما علم بنوه اضطروا لرفع دعوى حجر بالمحكمة بعد ان نقصت ارضهم قراريط عشرة، ولقد حمدوا الله ان الممثلة الاميركية لا تسكن بر مصر اذ لباعها أرضه قبل انقضاء الدعوى من اجل حفنة نظرات.
نعود لنقول ان حادث تنصته الاشهر يحكي احيانا من باب طيبة المتنصت عليه وفضح المتنصت واسرته. اذ في ليلة عاصفة مطيرة كان السيد عبد السميع يعطي أذنه لشباك عبد لبصير فغلبه البرد فتكور على نفسه وداخل عباءته لصوف مثل قرادة واحتواه ملاك النوم بأجنحة حنونة تليق بطفل رضيع او عجوز أفنى بدنه الكد والعرق والتنصت. وبينما يمد عبد البصير يمناه ليجذب ضلفة الشباك بعد ان انهى معاركه الجسدية مع زوجته المرغوبة وليكف اصطفاق الضلفة المزعج بفعل الريح وكان قد تركه لتغطي ضوضاؤه عل& فحيح أنثاه فلمح كومة الهدوم التي تضم جسد العجوز الضامر.
خشي ان يكون قد وافته المنية وهو يبول (اذ استبعد ان يكون متنصتاً) فلما شعر بحركة النفس في الضلوع، حمله كفرخ يمام، وعلى كنبة بمندرة الجلوس ارقده وغطاه بالحرام الصوف حتى طلع النهار.
ولو كان الراوي يريد ان يخلع مسحة انسانية على عبد البصير ويصب لعنة على عائلة عبد السميع لقلنا انه ادرك ما أراد. لكن كثيرا من الرواة الثقاة لم يحكوا عنه بقصد الموضوع نفسه، اذاً لقلنا ان قصدية الفضح بائنة وكذا اضفاء الطابع الانساني على المتنصت عليه، انما الرواية حكيت تواتراً عندما كان الجلوس امام دكان ابو مروان يتحدثون عن الضراط وأشهر الضارطين فامتد الحديث الى الحاج شبراوي الضارط الأعظم والذي دخل مرة جامع نادي الرياضي ليقضي حاجته فمع ضراطاً شديداً فقال "أنت عمي وعم الذين خلفوني، والله لأنتظرن حتى أراه وأقبل يده ان لم يسمح لي أن اقبل خاتمه" وطال انتظاره فغلبه النوم أمام دورة المياه. ومن نومته تلك تذاكروا نومة السيد عبد السميع وهو يتنصت.
وهكذا ندرك ان الراوي لم يرد ان يقدح هذا ولا يمدح ذاك انما قصد ان النوم غالباً ما يغلب ذوي الحاجات العبيطة فيفضح سترهم ويكشف سرّهم.
- قيراط بنظرة بس يا احسان؟
- يا خويا ان كان فيك الله يعافيك.
فلما علم بنوه اضطروا لرفع دعوى حجر بالمحكمة بعد ان نقصت ارضهم قراريط عشرة، ولقد حمدوا الله ان الممثلة الاميركية لا تسكن بر مصر اذ لباعها أرضه قبل انقضاء الدعوى من اجل حفنة نظرات.
نعود لنقول ان حادث تنصته الاشهر يحكي احيانا من باب طيبة المتنصت عليه وفضح المتنصت واسرته. اذ في ليلة عاصفة مطيرة كان السيد عبد السميع يعطي أذنه لشباك عبد لبصير فغلبه البرد فتكور على نفسه وداخل عباءته لصوف مثل قرادة واحتواه ملاك النوم بأجنحة حنونة تليق بطفل رضيع او عجوز أفنى بدنه الكد والعرق والتنصت. وبينما يمد عبد البصير يمناه ليجذب ضلفة الشباك بعد ان انهى معاركه الجسدية مع زوجته المرغوبة وليكف اصطفاق الضلفة المزعج بفعل الريح وكان قد تركه لتغطي ضوضاؤه عل& فحيح أنثاه فلمح كومة الهدوم التي تضم جسد العجوز الضامر.
خشي ان يكون قد وافته المنية وهو يبول (اذ استبعد ان يكون متنصتاً) فلما شعر بحركة النفس في الضلوع، حمله كفرخ يمام، وعلى كنبة بمندرة الجلوس ارقده وغطاه بالحرام الصوف حتى طلع النهار.
ولو كان الراوي يريد ان يخلع مسحة انسانية على عبد البصير ويصب لعنة على عائلة عبد السميع لقلنا انه ادرك ما أراد. لكن كثيرا من الرواة الثقاة لم يحكوا عنه بقصد الموضوع نفسه، اذاً لقلنا ان قصدية الفضح بائنة وكذا اضفاء الطابع الانساني على المتنصت عليه، انما الرواية حكيت تواتراً عندما كان الجلوس امام دكان ابو مروان يتحدثون عن الضراط وأشهر الضارطين فامتد الحديث الى الحاج شبراوي الضارط الأعظم والذي دخل مرة جامع نادي الرياضي ليقضي حاجته فمع ضراطاً شديداً فقال "أنت عمي وعم الذين خلفوني، والله لأنتظرن حتى أراه وأقبل يده ان لم يسمح لي أن اقبل خاتمه" وطال انتظاره فغلبه النوم أمام دورة المياه. ومن نومته تلك تذاكروا نومة السيد عبد السميع وهو يتنصت.
وهكذا ندرك ان الراوي لم يرد ان يقدح هذا ولا يمدح ذاك انما قصد ان النوم غالباً ما يغلب ذوي الحاجات العبيطة فيفضح سترهم ويكشف سرّهم.










التعليقات