&
&
&
عمد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون طوال الوقت إلى إثارة نوع من الغموض حول أهدافه الحقيقية في إدارة الصراع القائم مع السلطة والشعب الفلسطيني. لكنه في كل حال كان يجعل مساعديه يطلقون تهديدا تلو تهديد، يتراوح ما بين إعادة احتلال المناطق الخاضعة للسلطة الفلسطينية بشكل كامل أو جزئي إلى اغتيال هذا المسؤول أو العسكري الفلسطيني أو ذاك. وكان التلميح الأبرز هو أن الخطة الكبرى للهجوم جاهزة وفقط تنتظر إشارة البدء التي بحسب المنطق الإسرائيلي، سوف يطلقها الطرف الفلسطيني على شكل عملية "تشبه عملية ملهى الدلافين".
والواقع أن العملية "المشابهة" لعملية ملهى الدلافين وقعت يوم أمس ليس على شاطئ تل أبيب، وإنما في مركز القدس الغربية. وهذا ما دفع الجميع في إسرائيل للشروع في الحديث عن تنفيذ "الخطة الجاهزة"، غير أن المعلقين العسكريين والسياسيين في إسرائيل ترددوا كثيرا هذه المرة في الحديث عن طبيعة"الغزو" أو "الاجتياح" أو غيرها من التعابير الكبيرة وصاروا ينقلون عن أوساط "عليمة" في الجيش الإسرائيلي تعابير أقل حدة. فالمعروض الآن من جانب الجيش هو "عملية أوسع من العمليات المعهودة" ولكن في نطاق المحاذير الأميركية والأوروبية والدولية. وليس هناك حديث جدي عن إعادة احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، بل هناك حديث عن "حرب" وعن احتلال مواقع استراتيجية ليس في المنطقة "أ" وإنما في المنطقة "ب"
وربما كان ما يزيد من حرج رئيس الحكومة الإسرائيلية وقادة الجيش أن صحيفة "معاريف" حملت صباح أمس وقبل وقوع العملية عنوانا يشير إلى أنهم "يهيّئون الرأي العام للحرب". ونقلت الصحيفة عن مصدر أمني رفيع المستوى قوله إن القرار بعدم التفاوض تحت النيران يشكل إفشالاً مقصودا للمفاوضات السياسية. وأشار الضابط إلى أن الشعب في إسرائيل يسير كالأعمى خلف سياسة حكومته التي تتهم الفلسطينيين بالتصعيد، فيما أن لإسرائيل دورا مهماً في تدهور الوضع. وأكد المصدر العسكري أنه ليس هناك أي حل عسكري للوضع القائم ومحظور على إسرائيل أن تقود إلى انهيار السلطة الفلسطينية.
ويتفق مع هذه الرؤية العسكرية العديد من السياسيين والوزراء في حكومة شارون، الذين برغم اندفاعهم إلى إبداء مواقف تنادي بالرد العنيف، إلا أنهم يفهمون أن الأمور لن تجد حلاً لها في ميدان القتال، وإنما على طاولة المفاوضات. وبرغم ذلك فإن السياسيين يطلبون من العسكريين بدائل عملية للرد.
ويوضح المعلقون العسكريون أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بلورت عدة بدائل لرد فعل عسكري بوتائر مختلفة لعرضها على المجلس الوزاري المصغر للشؤون الأمنية. وتستند هذه البدائل إلى حقيقة ان العملية في القدس هي "بالضبط العملية الدموية القاسية"التي كانوا يتحدثون عنها في الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة والتي تشكل "ذريعة"إسرائيل للعمل بقسوة ضد السلطة والمصالح الفلسطينية في المناطق المحتلة.
لكن المصادر العسكرية الإسرائيلية ترى أن الفلسطينيين "يتوسلون"الرد الإسرائيلي لأنهم بعد عملية القدس واصلوا مهاجمة أهداف إسرائيلية في أرجاء الضفة والقطاع. وقد قتل قناص فلسطيني إسرائيلياً شرقي طولكرم وأطلقت خلايا فلسطينية قذائف هاون باتجاه مستوطنة نيتساريم في غزة.
وترى المصادر الإسرائيلية أن منطق "ضبط النفس" الذي حقق فائدة إعلامية وسياسية لإسرائيل بعد عملية ملهى الدلافين لم يعد مجديا ولا ينطوي على الفائدة نفسها، ولكن الحيرة الأساسية تكمن في حقيقة أن الرد الإسرائيلي لا يمكن أن يستهدف المناطق المأهولة خشية أثر ذلك على صورة إسرائيل الدولية، ولن يتمثل في احتلال أراضٍ بسبب المحاذير السياسية. وهكذا لا يبقى أمام إسرائيل سوى محاولة ضرب السلطة الفلسطينية التي أخلت جميع مواقعها تقريبا، أو ملاحقة بعض قادة الفصائل الفلسطينية. وهي في ذلك لا تقدم على أي جديد.
ولذلك فإن الجديد الذي يحاولون الحديث عنه في إسرائيل هو السعي الى الإعلان عن تنظيم "فتح" كمنظمة إرهابية، الأمر الذي يعني أن بوسع الجيش والاستخبارات الإسرائيلية ملاحقة قادة"فتح"أمثال مروان البرغوثي. وقد يكون في ذلك جديد تقدمه الحكومة الإسرائيلية لإطفاء ظمأ شعبها إلى الانتقام.
(السفير)
&