& أجرى الحوار في باريس:& مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون
_______________
بدأت الهوّة تنحفر أيضاً بيني وبين الواقع وما يحيط بي
لم أكن أعرف في نفسي أية رغبةٍ لكي أقرأ من جديد ما كنت قرأته. وكانت دراستي الجامعية بمثابة الهاوية التي انفتحت بيني وبين الماضي. كانت الجامعة لِقَتْل الشعر، ولِقَتْل الذائقة الشعرية في آن. وكان التراث يبدو فيها، عِبْرَ طرق التدريس والرؤية والفهم- نقيضاً، لا للحياة وحدها، وانما للانسان وللتقدم، كذلك.
وفي الجامعة نفسها، جامعة دمشق، بدأت الهوّة تنحفر أيضاً بيني وبين الواقع وما يحيط بي. بدأت أرى الحاضر امتداداً لهذا
الماضي الذي تقدمه الجامعة. وأخذ ينمو في نفسي الشعور بأنني أعيش على شفا المكان- أتأرجح، وأكاد أن أهوي. وفي هذا الاطار، بدأتُ أتنبه الى أنه لا يكفي، وبخاصة في الشعر، أن يرجّ الكلام الجسدَ لكي يستيقظ ويتجدد، بل ينبغي أيضاً أن يرجّ الجسد الكلام، لكي يستيقظ هو أيضاً، ويتجدد. وبدأت ألاحظ ان اللغة كالانسان، لها هي كذلك، فواجعها، وأن الفاجعة الكبرى التي تنزل بها هي الكتاب الذي يولَدُ جُثّةً- لا يكون إلا كومةً من الكلمات. وخُيّل اليّ أحيانا أنني أصرخ في أروقة الجامعة" ما أكثر الكتب - الخرائب.
لا يزال ضوءٌ يتوهج في حياتي الجامعية، يتمثل في ثلاثة أساتذة أصبحوا أصدقاء أعتز بصداقتهم: عبد الكريم اليافي، وبديع الكسم، وأنطون مقدسي.
&
ديوان "أزهار الشر" لبودلير
ماذا أقرأ، اذن؟ لم أكن أعرف لغة أجنبية. أمضيت سنة ونصف السنة في مدرسة البعثة العلمانية الفرنسية في طرطوس (اللاييك)، في منتصف الأربعينات. ثم أغلقت المدرسة، بعد أن تمّ جلاء القوات الفرنسية. كنت لا أزال أحفظ بعض الكلمات الفرنسية، ولا أزال قادراً، بصعوبةٍ، على القراءة- قراءة بعض النصوص، غير الصعبة.
اذن، سأقرأ بالفرنسية. وسأقرأ الشعراء الأكثر شهرة.
هكذا بدأت بديوان "أزهار الشر" لبودلير. ليتني احتفظت بالنسخة التي استخدمتها، لأرى فيها العناء الذي كابدته. استخرجت معاني كلماته، كلّها تقريباً، من المعجم، كانت كل صفحة من هذا الديوان شبكة من الكلمات الفرنسية والعربية، ومن الخطوط والأسهمُ والدوائر. ومع ذلك لم أكن أفهم من القصيدة، إلا قليلاً: صورة من هنا، فكرةً من هنالك.
لم أتراجع. على العكس، ازددت اصراراً على المتابعة. واخترتُ أن أقرأ بعد بودلير، ريلكه- في ترجمته الفرنسية. قرأته بِيُسرٍ أكثر، مما يعني أنني أفدتُ من قراءة بودلير.
بعد ذلك لم أفارق الكتب الفرنسية. (أشير هنا الى ما قد يبدو الآن أمراً مُستغرباً: في سنة 1955، أخذت من احدى المكتبات في حلب، حيث أمضيت جزءا من فترة خدمة العلم، مجموعات شعرية لشعراء فرنسيين بينهم رينيه شار، وهنري ميشو، وماكس جاكوب).
عملت هذه القراءة على تعميق الهوّة، وتوسيعها بيني وبين الثقافة التي كانت تسودُ حياتنا. وكثيراً ما كان يخيل اليّ أنني أسمع في داخلي صوتاً يقول لي: استَمْسِكْ، اعتصِمْ، وحاذِرْ أن تسقط في أي شيء، إلا في نفسك، وعليك هنا أن تسقط عمودياً، وأن تسلك الطريق الأكثر رحابة: ما لا قرارَ له، وما لا ينتهي. اذ بدءا من ذلك، تستطيع أن تهبط في أعماق الأشياء.
&
كنت مناوئاً، فكرياً، لنظريات "القومية العربية" و"الوحدة العربية"
تركت سوريا لأسباب سياسية، أولاً. لم تكن تعجبني أفكار النظام آنذاك ولا ممارساته. وكنت مناوئاً، فكرياً، لنظريات "القومية العربية" و"الوحدة العربية"، كما كان يطرحها كتّاب هذا النظام ومفكروه. وقد أمضيت قرابة السنة في سجن المزّة بدمشق، وفي السجن العسكري بالقنيطرة- دون أن أُحاكم. وخرجت، بعد هذه السنة، بريئاً!
وتركتها ثانياً، لكي ألتقي بيوسف الخال. لأنه كتب لي من نيويورك أنه عائد الى بيروت، وأن في نيّته اصدار مجلة تعنى بالشعر العربي، وبالحداثة الشعرية خصوصاً، وأنه سيكون سعيداً بالتعاون معي في اصدار هذه المجلة.
وتركتها ثالثاً، شَغفاً ببيروت- ورجاءً بحياةٍ لا طُغيان فيها.
انها لحظة يتعذر عليّ تقديرها، تلك التي كانت الجسر الذي حملني، ناقلاً حياتي من ضفة الى ضفة، اذ بهذه اللحظة أيضاً، يمكن أن تؤرخ حياتي. كانت بدايةً لأحلافٍ وعهودٍ كثيرة عقدتها مع المستقبل- واثقاً أنه خيرٌ لي أن أحتضن صحرائي وأتابع الهواءَ الذي يحمل رائحة البحر.
ولم أندم. ولم آسف على شيء.
&
اللقاء مع يوسف الخال: كنّا كمثل شخصين أقاما عهداً بينهما
قبل أن ألتقي بيوسف الخال، تعرفت على بيروت شارعاً شارعاً، من الجهات كلها، خصوصاً من جهة البحر.
هذا البحر نفسه الذي قلما رأيته، أعني قلما عرفتُ أن أراه في جبلة واللاذقية وطرطوس، حيث ولدتُ ونشأتُ، أخذ يبدو لي كأنه يتموّج بين أطرافي، وكأن نبض أمواجه يمتزج بنبض أعضائي. كنّا مختلفين فتآلفنا. وكنّا منفصلين فتواصَلْنا.
وكثيراً ما تساءلت في ذات نفسي، فيما كنت أطوفُ شوارعَ بيروت وأزقتها: لِمَ كانت دمشق، وهي العريقة وواحدة بين الأمهات الأوائل- لمَ كانت تبدو لي كأنها لم تُولدَ بعد، أو كأنها خرجت لِتوها من رَحِم زمانٍ لا يزال يَحبو؟ وما السّر الذي كان يكمنُ وراء ما يُنوِّر خطواتي في بيروت، فيما تكتسي قدماي بالغبار؟ ومن أين كانت تجيئني تلك الشهوةُ لكي أتماهى مع الأفقِ، وألبسَ الهواء؟
في الأسبوع الأول من وصولي الى بيروت، أواخر اكتوبر 1956، التقيت بيوسف الخال. ومنذ لقائنا نشأت بيننا صداقة قوية، شعرياً، وانسانياً. وكنّا معاً دائماً- في بيته. كان واعياً وواثقاً أنه سيفتح بهذه المجلة، مجلة "شعر" أفقاً جديداً للشعر العربي. وكان قد تحدث عنها مع أصدقاء وشعراء آخرين.
كان هذا اللقاء الأول بيوسف الخال لقاءَ عمل. كنّا كمثل شخصين أقاما عهداً بينهما، دون أن يعرف أحدهما الآخر، ودون& أن يلتقيا. ولم يكن لقاؤهما إلا لكي يضعا هذا العهد موضعَ الممارسة. هكذا بَدَونا، في لقائِنا، كمثل شخصين تربط بينهما صداقةٌ قديمةٌ، قِدمَ الشّعر. كمثل شخصين يسكنهما هاجسٌ واحدٌ من أجل قضيةٍ واحدة: التأسيس لكتابةٍ شعرية عربية جديدة. كمثل شخصين لا سلاحَ لهما غير الشعر والصداقة والحرية، لكنهما يشعران في الوقت نفسه، أنهما القويّان اللذان لا تغلبهما أية قوة.
&
تأسيس مجلة "شعر"
تحدثنا طويلاً في هذا اللقاء الأول، وحول قضايا كثيرة، لكن في اطار القضية الأساسية: إصدار مجلة خاصة بالشعر، باسم "شعر" (الاسم الذي كان قد استقر عليه، بعد مداولات مع بعض أصدقائه، بينهم خصوصاً، فؤاد رفقه، ونديم نعمه، وخليل حاوي). أعجبني الإسم. وأعجبت في حديثه، بنبرته المتآلفة مع أفكاره. كانت نَبْرةَ شخصٍ مأخوذٍ حتى الهيام، بعملِ شيءٍ للشعر العربي واللغة العربية: شيء يطمح بهِ الى وضع هذا الشعر، من جديد، على خارطة الشعر في العالم، كما عبّر، وكما كان يحب أن يكرر. كان اذن يدعو الى قيام حركة، الى نشر فكرةٍ- عِيْرَ المجلة، وعِبر الشّعر، من أجل الشعر، والابداع الشعري. وتكمن هذه الدعوة وراء آرائه جميعاً، وهي التي قادته الى الانشغال بالمسألة اللغوية، وبخلق أشكال جديدة للتعبير. أقول: دعوة، لكن دون أي ادعاء رساليّ، ودون أي انغلاقٍ ايديولوجي.
لم يكن الأمر سهلاً. كان، على العكس، صعباً جداً من جميع النواحي، وعلى جميع المستويات. كان المناخ الشعريّ العربي أشبه بحوضٍ ضَخمٍ يطفح بماءٍ يتدفق من ثلاثة مجارٍ:
- الموروث، لكن الذي يُفهم خطأ، والذي يُدرّس في المدارس والجامعات، باختيار غير بصيرٍ، وبمعايير تقليدية، وبطرق لا تطمس الشعر وحده، وإنما تقضي كذلك على الحس الشعري، والذائقة الشعرية.
- المجرى الثاني يتمثل في الشعر الذي استكمل "عصر النهضة"- شعر شوقي ومطران وحافظ ابراهيم، يضاف اليهم أحياناً بدوي الجبل والجوهري اللذان كان لهما وضعٌ خاصٌ يجعل منهما حلقة وَصْلٍ بالجيل الذي تلا جيل شوقي: الأخطل الصغير، أمين نخله، ابراهيم ناجي، محمود حسن اسماعيل، عمر أبو ريشه وسعيد عقل، تمثيلاً لا حصراً (الغاية هنا هي اعطاء فكرة عامة، لا تعداد الأسماء).
&
شعر "التقدم" و"اليسارية" خناجر في جسد اللغة العربية
- المجرى الثالث هو الشعر الناشئ، باسم "الشعر الحر". وما كان يفاجئنا، بشكل خاص، هو هذا المجرى الأخير. فقد كان في معظمه، وبخاصة ذلك الذي اتسم بِـ "التقدم" و"اليسارية"...الخ، أشبه بأثقال من الحديد على الألسنة وفي الحناجر: كان شعراً يكتب باسم التحرر، باسم قضايا انسانية عظيمة أكاد أن أسمعها تئن حتى الآن، تحت وطأة تلك الأثقال. كان في معظمه بليداً، عقيماً. وكنت أشعر، فيما أقرؤه، أن كل كلمةٍ من كلماته خَنجرٌ في جسد هذه الأمّ العظيمة الجميلة: اللغة العربية.
كان هذا كلّه يدور في ذهني، فيما نتحاور. وكنت بين وقتٍ وآخر، فيما أصغي اليه، أتساءل صامتاً: ماذا يقدر يوسف الخال (الذي اتهم، قبل أن يبدأ بارتكاب "جريمته"، بأنه "مخرّب" و"عميل" وأُتهمت معه طبعاً، اضافة الى بعضٍ من أصدقائنا)،- ماذا يقدر أن يفعل في هذا المناخ، وكيف سيجابهه؟
شربنا احتفاءً بلقائنا، وسألني بما يشبه الصّمت:
- ما رأيك؟
قلت:
- أنا معك.
وفي مطلع 1957، صدر العدد الأول من مجلة "شعر".
العدد الأول:& كان صدوره فاتحةَ هجومٍ صاعق، ومن جميع الجهات. كان المهاجمون كُثراً ومتنوعين: مزيجاً غريباً من الأشخاص: متشاعرين، شعراء، متحزبين، متعهدي وطنيّات وايديولوجيات، متسكعين حول شُرفات ٍينحصر طموحهم في أن يقال عنهم إنهم قذفوا الشتائم في اتجاهها. كانت لغة الهجوم مليئة بكلماتٍ تخرج من أفواههم، كأنها قطعٌ من الوَحْل.
لم نحزن على حالنا من هذا الهجوم، وانما حزنا على الثقافة والوسط الثقافي. حزنا على العقلية الكامنة وراءهما. حزنا على مستوى التفكير، ومستوى الاخلاق: فلم تبق شتيمة أو تهمة إلا وُجهت إلينا.
كنا ننتظر معارضة لمشروعنا- معارضةً في مستوى الشعر، تنتقد آراءنا، تنبّه الى أخطائنا، تقترح علينا ما تراه الأفضل والأعمق. معارضة توجهنا نحو ما يفيدنا في متابعة عملنا من أجل الشعر العربي. ولم يخطر ببالنا أن تكون ردّة الفعل ضد المجلة، شرسةً وغبيّة الى ذلك الحدّ. شرسة: لأن التهم التي وجهت الينا كانت نوعا من القتل المعنوي (رجعية، مؤامرة، تبعية للاستعمار، خيانة..الخ) مما يحرّض على القتل المادي.
وغبية: لأن معظم المهاجمين لم يبحثوا المسألة الشعرية. وقد بدا لنا، مِمّا قالوه وكتبوه، أنهم لم يقرأونا. وأنهم، على افتراض أنهم& قرأوا، لا يعرفون أن يقرأوا، ولا يعرفون أن يفكروا. ولا يعرفون أن يكتبوا. وليست لهم، فوق ذلك، أية علاقةٍ بالشعر- سواء من حيث التذوق، أو من حيث المعرفة.
&
كنّا نظن أن العالم أُعطي لنا لكي نتنافس في بنائه
بدا لنا أن الشعر، بالنسبة اليهم، ليس إلا "مدحاً" أو "هجاءً"، وأنهم لا ينتظرون من الشاعر إلا أن يكون إما فَرّاشاً أو سجّاناً: يوزع المدائح، أو يوزع السَّلاسل.
والحق أن هذا الهجوم لم يكن انتصاراً للشعر، أو دفاعاً عنه، إذ لا يستطيع الانسان أن يخدم قضيةً يجهلها، وانما كان انتصاراً لسياسات معينة وايديولوجيات معينة، ولم يكن الشعر زهرة اللغة، لغةُ اللُّغة، والتعبير الأعمق عن الانسان العربي،- لم يكن، بالنسبة الى هؤلاء المهاجمين، إلا تُكأة وحجة. وكانوا في هجومهم يعملون من أجل ثقافةٍ لا تعرف من اللغة والثقافة إلا شيئاً واحداً: أن تزوّج الكلمة للسجن.
كنّا ننتظر أن يكون النقد الذي يتناول مشروع المجلة عملاً: أن ينشيء الناقدون مجلة أخرى أفضلَ وأكمل، وأن يكتبوا شعراً أجمل مما نكتب. وكنّا نظن أن العالم أُعطي لنا لكي نتنافس في بنائه، لا لكي يهدم بعضنا بعضاً. كنّا نظن أن هذه الفترة القصيرة من بقاء الفَرْد البشري على الأرض، والتي أعطيت له مرة واحدة والى الأبد، فترة فريدةٌ وغاليةٌ، لا يجوز أن نملأها بالأحقاد والصغائر، بل يجب أن نملأها بما يزيد الأرض والانسان بهاءً ووحدةً وقوة. وكنّا نعتقد أن الخلاقين، خصوصاً الشعراء والفنانين والمفكرين، موكبٌ واحدٌ متآلف في ليل العالم، مهما تنوعت آراؤهم واتجاهاتهم، ومهما تعددت، وتباينت.
أقول كنّا نظن- وهكذا كان علينا أن نتحمل "إثمَ الظنّ".
&
*&نشر هذا الحوار باللغة الانكليزية في مجلة "بانيبال" المختصة بترجمة الأدب العربي الحديث. والصيغة المنشورة أعلاه مستمدة من عشرات الاسئلة التي أجاب عليها الشاعر . وننشره هنا بالاتفاق مع "بانيبال".