الرئيسان بوش
نيويورك- عودة أبو ردينة: بالنظر عن كثب الى البيت الابيض كما يريده جورج بوش الابن، يتجلى التباين والاختلافات في مستويات السلطة.& فالقرار ليس بيد فرد واحد& كما كان الحال في عهد والده
ومساعده&جون سنون. فمساعد جورج بوش الابن للشؤون الاستراتيجية كارل روف يعتبر مستشارا يعول عليه المراقبون لنجاح العهد ويرون فيه صاحب دور حيوي& فاعل في الإدارة الجديدة. كذلك كبير مساعديه عندما كان حاكما لتكساس آندي كارد الذي يصغي بوش الى نصائحه، وكارين هيوز مديرة الاتصالات في البيت الأبيض. لتتضمن قائمة مستشاري بوش المقربين كوندوليزا رايس ومدير الموازنة العربي الأصل ميتش دانيالز. من دون اهما نائب الرئيس ديك تشيني الذي يقوم ومساعديه& بعمل جبار لاسيما في مجالي الاقتصاد والسياسة الخارجية.
الجدير ذكره أن من شغلوا منصب نائب الرئيس منذ& انتهاء الحرب العالمية الثانية صاروا أكثر انهماكاً في السياسة الخارجية للولايات المتحـ ليعتبر ديك تشيني أكثرهم نشاطاً في هذا السياق.
كما يعتبر تشيني الوحيد& بين صانعي السياسة في البيت الأبيض الذي أظهر تعاطفاً تجاه إسرائيل. إذ جاء في دراسة أجريت أخيرا أنه خلال شغل& دان كويل منصب نائب الرئيس الأميركي للسياسة الخارجية& في عهد جورج بوش الأب& كان ديك تشيني، وزير الدفاع في تلك الإدارة، يدعم كويل في مواقفه المتعاطفة مع إسرائيل. من دون اهمال الملاحظات التي اطلقت حينها المتعلقة بالسياسة الخارجية والتي أثارت غضب وزير الخارجية آنذاك جيمس بيكر والمسؤولين في وزارته أصحاب التوجهات السياسية المغايرة لكويل.
ومن الامثلة على ذلك حينما ألقى نائب الرئيس كويل خطاباً أمام لجنة العلاقات العامة الأميركية الإسرائيلية (ايباك) في الحادي عشر من حزيران) يونيو) 1990.. خطاب عبر فيه عن تعاطف كبير مع إسرائيل ليختم كلامه بإشارة جريئة إلى الضفة الغربية التي أطلق عليها اسم يهودا والسامرة، متجاهلاً البروتوكول الأميركي السائد آنذاك.
وبينما أسعدت ملاحظة كويل اللوبي الصهيوني إلا أنها أغضبت وزارة الخارجية. وكان كويل يسعى باستمرار الى تحسين العلاقة مع إسرائيلية. ليعلق أحد الخبراء الإسرائيليين قائلاً بأن كويل أكثر وداً مع حكومة الليكود من أي مسؤول آخر في إدارة بوش الأب.
&وبالرغم من المعارضة الواسعة التي لاقاها، تمكن كويل من الحصول على موافقة الكونغرس لإرسال أسلحة إلى إسرائيل بلغت قيمتها 700 مليون دولار. مع الاشارة الى ان ديك تشيني وقف الى جانب كويل باستمرار ودعمه في تعاطفه مع إسرائيل ليظهر ذلك بشكل خاص إبان& حرب الخليج, وكتب كويل في مذكراته: شيني وأنا الوحيدان اللذان تعاطفنا مع إسرائيل التي عارضها وزير الخارجية جيمس بيكر معارضة تامة.
أما مايكل ديفر ، فكان نائب كبير موظفي البيت الأبيض في ولاية رونالد ريغان بينما كان رئيسه جيمس بيكر الذي أصبح وزيراً للخارجية في عهد جورج بوش الأب التالية. مهمة ديفر الرئيسية كانت إدارة برنامج البيت الأبيض دونما أي علاقة برسم السياسة الخارجية للشرق الأوسط. إلا أنه بالرغم من ذلك أقنع الرئيس ريغان& على إرغام مناحيم بيغن وآرييل شارون في شهر آب (أغسطس (1982 على التخلي عن قرار دخول بيروت وضرب منظمة التحرير الفلسطينية هناك.
وفي تلك الفترة، كان وزير الدفاع الإسرائيلي آرييل شارون على وشك تحقيق حلمه بالقضاء كلياً على منظمة التحرير الفلسطينية. ونشوب حرب عالمية ثالثة لم يكن بالامر المستبعد لاسيما في ظل التوتر الحاصل. وقال مايكل ديفر حينها لم يكن بالمستطاع شجب إسرائيل في النهار وتشجيعها في الليل في وقت& أخذت أرقام الضحايا من المدنيين اللبنانيين الأبرياء في الازدياد.
ومضى قائلا: "جرت العادة أن يجتمع مجلس الأمن القومي& مع الرئيس عند التاسعة والنصف من كل صباح لمدة نصف ساعة. وفي ذلك اليوم من عام 1982 قررت عدم حضور الاجتماع.& فقد كنت على مدى الأسبوع الذي سبقه أشاهد تلفزيونيا صور جثث الضحايا في لبنان.. صور لا أقدر على تجاهلها الآن. أخيراً نهضت وتوجهت إلى المكتب البيضاوي وكان ريغان وحده هناك يراجع إحدى الوثائق. هز برأسه لكنه لم يتفوه بكلمة. قلت له: سيدي الرئيس، لا بد أن أستقيل.فأجابني ريغان قائلاً: مايك، ما هذا الذي تقوله؟ وكان جوابي: لا أستطيع أن أكون جزءاً مما يجري بعد اليوم - القنابل والقتل.. قتل الأطفال.& استمع ريغان إلي& جيدا لكنه بقي صامتا. ومضيت قائلا: أنت الوحيد الذي بإمكانه وضع حد لما يجر.. كل ما عليك فعله هو أن تقول لبيغن 'كفى.'" ثم تبادلنا النظرات للحظات ونظر ريغان ناحية الأرض فشعرت أنه يفكر بالصور& ذاتها التي لاحقتني دونما حاجة الى أن& نتحدث مزيدا عن الامر.. فبعد سنوات من عملي معه أصبحت أقرأ ملامح& وجهه وحركاته التي دلت على أننا نتشاطر الرأي. رفع ريغان سماعة الهاتف وأمر سكرتيرته بوصله بمناحيم بيغن على الفور. كان ريغان ملتزماً بأمن إسرائيل التزاماً كاملاً لكنه لم ينسجم مع بيغن عندما التقيا وجهاً لوجه خصوصا بعدما توجه الأخير إلى الكونغرس من البيت الأبيض مباشرة ليطالب بالمزيد من المساعدة المالية للدولة العبرية بعدما أبل الرئيس الأميركي بأنه سيكتفي بالمبلغ الذي حددته الإدارة لإسرائيل بموجب برنامج المساعدات الخارجية الأميركية.
&انتابني خوف من أن أكون قد أخطأت بتصرفي مع الرئيس فاتصلت بوزير الخارجية آنذاك جورج شولتز في الوقت الذي كان الريس ينتظر ربطه هاتفيا ببيغن . قلت له: جورج، أظن أنني ارتكبت خطأ فادحاً فقد تركت العنان لعواطفي بشأن بيروت وأبلغت الرئيس بمخاوفي حيال الامر. وهو الآن يتحدث مع بيغن ليطلب منه وقف القصف."
مرت لحظة صمت قال شولتز من بعدها: الحمد لله.. أنا في الطريق إليك حالاً.
&وعندما أصبح بيغن على الخط التقط ريغان السماعة بسرعة وقال لرئيس الوزراء الإسرائيلي بصريح العبارة إن القصف يجب أن يتوقف وإن إسرائيل تواجه خطر فقدان الدعم الأميركي ثم أصغى ريغان& إلى رد بيغن وأنهى المخابرة بعد ذلك مباشرة بالقول:لقد تماديتم وعليكم أن تتوقفوا.
وصل شولتز بعد ذلك بعشرين دقيقة. واتصل بيغن ليقول إنه وجه الأمر الى شارون بوقف القصف وإن الطائرات لن تحلق فوق بيروت الليلة. انتهت المخابرة فوقف ريغان وقال مبتسماً وهو يغمز بعينه: لم أكن أعلم بأني أتمتع بكل هذه القوة.
أعتز فعلا بتلك اللحظة، فقد شعرت بأني استخدمت صلاحياتي على نحو صحيح وأقنعت الرئيس بضرورة اتباع غرائزه الإنسانية. وأرى أن كل رئيس يحتاج إلى من يملك القدرة على الصراحة، حتى وان كانت إبلاغه بأنه على خطأ."
&
* كاتب ومحلل سياسي،&واقتصادي عربي-أميركي