&
كتب غسان تويني في النهار فقال : " حتى يفهم واحدنا جيداً الزلزال الذي حصل في الجبل في "اسبوع المصالحة"، يجب ان ينظر الى انطلاقة المصالحة في العمق الجنوبي مع الزعيم - وهو اليوم الزعيم اللبناني الزعيم - وليد جنبلاط.
الانطلاقة غير الآبهة بالمهرجان القمعي الذي وجد فيه السيد البطريرك محاولة اخرى لمنع المصالحة واظهار لبنان وكأنه لا يزال في حاجة الى وصاية... أي - ولو لم يقل ذلك حرفياً - غير جدير بالاستقلال، في وقت تخنقه الديون ويكاد يمّحي من خريطة الوجود الدولي.
الا ان الرد الحقيقي على محاولة ارهاب لبنان، وعلى السعي لافتعال اغراقه من جديد في فخ الوهم الاسرائيلي، انما كان تأكيد الوليد ان الوصال مع جزين كان أقوى حتى من الاحتلال الاسرائيلي، واستمر، رغم الصعاب، تعبيراً عن اصالة لبنانية يجب رعايتها بدل تقطيع أوصالها بالزور والتزوير!!!
وتجتاز مواكب العز التي يحمل جنبلاط راياتها، الخطوط الحمر الى مرجعيون المعذبة والى معاقل الصمود في إرثه العريق، المقاتل منه والصامد وكلامه واحد لا يتغير:
"النعم" في فمه "نعم"، و"اللا" في قلبه وعقله "لا"، ولا تتزعزع.
ومن هذا المنطلق، وبهذا الانفتاح، لم يتردد في التوجه الى رئيس الجمهورية قائلا: "نحن مع الرئيس لحود في التحلي بالصبر والتحلي بروح الافق الواسع والديموقراطية وكان قد بدأها عندما استقبل احد ابناء هذه المنطقة الاستاذ حبيب صادق ونتمنى ان يستمر الحوار مع كل الفعاليات، مع كل القوى، "قرنة شهوان" وغيرها من اجل لبنان ديموقراطي سيد مستقل".
* * *
من هذا المنظار، يبدو لنا المسار اللبناني واضح المسالك اذا ما عدنا الى كلام البطريرك في الشوف بالذات - وهو كلام "راعي الخراف" الحقيقي، حين قال ان الناس ثلاث فئات:
فئة تستفيد من أخطاء غيرها، وهؤلاء هم "الحكماء"...
وفئة تستفيد من أخطائها، وهؤلاء هم العقلاء...
وفئة لا تتعلم من الأخطاء، وهؤلاء هم الجهلاء!
واذا كان السيد البطريرك، في مبادرة تواضع مسيحي نادرة هذه الايام، قال انه "اختار ان يكون من العقلاء"... فان أخشى ما نخشاه هو ان تتحول المعركة التي أطلقتها السلطة "المجهّلة الهوية" الى صراع بين فريقين من الجهلاء "لم يتعلّموا" لا هنا ولا هناك (هناك، هناك...) من الأخطاء... لا من أخطائهم هم بالذات، ولا من اخطاء امثالهم، من التاريخ البعيد الى القريب فالاقرب!
* * *
والفريقان - توضيحاً لمن لم يفهم، ولا خجل لدينا ولا وجل - هما:
فريق السلطة المجهّلة الهوية (بكل معاني الجهل والجهالة، فضلاً عن التجهيل) الذي أوقع نفسه في اسر "المنطق الشاروني"، أي منطق الارهاب الذي يصعّد نفسه بنفسه، فيفتعل العنف المقاوم له، ويغرق الوطن في دوامة الارهاب;
وفريق ثان هم نفر غير مسؤول ظن ان في وسعه ان "يخطف" وهج السلام والمصالحة لحساب شعارات دفينة، فوقعت في الفخ قلّة منه متطفّلة، بل طفيليّة حاولت تسلّق حصن المصالحة بل عمارة السلام الذي كرّسه لقاء البطريرك وجنبلاط واعلانهما نهاية الحرب الى الأبد...
واذا كان هذا الفريق الثاني قد حاول بعض منه رفع شعارات الحروب الماضيات الى غير رجعة، والتمتمة - ليس اكثر - بحشرجاتها، فمسؤولية فريق جهلاء السلطة، بمنطقها "الشاروني"، هي الأعظم، لأنها ظنّت بل اعلنت بألسنتها المستعارة، ان "سلام الشوف" مزوّر، فضلاً عن كونه محرَّماً وممنوعاً، وان طريق سلامها هي هو الصحيح... أي طريق اسلوب شارون والذين سبقوه، طريق القمع والارهاب الفكري والتعذيب فالاغتيال وصولاً الى التدمير والخراب والقتل الجماعي، ناهيك بالتهجير (كذلك على النسق الشاروني).
* * *
تلك هي معادلة "الجهلاء"، بل ديالكتيكية العنف التي حاول الرئيس الحريري وقفها بوقف استقالته (التي كانوا يرتقبون او يتمنون، ولعلهم لا يزالون!...)، ويحاول جنبلاط اليوم بالذات كسر حلقتها المفرغة وفضح شرورها وأشرارها...
نعم، انها المعادلة التي لا نزال نطالب ونرجو ونصلّي ان يتدخل رئيس الدولة بما له من صلاحيات دستورية ومعنوية لوقفها عند حدّها وتبرئة نفسه البريئة من مدَّعي الانتساب اليه ومدَّعي حمايته، بما قد يقضي في الواقع على الجمهورية الديموقراطية التي يرأس.
ونقول ونكرر ولا خجل ولا وجل ان الرئيس لحود الذي عرفنا ونعرف براء من جهالة الجهلاء هؤلاء، المتسلبطين حتى على سلطته...
فهم، لا هو، بجهلاء الفريق الآخر أعرف... وكانوا يترقّبون، بل لعلّهم افتعلوا ويفتعلون زلّة "الجهّال"، ولعلها صحيحة، من يدري، بكل ابعادها؟... ثم لعل بين الجهلة من يستحلون تصرّف بعض الجهلة الآخر بل اجرامه، فيعاشرونه ويستقطبونه ويتوسَّلونه الى حد المحاولة الدائمة لتسيّده على "العقلاء" و"الحكماء".
ولنا - أوَلا يعرفون ويتذكَّرون؟ - من الانتخابات وبعض الحكومات والتوزيرات المبتكرة المصطنعة أبلغ الشواهد!... ولنا السوابق الكثيرة، وأبرزها تلك التي تعيد الى الذاكرة جريمة تفجير كنيسة "سيدة النجاة" (1994) (هل نضرع اليها اليوم لتنجينا من آت أعظم؟)... وقد سارع "الجهلاء" اياهم - او أسلافهم آنذاك لا نعرف - الى توجيه اتهامات قالوا انها "ثابتة"، بل هم ابتكروا لها "الاثباتات" و"الاعترافات" المسبقة و"الشهود" من اهل البيت... الى ان انتهت المحكمة بتبرئة المقصود اتهامهم من الجرم الفظيع الذي بقي ولا مجرم معروف يدان باقترافه... واختفت، كما في مسرحية "سوريالية"، اشباح المجرمين المحتملين!!!
وماذا اكثر من تلك السابقة، والعودة الى "نهجها"، يبرر استعارة وصف هؤلاء بـ"الجهلاء" لأنهم، وفق قول السيد البطريرك، لم يتعلموا من اخطائهم هم، ولا بالطبع من اخطاء الجهلاء الآخرين، وهم بهم أعلم!؟
* * *
هنا حاشية: قد تكون الاعترافات والإثباتات والشهادات المتلفزة حقيقية، لن نبتسر الحكم عليها ونستعجل. ولنفترض بل نسلّم.
ثم ماذا؟... منتهى الجهالة، اذا صحت هذه كلها، وهي حقيرة ولو صحت، حقارة صاحبها المعروفة سيرته من زمان (والجهلاء الآخرون بهم اعرف لاسباب يعرفونها...) فماذا بعد؟
منتهى الجهالة ان يظنّ أهلها والمبتلون بها ان لبنان سيصدّق، ويصدّق العالم الناظر الينا بفرح حيناً وبحذر أحياناً، ان مسيرة سلام تاريخيةَ العظمة تنطلق من الشوف، وتستمر من جزين عبر مرجعيون والخيام الشهيدة وصولاً الى خلوات البياضة وحاصبيا...
ان هذه المسيرة المتجلببة بأهازيج الطرب بالسلام واناشيد الصمود، هي وكبريات القيادات التي لا يرقى الى وطنيتها و"حكمتها" شك... وان وجوه الناس كلهم العابقة بالبهجة والحبور، والعيون مترقرقة بدموع الفرح والأمل...
منتهى الجهالة - نقول - ان يظنوا اننا سنصدّق ان هذا كله - الذي يستكثرونه علينا - كان من صنع "خيانة" صغير لعله كان خائناً متهوراً حقيراً، الا انه لا يمكن لعاقل ان يصدّق انه يتمتع بقدرة جبروت فيخوَّن معه كل الاحرار!
انتهت الحاشية.
* * *
لا، لا، لا...
"ما هكذا تورد الابل"...
فهل هكذا تُحكم الشعوب، ويحكمون لبنان؟
باعتقال العشرات بل المئات، عشوائياً، والضرب الوحشي والتعذيب والتنكيل... والوصول بلبنان الى شفير هاوية الحكم البوليسي الأكثر حقارة؟!
وماذا عن ازمة سياسية كادت تؤدي الى ازمة حكم، وماذا عن اقتصاد كانت آفاق الأمل في النهوض به قد بدأت تتفتح؟...
كل ذلك نجازف به، ونترك في جسم الأمة، فضلاً عن اجساد الابرياء، جروحاً قد لا تندمل، فقط لأن ثمة تقريراً يقول ان ثمة "جاهلاً" كان متآمراً "على حسابه" وصار خائناً، و... انقادت له كل القوى المتلهفة الى الحوار والسلام؟
* * *
لا، لا أيها السادة الجهلاء...
"ما هكذا تورد الابل"، فهل تظنون ان هكذا يساق شعب حي الى حروب جديدة يصطنعونها له؟ ويبشّروننا بأن سلام الذين كانوا يحاربون سيظل مستحيلاً؟
في الشعب اللبناني، في شبابه الذي كاد يكفر بلبنان من فرط ما استدرجه "الآخرون" (وأنتم، أيها الجهلاء، بهم أعرف، بكبارهم كما بالوكلاء...) الى حرب تنتج منها حرب لتتسبب بحرب أخرى، الى ما لا نهاية له...
في الشعب اللبناني وفي شبابه خصوصاً مخزون من الإيمان بالحرية والديموقراطية وبالسيادة وبلبنان المستقل... مخزون من الإيمان يتغلّب على كل افتعال، وصار اعرف من ان يقع في قبضة متآمرين، من أين يأتي التآمر!
ولا يعظمنّ أحد جرماً يغطي سماوات الحق والعدالة بقبواته، اياً تكن... نوافق كلنا ونرحب: اتركوا القضاء يحكم اصفياؤه من دون ارهاب. ولعلكم في المناسبة تتركونه يقاضي الذين اغتالوا اربعة من نجومه وهم على قوس المحكمة، وانتم غافلون ولا تزالون حتى الآن... "جاهلين"؟
لا أحد بعد اليوم يخاف مؤامرة، ولا احد يقع في شباك مؤامرة. ان التحرك الذي نشهده هو تحرك تظلله غبطة "الحكماء" وشجاعة "العقلاء"، ولم "يفتعله" عميل محترف حقير!...
وهذا التحرّك سيكون هو الأقوى.
* * *
... وانظروا، يا أيها "الجهلاء" من الفريقين، كيف يصطنعون لبعض المجتمعات القريبة الحروب بعد الحروب... الا انها تنتهي كلها، الحرب بعد الحرب، بمحاكمة المتسلطين - كما سيحاكم شارون - العابثين بحقوق الانسان، المسؤولين في حكمهم البطاش عن جرائم في حق الانسانية والله، لم يعد من الممكن ارتكابها بلا عقاب، ولو تأخر...
فاستعجلوا في اطلاق سراح الحرية والحوار والسلام، وسارعوا الى الانضمام اليه بحكمة ولو تأخرت، واتركوا الدولة تبتهج هي كذلك به ومنه تكتسب حياة ناهضة... تسلمون انتم، اذ ذاك، وبكم نفرح.
&