& &أجرى الحوار في باريس:& مارغريت أوبانك وصموئيل شمعون
_______________
اصدرنا مجلة "شعر" فاتهمونا بالعمالة لأميركا
وكان صدور العدد الأول، وقد أشرفنا على إنجازه معاً في مطبعة الريحاني، اذ لم يكن للمجلة مكتب، كان كما أشرت كمثل حدّ فاصل: بعضهم من العروبيين واليساريين الذين كانوا ملتفين حول مجلة "الآداب" التي قامت، بدون شك، بدورٍ مهم في حركة الشعر العربي الحديث، أعلن مباشرة حرباً شعواء على مجلة "شعر" ولم يوفروا تهمة إلا أسندوها اليها، بدءا من هدم التراث، ومناوأةِ العروبة، مروراً، بالاقليمية الضيّقة، وبالانتماء الى افكار انعزالية همّها الأول& العداء للقومية العربية، ولحركة التحرر العربي اجمالاً، وانتهاءً بِـ "العمالة" لأميركا.
وبعضهم الآخر من اللبنانيين، وعلى رأسهم سعيد عقل، صمتوا استخفافاً بالمجلة، واستهانة بما تطمح الى تحقيقه.
وبعضهم، وكانوا قِلّةً، أعجبوا بها والتفوا حولها. أنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وجورج غانم، انضموا الى المجلة لاحقاً، بعد فترة قصيرة من صدورها.
غير أن العدد الأول مُنع في جميع البلدان العربية- وكانت الحملة عليها في سورية، بخاصة، عنيفة جداً.
&
نشرنا للشيوعي سعدي يوسف ولنقيضه بدوي الجبل
كان يوسف الخال واثقاً من عمله، وكنت أشاركه هذه& الثقة. ولم يُفاجأ كثيراً بردود الفعل المعادية، وكان يرى فيها بعدا سياسيا، على الأخص. شعرياً، ومنذ العدد الأول، قدمت المجلة نفسها على أنها مختبر منفتح، أو ملتقى للأصوات الشعرية العالية، أياً كانت اتجاهاتها، الايديولوجية أو الشعرية. ضم العدد الأول، على سبيل المثال، قصيدة تفعيلية (حديثة) لشاعر شيوعي، سعدي يوسف، وضمّت، بالمقابل، قصيدة لشاعرٍ، على الطرف النقيض، فكراً& وشعراً، هو بدوي الجبل، وهي قصيدة كلاسيكية من طراز نادرٍ ورفيع. هكذا لكي تؤكد أنها ليست "قطيعة" مع التراث، وليست "هَدْماً" له، وإنما هي أفق آخر في شعرية اللغة العربية، وهو أفقٌ يتآخى مع الآفاق الأخرى، ومن ضمنها أفق الفترة التأسيسية، فترة ما قبل الاسلام. وكل ما ركزت عليه هو أن هذا الأفق الذي تفتتحه، يُوسع حدود الشعر، التي وضَعها أسلافنا، ومن ثم يطرح مفهوماً آخر للشعر، يتسع للكتابة الشعرية خارج الوزن- أو لكتابة الشعر، نثراً، شريطةَ أن يَخرُجَ النثر من نثريتهِ. ولهذا ركزت في هذا المفهوم، لا على الوزن، بل على طبيعةِ اللغة الشعرية- وعلى جماليتها.
&
أنسي الحاج، وسركون بولص، وفؤاد رفقه، وشوقي أبي شقرا، نشأوا في أحضان مجلة "شعر"
وكانت المجلة مكاناً يلتقي فيه الشعر العربي بشعر الآخر غير العربي، مما يمكن أن يُعدّ استمراراً لما قام به الفلاسفة العرب ، في علاقتهم بالفلسفة اليونانية. فقد جعلوا من الآخر اليوناني عنصراً تكوينياً في نظرهم الفلسفي. ومن هنا كانت تمثل انفتاحاً فنياً وثقافياً، يذكر باللحظات العُليا من تاريخ العرب في انفتاحهم على ثقافات الشعوب الأخرى.
وكانت المجلة الى ذلك مناخاً لمسلكية شعرية جديدة. فقد أنشأت ندوة أسبوعية باسم "خميس شعر" كان الشعراء المقيمون والضيوف العابرون يلتقون فيها، ويقرأ من يشاء منهم آخر ما كتبه، أو بعض ما كتبه، ثم يتناقش الجميع في ما سمعوه، بحرية كاملة، ومحبة كاملة.
وكشفت المجلة عن مواهب كثيرة، واحتضنت شعراء، وأطلقت آخرين. ان شعراء مثل أنسي الحاج، وسركون بولص، وفؤاد رفقه، وشوقي أبي شقرا، تمثيلاً لا حصراً، نشأوا في أحضان مجلة "شعر". وساعدت الكثيرين في نشر نتاجهم الشعري. وصدرت عنها أهم المجموعات الشعرية العربية التي لا تزال تهيمن على اللغة الشعرية العربية، بشكل أو بآخر، قليلاً أو كثيراً. بدءا من "انشودة المطر"، ومرورا بـ "أغاني مهيار الدمشقي" و"النهر والرماد"، و"البئر المهجورة" وانتهاءً بـ "لن"، تمثيلاً لا حصراً.
وكانت المجلة في هذا كله المنارة، والطريق الملكية الى حداثة الشعر العربي.
&
ثمة شعرية عربية عالية، غير أنها قليلة
ربما أخالف الكثيرين في الرأي. فأنا اعتقد ان المشهد الشعري العربي غني، على الرغم من أنه قليل التنوع. وليست المسألة في الكم العددي. بل في النوعية. وأظن أن ثمة نوعية شعرية عالية، غير أنها قليلة. وأنا هنا أتحدث، بخاصة، عن الشعراء الذين تلوا حركة مجلة "شعر"، ويملأون الساحة الشعرية اليوم.
وأعتقد& أنه سيكون أمراً غير تاريخيٍ، وغير حقيقي، كل حديث عن الشعر العربي اليوم لا يَرى أن التأثير الأول في هذا الشعر نابعٌ من هذه المجلة. وهو تأثيرٌ لا يتصل بطرق التعبير وحدها، وانما يشمل كذلك قضايا النظر الى الشعر، والى المشكلات التي يطرحها الابداع الشعري، بعامة.
&
"مهيار" مثل "زرادشت" نيتشة و"فاوست" غوتة و"مالدورور" لوتريامون
لا أعرف شاعراً عربياً قديماً ابتكر شخصية رمزية لكي يتحدث، باسمها وعبرها، عن شواغله وأفكاره ورؤاه. نجد ذلك ، على العكس، في تراثنا النثري: كليلة ودمنة لابن المقفع، على سبيل المثال.
هكذا، لا شك في أن وراء ابتكاري لشخصية "مهيار الدمشقي"، تأثراُ بنماذج غربية: زرادشت نيتشه، فاوست غوته، مالدورور لوتريامون.
وهناك بعض النقاد العرب خلطوا بين شخصية "مهيار الدمشقي" والشاعر مهيار الديلمي، وليس ما يجمع بينهما غير الاسم "مهيار". ما عدا ذلك، لا صلة بينهما، اطلاقاً، على أي مستوى.
وقد أردت من ابتكار هذه الشخصية أن أخرج من الخطاب الذاتي الشعري المباشر، وأن أقول عالمنا بلغةٍ غير ذاتية، لغة رمزية تاريخية- موضوعية، ينطق بها شخصٌ-رمزٌ وأسطورة في آن. وهو، في ذلك أكثر من قناع. انه بؤرة تتلاقى فيها أبعاد الثقافة العربية، في شاغلٍ رئيسي محوري: تجاوز العالم العربي القديم، الى عالم عربيّ جديد.
&
"مهيار الدمشقي" مرحلة فاصلة في الكتابة الشعرية العربية الحديثة
كتاب "أغاني مهيار الدمشقي" هو، في ذلك، مرحلة فاصلة في الكتابة الشعرية العربية الحديثة. ونعرف كيف تكاثر، بعده اللجوء في كتابة الشعر لاحقاً، الى الرموز والأقنعة التاريخية.
وكان لاقامتي في باريس دور كبير في هذا الكتاب. فهذه الاقامة أتاحت لي أن أقيم مسافة بيني وبين المكان الذي أجيء منه وأنتمي اليه. أتاحت لي، بتعبير آخر، أن أحسنَ فهمه، وأحسن الاصغاء اليه. وهذا مما أتاح لي، بدوره، أن أزداد تعلقاً به، وأن يتعمق انتمائي اليه. فالبعدُ عن هذا المكان هو الذي قرّبني اليه.
وساعدتني هذه الاقامة على رؤية مكان آخر مختلفٍ على جميع الأصعدة، وعلى الاتصال الحيّ بشعرائه، وتراثه، وأجوائه، ومناخاته وابداعاته. وهذا كله كان بالنسبة اليّ كمثل مرآة ابتكرها الآخر، وأرى، فيما أنظر اليها، الى تاريخي وثقافتي، والى نفسي أولاً، مِمّا وَلّد تأثيرات متنوعة.
&
"الكتاب" مثل شريط سينمائي جامع
هذا التحول بدأ في "كتاب التحولات والهجرة في أقاليم النهار والليل"، وكانت القصائد الثلاث اللاحقة التي صدرت في مجموعة خاصة بعنوان "وقت بين الرماد والورد" ذروة هذا التحول. والقصائد الثلاث هي: "هذا هو اسمي"، "مقدمة لتاريخ ملوك الطوائف"، و"قبر من أجل نيويورك".
ففي هذه القصائد نرى، عدا البنية التشكيلية الشبكية- المسرحية، تخطيّاً للنوع، أي مَزْجاً بين الشعر والنثر، مما لم يكن معهوداً ولا مقبولاً في الكتابة الشعرية. فهذه القصائد هي أيضاً تحوّل حاسمٌ في هذه الكتابة نفسها. ويمكن بسهولة أن نرى تأثيرها البالغ، في الكتابات العربية اللاحقة.
وليس "الكتاب: أمسِ، المكان، الآن" إلا إيغالاً في هذا التحول. حيث أصبحت القصيدة الغنائية القصيرة- المفردة، ضيقة على الشعر. ولم تعد تَتّسع له إلا مساحةٌ بحجم التاريخ. هكذا يتمسرح التاريخ العربي في هذا الكتاب، كأنه شريط سينمائي جامع، ترى في كل منظر منه، أي على كل صفحةٍ من هذا الكتاب، كيف تتقاطع الأزمنة الثلاثة، وكيف يتلاقى الذاتي والموضوعي، وكيف يتصارع القديم والجديد.
فليس هذا الكتاب مجرد "حفر أركيولوجي في الجانب المظلم من التاريخ العربي" كما تعبّر، وإنما هو حفرٌ شاملٌ في هذا التاريخ، بوصفه كلاًّ لا يتجزأ، بجوانبه المظلمة وجوانبه المضيئة على السواء. اضافة الى ذلك الصوت الخافت، تحت التاريخ أو على هامشه، أو ما وراءه- والذي أصفه بأنه صوتٌ من لا أحدٍ، لأنه صوتٌ الكلّ. وهو ما يتمثل، على نحو خاص، في القسم الأسفل من مَتْن كل صفحة في الكتاب.
&
صوفية المنهج، لا صوفية الإيمان الديني
لا أريد أن أكرر ما قلته في هذا الكتاب. وأشير أولاً الى أن الصوفية التي أتحدث عنها انما هي صوفية المنهج، لا صوفية الإيمان الديني. فأنا أتحدث عنها بوصفها طريقةً، لا بوصفها تديناً أو مضمونا دينيا. كما يمكن الحديث، مثلاً، عن الأفلاطونية أو عن الهيغلية، أو عن الماركسية، بوصفها طريقةً في مقاربة العالم، وبصرف النظر عمّا يقوله أو يؤمن به أفلاطون أو هيغل أو ماركس.
هكذا أوجز أسس الطريقة الصوفية في مقاربة العالم:
&أولاً: "الظاهر"، ظاهر العالم والأشياء، ليس مكاناً للحقيقة، أو للمعرفة الحقيقية، ولا مصدراً. هذا المكان وهذا المصدر نجدهما في "الباطن"- باطن العالم والأشياء.
و"الباطن" هنا يقابل، في السوريالية، ما يسمى بـ "ما وراء الواقع".
ثانيا: "الظاهر" متغير عابرٌ، مُنتهٍ. أما "الباطن" فحركةٌ لا نهائية. وتبعاً لذلك، ليست "الحقيقة" نقطة ثابتة، نصل اليها ونقبض عليها. وإنما هي انبثاق لا نهائيٌ، في تجليات لا نهائية. وهي، اذن، ليست جاهزة، وإنما هي اكتشافٌ دائمٌ.
وتأسيساً على ذلك، فإن المعرفة لا نهائية.
ثالثاً: اكتشاف الحقيقة يحتم على الانسان أن يتجرد من "الظاهر"، وأن يتعالى على جسده، أو أن "يقتله"، لكي يتحول الى شفافية خالصة تمكنه من الوصول الى شفافية "الباطن"، حيث تكمن الحقيقة.
ويَصل الصوفي الى هذه الحالة من التطابق بين الشفافتين: شفافية الذات، وشفافية المادة، بأنواع من التدرب والرياضة "تميت" الجسد و "الظاهر". (ويصل اليها السوريالي، اصطناعاً، بأنواع من التخدير).
&
"كلّ مكانٍ لا يؤنث لا يُعوَّل عليه"
رابعاً: في نقطة التطابق هذه بين الشفافيتين (ويسميها أندريه بريتون: النقطة العليا) تزول الفروقات والتناقضات بين الأدنى والأعلى، بين الظاهر والباطن، وتتم "الوحدة" بين الانسان والله عند الصوفي (تتم المعرفة الحقيقية، عند السوريالي، أو يتم الكشف)،
خامساً: هذه النقطة هي مكان الانخطاف، مكان لا سيطرة فيه للعقل، أو للجسد، أو للظاهر، وهي التي تتيح للصوفي أن يكتبَ شطحاته، بوصفها إملاءً من فَم الغَيبِ الكوني. ( و"الكتابة الآلية" عند السورياليين هي ما يقابل "الشطح" عند الصوفيين).
(استطراداً: سقطت جميع الكتابات الآلية السوريالية، وليست لها أية قيمة شعرية. أما الشطح الصوفي فلا يزال اشعاعه الشعري متوهجاً كأنه كتب اليوم).
سادسا: ليس للكون حدّ. ليس للحقيقة ولا للمعرفة حدُّ. والكون في ولادة دائمةٍ، وتجدد دائم. والانسان في هذا كله المركز والمحور. انه الكون مصغراً. وفيه "ينطوي العالمُ الأكبر".
أكتفي بهذا القدر. ومن أراد أن يتوسع فما عليه إلا أن يرجع الى كتاب "الصوفية والسوريالية" - ليرى أيضاً مكان المرأة- الأنوثة ودورها في الوصول لا الى المعرفة والحقيقة، وحدهما، وإنما أيضاً الى "الألوهة"- خصوصاً أن "كلّ مكانٍ لا يؤنث لا يُعوَّل عليه"، كما يقول ابن عربي.

((يتبع))
*&نشر هذا الحوار باللغة الانكليزية في مجلة "بانيبال" المختصة بترجمة الأدب العربي الحديث. والصيغة المنشورة أعلاه مستمدة من عشرات الاسئلة التي أجاب عليها الشاعر . وننشره هنا بالاتفاق مع "بانيبال".