الشاعر سامر أبوهواش
في العين

ما يلمع في العين:
الكسر في زجاج النافذة
الذي يصنع مثلثا
يشبه دمعة
تشبه لسانا
ممدودا
في ضباب

حيث نظرات كثيرة
يمكن حشرها
في سلة واحدة
كما عائلة في فرن
كما اضلاع متساوية
في كتاب
ما يذبل في العين:
المقعد
الذي ربما يصير رجلا
في وجهه فم حقيقي
وفي يده كوب شاي
يتصاعد منه
بخار حقيقي ايضا
حيث لا رغبة في الاحشاء
لا بيوت
ولا ادراج
ولا سوائل غامضة
ولا ما يحرق ايضا

ما يلمع:
جدران مدينة قديمة
ورطبة
حتى انها لا تحتاج
الى أي سماء او غيوم
لكي تصنع مطرا
هنا المطر لا يسقط
لكنه يخرج
بأقل من لمسة
بأبسط من هواء

ما يذبل:
المطر
اذ لمسناه
من الجهة المقابلة
هنا أيضا
رائحة خشب حقيقي
نستطيع ان نؤلف منها امرأة
نسميها الجدة او الخالة
ونسمي وجهها
الغصن التالف
والصخرة المتآكلة.
ولكن ماذا نسمي الاعشاب التي نبتت
حيث لا احد يعرف
أو يظن
وماذا نقول عن الاخضر العفن على اللسان
والاخضر العفن على الضفاف
والاخضر العفن على الاشجار؟
الساعة تبني مدنها ومشرديها
الساعة تبني أزقتها
وبركها
الساعة تبني ساعة الحظ
وساعة الرغوة
وساعة الاملاء:

احد لن يعتب بعد الان
احد لن يذهب
احد لن ينتظر
في العين تلمع مدينة
بآلاف النوافذ
في العين آلاف الأبواب
التي تنتظر نظرة ميت
لتصفق كلها
دفعة واحدة.
&

وداع

الذي أغلقناه على روائح مسنة
وآثار أرواح وأرجل
وما تفتت من عمر قديم
وصنع حياة
في الصدئ
والرطب
واستمر طويلا في الجدران
وعلى الأدراج
التي تنقص وجها
كلما تقدمنا صعودا
وجها
كلما تقدمنا نزولا
ونشعر بحفيف ثوب
مرّ خفيفا
ونرك أثرافي الهواء
وتكفي كلمة لايقاظه
او& لاسقاط أشباح وروده
في الممرات
انهم يغتسلون
ونسمع احيانا جلبة
همساتهم
تحت سقف الشتاء
والملاءات الدافئة
والطبقات المستترة
لليل
ويحيكون من الخوف كنزة
تهدهد قليلا ما يرتعش بصمت
ولا يقدرون على اسكاته
باغنية
او حتى صرخة
في النوم يتبادلون اشخاصهم
واحلامهم
ثم يمضون يوما وهم يرجعون
هذا العري الى تلك الفتاة
ذاك العري
الى ذاك الصبي
ولا ينسون صيفا
لعجوز
ودخانا
فرّ من السهرة
يحتشدون في الخفى
ونتوهم احيانا ان وجوههم
ليست في الصور
بل في الغبار المسترسل
على البراويز
والمتآكل
في الخشب
وجوههم التي صارت مربعة
قبل ان تختفي تماما
وبعضها يزداد سطوعا
في وقت ما
فنحدس انها تنظر الينا
وتحزن
لأننا صرنا مربعين
الى هذا الحد
لكننا نطمئن لاننا نعرف
اننا نصادق الحشرات نفسها
وان ايدينا
تلامس الجزء نفسه
من الرمل

يكفي ان تمر اليد على الجبين
باللمسة الخاصة لتذكّر
لنتأكد اننا ابناء بحر واحد
واننا في الجهة نفسها
من الثلج
أطراف كثيرة
تليق بحفلة
ومع ذلك لا نسمع الا صمتا
وفي الشارع يرن
صخب وداع بعيد
وفي الشارع
فقط
يرن
صخب
وداع
بعيد.
&
كمن يحدق في ساعة معطلة

هذه كف عارية
على زجاج
من صنع البارحة
حيث البخار يؤلف ملامح
وجه
واللمسة تعيد نظرة
البخار وحده
صديق ما غاب
وما توارى
في أدراج كأس
في ذاكرة اصبع
هنا حيث الصيف يؤلم
لأن تذكر الاشياء اصعب
من نوم
وأقسى من شتاء
وحيث للكلمات
احساس قرن من العتمة
وبالدائرة التي تصنعها بصمة
نرى اتساع الظهيرة
ونحاول امساك ملمح
ما
غادر
كمن ينظر من وراء غابة
كمن يحدق
في ساعة معطلة

نضيّق العين قليلا
لنملأ المسافة بين الشارع والغرفة
بين الشجرة والمقعد
ولنضاعف
عدد العابرين بينهما
هكذا يصبح المرء عجوزا
بأن يضيّق عينيه
قليلا كل يوم
كي يملأ الفراغ
الذي تحدثه
نافذة واحدة
على امتداد حياة
هكذا ضباب
يكفي لاسقاط مطر كثير
على قلوب عدة
من وراء زجاج
بعد ظهيرة صامتة.