&
"انها محاولة اذلال" عبارة لم يكف الدكتور ماريو عون عن تردادها لمن كانوا يتصلون مطمئنين اليه بعد 36 ساعة من التوقيف والاعتقال.
ليست المرة الاولى التي يعتقل فيها ناشطون في "التيار الوطني الحر" ومناصرون له، لكنها سابقة خطيرة في امرين:
1- التهم الموجهة الى هؤلاء.
2- اعتقال اعضاء في نقابات المهن الحرة من اطباء ومهندسين ومحامين، مما حول القضية من مجرد توقيفات واعتقالات حزبية الى معركة حريات عامة تنادى المجتمع للدفاع عنها وصونها وحماية مستقبلها.
الثلثاء الفائت يوم لن ينساه العونيون. قرابة الخامسة والنصف بعد ظهر ذلك النهار، كان موعدا لاجتماع عادي للهيئة العامة في التيار، برئاسة اللواء نديم لطيف للبحث في ثلاث نقاط رئيسية:
- الاعضاء الذين تم توقيفهم بتهمة توزيع مناشير، وتعيين محامين لهم.
- تقويم زيارة البطريرك صفير للشوف.
- تعديل بعض البنود التنظيمية.
و"فجأة حصل ما لم نكن نتصور ان يحصل بهذه الطريقة الوحشية: جماعات عسكرية تدخل المكاتب وتهاجم على طريقة رمبو: كلكم وراء الطاولة، اعطونا هواتفكم الخلوية. بعثروا محتويات المكاتب، عبثوا في الاوراق والملفات والكومبيوترات. وتحولت المكاتب ثكنة عسكرية، واصبح بجانب كل فرد عنصر عسكري يمسكه بيده بقوة. انزلونا جميعا الى شاحنات الريو مثل السردين. سألناهم اذا كانوا يحملون استنابات قضائية فأجابونا: ما بيخصكم وقفوا على جنب!".
ويتابع عون، وهو المسؤول عن التيار في منطقة الشوف: "كانوا يقودون الشاحنة بسرعة جنونية على طريقة فرق المواكبة، الى ان وصلنا الى مركز المكافحة قرب وزارة الدفاع حيث انزلونا ووضعونا في هنغار حام مثل الفرن وسقفه من الالومينيوم، مساحته نحو 120 مترا مربعا وارضه مليئة بالتراب والغبار والرمل، مما ادى الى اثارة الحساسية واحمرار العيون وسيلان الدموع لدى البعض، وتسبب بالتقيؤ لدى البعض الاخر. صحيح اننا كنا طبيبين موجودين، الدكتور كميل خوري وانا، لكننا لم نتمكن من صنع شيء سوى اسداء بعض النصائح الى الشباب، كما طلبنا بعض الحبوب المسكنة من اجلهم فلبوا طلبنا بعد نحو ساعتين".
كيف مرت الليلة الاولى؟
يجيب عون: "كنا نحو ثمانين شخصا، اضافة الى اللواء لطيف ونحو 7 شابات. صادروا منا كل شيء، حتى ساعات اليد، فلم نعد نعرف الوقت. اعطونا زجاجة ماء واحدة توزعت على كل الافواه، وكانوا يوجهون الينا الاوامر بطريقة عسكرية فنقف صفوفا. نمنا على الارض من دون اي حرامات او بطانيات. وشخصيا، بقيت 14 ساعة من دون ماء ولم آكل شيئا، كما لم اجلس ارضا لانني ارفض ان اعامل كحيوان. لم نفهم التهم الموجهة الينا، ولم نعرف لماذا اعتقلنا، لم يقولوا لنا شيئا. كنا منقطعين نهائيا عن الاخبار. لم ندر ما كان يحصل في الخارج، وكنا نتساءل ان كان ثمة من يسأل عنا.
اليوم التالي بدا مختلفا. فالشباب شطفوا الهنغار والحمامات تحت انظار الحراس. اما الطعام فكان طبقا من الارز يغرف منه الجميع بالخبز. وقبل الظهر، عصبوا عيون بعض المحامين واخذوهم الى التحقيق، ولم نعد نعرف عنهم شيئا. ثم اضيف الينا 12 شابا من عناصر "القوات اللبنانية" في الكحالة، واخبرونا عن ردود الفعل والندوة التلفزيونية على شاشة "ام. تي. في"، فاطمأن بالنا".
لكن اين الاستجوابات؟ وماذا تضمنت الاسئلة المطروحة؟
يوضح عون "ان الاستجواب لم يبدأ سوى بعد الظهر في مكتب للتحقيق في الساحة. واستدعي البعض مرتين وثلاثا. سألوني عن نشاطاتي السياسية، وهل انتمي الى اي حزب سياسي، وعن مسؤولياتي في التيار، وهل اتصل بالعماد (ميشال) عون، وما علاقتي به، مباشرة ام عبر الهيئة العامة، ومدى علاقتي المميزة باللواء لطيف. بعض الشباب وجدوا معهم اوراقاً تحمل شعار "اصدقاء سليم عون" التي استعملت في انتخابات نقابة المهندسين او "اصدقاء فؤاد فرحات" التي استخدمت كذلك في معركة نقابة الاسنان، فاحيلوا على القضاء العسكري".
وعن سؤالنا كيف عرف بأنه سيطلق يجيب: "بعد الاستجواب دعيت الى مكتب الضابط، وكان نائب نقيب الاطباء الدكتور جو كنعان موجوداً، وطلب الافراج عني لدواع صحية كوني خضعت في السابق لعملية قلب مفتوح، لكنهم رفضوا. واخبرني ان مدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم رفض السماح بالكشف لاي طبيب، على ان ينتدبوا هم طبيباً من قبلهم، فحملهم الدكتور كنعان مسؤولية تعرضي والدكتور خوري الذي يعاني الضغط والسكري، لاي انتكاسة صحية.
ثم دخل ضابط وبعض العسكريين فنادوني بالاسم ووضعوني في غرفة مجاورة بمفردي، وكرت السبحة واصبحنا نحو خمسين شخصاً. وقرابة العاشرة ليلاً نادوني والدكتور خوري الى مكتب الرائد، وتغيرت المعاملة. فاعطونا مياهاً للشرب وقالوا لنا انها مجرد اجراءات شكلية. منتصف الليل نقلونا الى وزارة الدفاع وقالوا انهم سيوصلوننا الى مستديرة الصياد. فطلبت نقلنا الى مستشفى سان شارل حيث اعمل، ومنها طلبت سيارة الاجرة الى انطلياس حيث سياراتنا متوقفة منذ يومين". وبعد الافراج عنه يقول عون: "دخلت وخرجت من دون ان افهم الاسباب".
لطيف
في هذه الفورة، لا بد من السؤال عن اللواء لطيف. كيف هو؟ كيف تم اقتياده؟ كيف تصرف وما كان رد فعله؟
يبدو ان اللواء لم يفقد وقاره، وبحسب ما يخبرنا الدكتور عون "ان اللواء عرّف عن نفسه، لكن الجواب اتى سريعاً، "ما بيهمنا". وضعوه معنا في الشاحنة ثم في الهنغار، وكانوا ينادونه باسمه فقط من دون اي احترام لرتبته العسكرية. كان متأثراً جداً، ومذهولاً لم يصدق ما يحصل من تكسير وتهشيم في المكتب. كان صامتاً طوال الطريق، وفي الهنغار جلس في احدى الزوايا وحيداً يفكر. بدا مضطرباً ويداه ترتجفان طوال الوقت، وقد شعر بارهاق شديد. واحياناً كان يتوجه الى الشباب لتهدئة خواطرهم. ونحو الحادية عشر ليلاً فصلوه عنا الى وزارة الدفاع لمزيد من التحقيق".
العديد من الناشطين لا يزالون في السجون، والكثيرون من الامهات والاخوات والاباء لا يزالون ينتظرون من ربوهم بدموع العين، في الخارج... في السجن الكبير! (النهار)
ليست المرة الاولى التي يعتقل فيها ناشطون في "التيار الوطني الحر" ومناصرون له، لكنها سابقة خطيرة في امرين:
1- التهم الموجهة الى هؤلاء.
2- اعتقال اعضاء في نقابات المهن الحرة من اطباء ومهندسين ومحامين، مما حول القضية من مجرد توقيفات واعتقالات حزبية الى معركة حريات عامة تنادى المجتمع للدفاع عنها وصونها وحماية مستقبلها.
الثلثاء الفائت يوم لن ينساه العونيون. قرابة الخامسة والنصف بعد ظهر ذلك النهار، كان موعدا لاجتماع عادي للهيئة العامة في التيار، برئاسة اللواء نديم لطيف للبحث في ثلاث نقاط رئيسية:
- الاعضاء الذين تم توقيفهم بتهمة توزيع مناشير، وتعيين محامين لهم.
- تقويم زيارة البطريرك صفير للشوف.
- تعديل بعض البنود التنظيمية.
و"فجأة حصل ما لم نكن نتصور ان يحصل بهذه الطريقة الوحشية: جماعات عسكرية تدخل المكاتب وتهاجم على طريقة رمبو: كلكم وراء الطاولة، اعطونا هواتفكم الخلوية. بعثروا محتويات المكاتب، عبثوا في الاوراق والملفات والكومبيوترات. وتحولت المكاتب ثكنة عسكرية، واصبح بجانب كل فرد عنصر عسكري يمسكه بيده بقوة. انزلونا جميعا الى شاحنات الريو مثل السردين. سألناهم اذا كانوا يحملون استنابات قضائية فأجابونا: ما بيخصكم وقفوا على جنب!".
ويتابع عون، وهو المسؤول عن التيار في منطقة الشوف: "كانوا يقودون الشاحنة بسرعة جنونية على طريقة فرق المواكبة، الى ان وصلنا الى مركز المكافحة قرب وزارة الدفاع حيث انزلونا ووضعونا في هنغار حام مثل الفرن وسقفه من الالومينيوم، مساحته نحو 120 مترا مربعا وارضه مليئة بالتراب والغبار والرمل، مما ادى الى اثارة الحساسية واحمرار العيون وسيلان الدموع لدى البعض، وتسبب بالتقيؤ لدى البعض الاخر. صحيح اننا كنا طبيبين موجودين، الدكتور كميل خوري وانا، لكننا لم نتمكن من صنع شيء سوى اسداء بعض النصائح الى الشباب، كما طلبنا بعض الحبوب المسكنة من اجلهم فلبوا طلبنا بعد نحو ساعتين".
كيف مرت الليلة الاولى؟
يجيب عون: "كنا نحو ثمانين شخصا، اضافة الى اللواء لطيف ونحو 7 شابات. صادروا منا كل شيء، حتى ساعات اليد، فلم نعد نعرف الوقت. اعطونا زجاجة ماء واحدة توزعت على كل الافواه، وكانوا يوجهون الينا الاوامر بطريقة عسكرية فنقف صفوفا. نمنا على الارض من دون اي حرامات او بطانيات. وشخصيا، بقيت 14 ساعة من دون ماء ولم آكل شيئا، كما لم اجلس ارضا لانني ارفض ان اعامل كحيوان. لم نفهم التهم الموجهة الينا، ولم نعرف لماذا اعتقلنا، لم يقولوا لنا شيئا. كنا منقطعين نهائيا عن الاخبار. لم ندر ما كان يحصل في الخارج، وكنا نتساءل ان كان ثمة من يسأل عنا.
اليوم التالي بدا مختلفا. فالشباب شطفوا الهنغار والحمامات تحت انظار الحراس. اما الطعام فكان طبقا من الارز يغرف منه الجميع بالخبز. وقبل الظهر، عصبوا عيون بعض المحامين واخذوهم الى التحقيق، ولم نعد نعرف عنهم شيئا. ثم اضيف الينا 12 شابا من عناصر "القوات اللبنانية" في الكحالة، واخبرونا عن ردود الفعل والندوة التلفزيونية على شاشة "ام. تي. في"، فاطمأن بالنا".
لكن اين الاستجوابات؟ وماذا تضمنت الاسئلة المطروحة؟
يوضح عون "ان الاستجواب لم يبدأ سوى بعد الظهر في مكتب للتحقيق في الساحة. واستدعي البعض مرتين وثلاثا. سألوني عن نشاطاتي السياسية، وهل انتمي الى اي حزب سياسي، وعن مسؤولياتي في التيار، وهل اتصل بالعماد (ميشال) عون، وما علاقتي به، مباشرة ام عبر الهيئة العامة، ومدى علاقتي المميزة باللواء لطيف. بعض الشباب وجدوا معهم اوراقاً تحمل شعار "اصدقاء سليم عون" التي استعملت في انتخابات نقابة المهندسين او "اصدقاء فؤاد فرحات" التي استخدمت كذلك في معركة نقابة الاسنان، فاحيلوا على القضاء العسكري".
وعن سؤالنا كيف عرف بأنه سيطلق يجيب: "بعد الاستجواب دعيت الى مكتب الضابط، وكان نائب نقيب الاطباء الدكتور جو كنعان موجوداً، وطلب الافراج عني لدواع صحية كوني خضعت في السابق لعملية قلب مفتوح، لكنهم رفضوا. واخبرني ان مدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم رفض السماح بالكشف لاي طبيب، على ان ينتدبوا هم طبيباً من قبلهم، فحملهم الدكتور كنعان مسؤولية تعرضي والدكتور خوري الذي يعاني الضغط والسكري، لاي انتكاسة صحية.
ثم دخل ضابط وبعض العسكريين فنادوني بالاسم ووضعوني في غرفة مجاورة بمفردي، وكرت السبحة واصبحنا نحو خمسين شخصاً. وقرابة العاشرة ليلاً نادوني والدكتور خوري الى مكتب الرائد، وتغيرت المعاملة. فاعطونا مياهاً للشرب وقالوا لنا انها مجرد اجراءات شكلية. منتصف الليل نقلونا الى وزارة الدفاع وقالوا انهم سيوصلوننا الى مستديرة الصياد. فطلبت نقلنا الى مستشفى سان شارل حيث اعمل، ومنها طلبت سيارة الاجرة الى انطلياس حيث سياراتنا متوقفة منذ يومين". وبعد الافراج عنه يقول عون: "دخلت وخرجت من دون ان افهم الاسباب".
لطيف
في هذه الفورة، لا بد من السؤال عن اللواء لطيف. كيف هو؟ كيف تم اقتياده؟ كيف تصرف وما كان رد فعله؟
يبدو ان اللواء لم يفقد وقاره، وبحسب ما يخبرنا الدكتور عون "ان اللواء عرّف عن نفسه، لكن الجواب اتى سريعاً، "ما بيهمنا". وضعوه معنا في الشاحنة ثم في الهنغار، وكانوا ينادونه باسمه فقط من دون اي احترام لرتبته العسكرية. كان متأثراً جداً، ومذهولاً لم يصدق ما يحصل من تكسير وتهشيم في المكتب. كان صامتاً طوال الطريق، وفي الهنغار جلس في احدى الزوايا وحيداً يفكر. بدا مضطرباً ويداه ترتجفان طوال الوقت، وقد شعر بارهاق شديد. واحياناً كان يتوجه الى الشباب لتهدئة خواطرهم. ونحو الحادية عشر ليلاً فصلوه عنا الى وزارة الدفاع لمزيد من التحقيق".
العديد من الناشطين لا يزالون في السجون، والكثيرون من الامهات والاخوات والاباء لا يزالون ينتظرون من ربوهم بدموع العين، في الخارج... في السجن الكبير! (النهار)
&













التعليقات