&
فهمي هويدي: خلال الأسبوعين الماضيين تابعنا حوارا طريفا حول العمر الافتراضي للمسئول أو الشخصية العامة في مصر، بدأه الأستاذ إبراهيم سعدة في "أخبار اليوم" بمقال أعلن فيه انتهاء صلاحية وزير الصحة، ثم أعقبه الدكتور مصطفي السعيد في "صوت الأمة"، الذي تحدث عن انتهاء صلاحية وزير الدولة لشئون مجلس الشعب.
وقد رد عليه الوزير - السيد كمال الشاذلي - في أسبوع قال بمقال أنبانا فيه بأن الذي انتهت صلاحيته هو السعيد وليس الشاذلي. ووجه الطرافة في الموضوع أن مصطلح "انتهاء الصلاحية" نعرفه مستخدما في مجالات الأدوية والأغذية وغير ذلك من المنتجات المتصلة بصحة الناس، لكنها المرة الأولى فيما أظن التي يُرفع فيها الشعار في عالم السياسة، وفي شأن يُظن أن له علاقة بعافية المجتمع.
وقد رد عليه الوزير - السيد كمال الشاذلي - في أسبوع قال بمقال أنبانا فيه بأن الذي انتهت صلاحيته هو السعيد وليس الشاذلي. ووجه الطرافة في الموضوع أن مصطلح "انتهاء الصلاحية" نعرفه مستخدما في مجالات الأدوية والأغذية وغير ذلك من المنتجات المتصلة بصحة الناس، لكنها المرة الأولى فيما أظن التي يُرفع فيها الشعار في عالم السياسة، وفي شأن يُظن أن له علاقة بعافية المجتمع.
فتح هذا الملف يثير قضية غاية في الأهمية تتصل بشرعية المسئول أو الشخصية العامة، وكيف تكتسب وكيف تزول أو تنعدم، الأمر الذي يستصحب انتهاء فترة الصلاحية المفترضة لذلك الشخص. وزيرا كان أم قيادة سياسية.
كما أنه يستدعى تساؤلات حول طبيعة الجهة التي تحدد استمرار الصلاحية، ومن ثم بقاء المسئول في موقعه، أو انقطاعها، ومن ثم خروج المسئول من "السوق" السياسية، وإعدامه أدبيا ومعنويا بعد ذلك.
"1"
أنبه ابتداء بأن كلامي في الموضوع لا علاقة له بالشخصيات التي ورد ذكرها توا، فلست في موقف الدفاع عن أي منهم، كما أنني لست في وأرد تأييد الكلام الذي قيل عنهم. خصوصا أنني لم أفهم خلفيات فتح ملفات البعض دون الآخرين. أنني أعلم ما نسب إلى البعض من اتهامات أو انحرافات سوغت المطالب بإنهاء الصلاحية، يسري بنفس القدر.. وربما أكثر على آخرين في نفس الصف والرتبة. ومع ذلك فقد صوبت السهام إلى الأولين دون الآخرين. الأمر الذي دعاني إلى الشك في المسألة، والتساؤل عن السبب في تسليط الضوء على انحرافات بذاتها، وغض مماثلة أو أشد جسامة. لم تكن لدي إجابة واضحة، وغاية ما هداني إليه التفكير أنني استبعدت البراءة في الموضوع.
قلت أن الأمر ليس مجرد تصيد للفساد والانحرافات، وأن هناك بعد أخر لا يلمحه أمثالي من غير المطلعين على بواطن الأمور، لكنه موجود لا ريب. وإذا كانت لا أراه، ولكنني أشم رائحته.
من باب الفضول سألت واحدا ممن أهم أعرف مني وأكثر إطلاعا على عالم الكواليس في السياسة، فقال في تفسير كشف الفساد في موقع وتجاهل تجلياته في موقع أخر، أن المسألة مرتبطة بدرجة الحصانة التي يتمتع بها شاغل الموقع، وليس المقصود بالحصانة تلك التي يضيفها القانون على بعض المسئولين أو أعضاء مجلس الشعب، فتلك أدنى درجات الحصانة المقصودة في هذا السياق، باعتبار أن السياسة فوق القانون، وأحيانا هى التي تصنعه. وإنما المقصود هو الحصانة السياسية المتمثلة في درجة الوصول أو القبول من جانب الجهات أو الأطراف صاحبة القرار. فالوزراء مثلا قد يكونون في نفس الرتبة من الناحية الشكلية والبروتوكولية، لكنهم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر، فهناك وزراء "سوبر"، أو قل "فرز أول""، وهناك فرز ثان، وثالث وهكذا. وموقع الواحد ونفوذه ومن ثم الحصانة التي يتمتع بها، ذلك كله يتحدد طبقا لدرجة القبول والرضا التي يحظى بها، وهذه التصنيفات ليست ثابتة ومطلقة، ولكنها مؤكدة. فالوزير "السوبر" قد يهبط في الدرجة تحت أي ظرف، لكي ينضم إلى شريحة الفرز الثاني أو الثالث، ومن ثم تضعف الحصانة الممنوحة ويمكن استباحة الهجوم عليه.
"2"
هذا التحليل يفسر لنا بعض الظواهر التي يرصدها المراقبون للخطاب الإعلامي في مصر، ومنها "الاستفراد" بمسئولين دون آخرين، وتسليط الأضواء على الفساد في موقع والسكوت عليه في موقع مماثل. ومن تلك الظواهر أيضا التوقف المفاجئ لبعض الحملات التي تشنها الصحف في مرفق، والسماح باستمرارها فيما يتعلق بمرفق أخر.. وهكذا.
رصد اتجاهات الريح في طبقات السياسة العليا لا يستطيعه كل أحد، وإنما ذلك متاح فقط للقريبين من معامل ومختبرات صناعة القرار وتحديد أو الصحفي في هذه الحالة لا تقاس بمقدار تثبته من وقائع الفساد أو شجاعته في ملاحقته والتصدي له حيثما وجد، وإنما تقاس بمقدرته على التقاط الإشارات وحسن قراءته لتضاريس الخريطة السياسية، ومن ثم مدى معرفته باتجاهات الريح ومتغيراتها، الأمر الذي يمكنه من ضبط التصويب في اتجاه الإشارات الخضراء، ومعرفة حدود الإشارات الصفراء والحمراء.
الذين لا يتمتعون بموهبة التقاط الإشارات وهى طائرة، والبعيدون عن المرصد المعنية بالأمر كثيرا ما يقعون في الغلط، ومنهم من يكسر الإشارات الحمراء غير عالم بأنه خاض في المحظور، ووضع قدمه- قلمه أن شئت الدقة - في منطقة ملغومة، الأمر الذي لابد أن يكون له ثمنه، الذي يختلف باختلاف حجم ومدى اللغم الذي يصادفه الكاتب "الغشيم".
"3"
قد تفيدنا تلك الخلفية في الإجابة على السؤال: من أين يستمد المسئول شرعيته؟ في الأوضاع السياسية العادية تستمد الشخصية العامة شرعيتها من مصدرين أساسيين هما: الكفاءة والإنجاز الشخصي، أو التعبير عن قوة سياسية موجودة في المجتمع، وفي السنوات الأخيرة أضافت ثورة الاتصالات مصدرا ثالثا للشرعية تمثل في الإعلام، الذي أصبح يتمتع بقدرة متنامية على صناعة الشخصية السياسية أو اغتيالها.
الأمر مختلف بصورة نسبية في بلادنا ففي غياب الشفافية فإن الخريطة الحقيقية للقوى السياسية غير معروفة. والنتائج المعلنة لأي انتخابات نيابية مشكوك في صدق تعبيرها عن الحرية السياسية الحقيقية، بالتالي فإن العمل السياسي مستبعد كمصدر لإضفاء الشرعية على المسئول. صحيح أن العمل السياسي لا يزال بمقدوره أن يقدم شخصيات عامة في المجتمع، لكن هذه الشخصية العامة لا تستطيع أن تتبوأ موقع المسئولية من أي باب، وفي حالات استثنائية جدا فإن ذلك قد يحدث إذا ما توفرت لتلك الشخصية درجة من الرضا أو القبول، أو إذا ما كان استدعاؤها مطلوبا لاعتبارات الملاءمة السياسية، أن شئت الصراحة فقل لاعتبارات استكمال الديكور الديمقراطي، كما هو الحاصل أحيانا في عملية تعيين الأعضاء العشرة بمجلس الشعب.
ولنا أن نقول الكثير عن موت السياسة في مصر، لكن المقام لا يسمح بذلك. غير أن ما يعنينا في السياق الذي نحن بصدده هو إدراك تلك الحقيقة المتمثلة في استبعاد العمل السياسي كمصدر لشرعية المسئول.
في غيبة السياسة فإن الإنجاز أو الكفاءة العلمية يغدو أن مصدرا معتبرا لشرعية المسئول، الأمر الذي رشح الجامعة كوعاء مهم لتقديم الوزراء في مصر. وقد سمعت من الدكتور جمال حمدان رحمه الله ذات مرة قوله أنه ليس صحيحا أن الحكم في مصر يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، وهو ما أعتبره "أكذوبة كبرى"، إذ الحقيقة أنه تحالف بين الضباط وأساتذة الجامعات. وهو رأي يؤيده الواقع، لأنه بعد إلغاء الأحزاب السياسية رسميا بعد الثورة، لم يجد قادة الثورة مصدرا مدنيا يستعينون به في تولى المسئوليات العامة سوى الجامعة. وقد استمر ذلك الوضع حتى الآن، أي رغم وجود 16 حزبا أو 17 ، لأن تلك الأحزاب مقطوعة الصلة بالمشاركة في القرار السياسي ناهيك عن أن أغلبها مقطوع الصلة بالجماهير ذاتها.
النتيجة التي ترتبت على التوسع في الاستعانة بأساتذة الجامعات في تولى المسئوليات العامة، إننا أصبحنا نشهد نموا متصاعدا بصورة نسبية لطبقة "التكنوقراط"، توازى مع التراجع المستمر لطبقة السياسيين.
"4"
الإعلام في مصر ليس بالقوة التي يتمتع بها في الولايات المتحدة أو أوروبا، ناهيك عن أنه ليس له استقلاله الذي يسمح له بالتصرف بعيدا عن توجيه الدولة وحساباتها وإذا كانت "صناعة الرئيس" فنا له أدبياته في الولايات المتحدة، وله مؤسساته وشركاته التي أسهمت في إيصال شخصيات لا علاقة لها بالسياسة إلى البيت الأبيض مثل رونالد ريجان وقد تكرر النموذج في إيطاليا مؤخرا، حين أوصلت تلك المؤسسات بيرلسكونى إلى رئاسة الوزارة هناك.
إزاء ذلك فالإعلام في مصر الخاضع لسيطرة الدولة وتوجيهها. مصدر تابع وليس أصيلا. أعني أنه لا يصنع المسئولين ولكنه يساعد في تلميعهم أو في سحب الأضواء بعيدا عنهم. ثم فإن درجة الحضور الإعلامي، في التليفزيون أولا وفي الصحف القومية بعد ذلك، مرتبطة بدرجة القرب أو البعد السياسي.
إذا صح ذلك الذي قدمناه فشرعية المسئول في مصر لا تتم من خلال تمثيله لأي قوة سياسية، ولا تتأتى عبر قوة الإعلام، ويبقي الإنجاز العلمي هو المصدر الأكثر بلورة ووضوحا لإضفاء تلك الشرعية، وذلك ينحصر في التكنوقراط دون غيرهم. والمفاضلة بين الشخصيات ذات الإنجاز العلمي لا تتم في حقيقية الأمر استنادا إلى المعايير الموضوعية وحدها، وإنما تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية (لا تنس مجموعة الدكتور عاطف صدقي الذين شاركوه في لعب الطاولة ثم زاملوه في وزارته)، إضافة إلى الاعتبارات الأمنية الطبيعية.
ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أن كثيرين من الوزراء الفنيين الذين يدخلون الوزارة في مصر ينضمون إلى الحزب الوطني بعد تعيينهم، لكي تصبح الحكومة ممثلة لحزب الأغلبية، وذلك أن دل على شئ فإنما يدل على أن الانتماء السياسي مسألة هامشية وأن الأمر ليس مأخوذا على محمل الجد.
"5"
الحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها أن شرعية المسئول في مصر مصدرها الأول هو القرار السياسي، ولا يستطيع مسئول في أي نوع أن يدعى أنه احتل مكانه لأنه يمثل رصيدا شعبيا رفعه إلى المكانة التي بلغها. وبعض الذين تقدموا الصفوف بعد فوزهم في الانتخابات، ومنهم من شارك في الحوارات الأخيرة التي فتحت ملف الشرعية، لم يتحقق نجاحهم إلا بعد تدخل جهات معينة لصالحهم.
ينطبق ذلك أيضا على التكنوقراط، الذي يظل القرار السياسي مصدرا أصيلا لتوليهم مناصبهم، بينما تأتى خبراتهم في المقام الثاني، كعنصر مساعد على الترشيح.
إذا أردنا أن نذهب في المصارحة إلى أبعد فلا مفر من الاعتراف بأن أغلب المسئولين لم يلتحقوا بالسياسة إلا بقرارات فوقية، وأن علاقة هؤلاء بالسياسة تنقطع إذا تغيرت طبيعة تلك القرارات وأقرب شاهد على ذلك أن الوزراء الذين ينضمون إلى الحزب الوطني بعد توليهم الوزارة، يطلقون الحزب والسياسة بمجرد خروجهم منها.
ولماذا نذهب بعيدا، ونحن نجد في الصحافة نفس الظاهرة. ذلك أن بعض القيادات الصحفية لم تبدأ علاقتها بالسياسة إلا بعد أن نصبت في مواقعها، وهناك كتاب "سياسة كبار ممن أصبحوا يتحدثون في أمور ومصائر القوى الكبرى والعالم العربي، ويلقون علينا دروسا في السياسة الداخلية، لم يخط الواحد منهم سطرا واحدا في الشأن السياسي طيلة حياته. وأي كطلع على ملفات الأرشيف يلمس هذه الحقيقة دون عناء، حيث يلاحظ تلك الهجرة الدائمة للسياسة في كتاباتهم، ويفاجأ باكتشاف مواهبهم في التحليل السياسي والرؤى الاستراتيجية العميقة. فور صدور قرارات تعيينهم في مناصبهم وجلوسهم على الكراسي السحرية.
"6"
السياسي عندنا يولد بقرار، ويختفي بمجرد تغير القرار ، ومن ثم ففترة صلاحية أي واحد منهم معلقة على استمرار قرار الإبقاء. لذلك فلست أري مبررا لادعاء بعضهم بأنه أكثر شرعية من الآخر، لأن شرعية الجميع مستمدة من مصدر واحد ، بالمثل فإن أحدا لا يستطيع أن يقرر انتهاء شرعية مسئول أو حتى يطالب بذلك، لأن قرارات من هذا القبيل تتجاوز حدود أي كاتب، ناهيك عن أن تلك المطالبة لا قيمة لها.
ثم لا ننسي أن شرعية هؤلاء المطالبين ليست أفضل كثيرا من غيرهم، لأنها بدورها مستمدة من قرار، يمكن أن يتغير في أي لحظة .
صحيفة الوفد المصرية
كما أنه يستدعى تساؤلات حول طبيعة الجهة التي تحدد استمرار الصلاحية، ومن ثم بقاء المسئول في موقعه، أو انقطاعها، ومن ثم خروج المسئول من "السوق" السياسية، وإعدامه أدبيا ومعنويا بعد ذلك.
"1"
أنبه ابتداء بأن كلامي في الموضوع لا علاقة له بالشخصيات التي ورد ذكرها توا، فلست في موقف الدفاع عن أي منهم، كما أنني لست في وأرد تأييد الكلام الذي قيل عنهم. خصوصا أنني لم أفهم خلفيات فتح ملفات البعض دون الآخرين. أنني أعلم ما نسب إلى البعض من اتهامات أو انحرافات سوغت المطالب بإنهاء الصلاحية، يسري بنفس القدر.. وربما أكثر على آخرين في نفس الصف والرتبة. ومع ذلك فقد صوبت السهام إلى الأولين دون الآخرين. الأمر الذي دعاني إلى الشك في المسألة، والتساؤل عن السبب في تسليط الضوء على انحرافات بذاتها، وغض مماثلة أو أشد جسامة. لم تكن لدي إجابة واضحة، وغاية ما هداني إليه التفكير أنني استبعدت البراءة في الموضوع.
قلت أن الأمر ليس مجرد تصيد للفساد والانحرافات، وأن هناك بعد أخر لا يلمحه أمثالي من غير المطلعين على بواطن الأمور، لكنه موجود لا ريب. وإذا كانت لا أراه، ولكنني أشم رائحته.
من باب الفضول سألت واحدا ممن أهم أعرف مني وأكثر إطلاعا على عالم الكواليس في السياسة، فقال في تفسير كشف الفساد في موقع وتجاهل تجلياته في موقع أخر، أن المسألة مرتبطة بدرجة الحصانة التي يتمتع بها شاغل الموقع، وليس المقصود بالحصانة تلك التي يضيفها القانون على بعض المسئولين أو أعضاء مجلس الشعب، فتلك أدنى درجات الحصانة المقصودة في هذا السياق، باعتبار أن السياسة فوق القانون، وأحيانا هى التي تصنعه. وإنما المقصود هو الحصانة السياسية المتمثلة في درجة الوصول أو القبول من جانب الجهات أو الأطراف صاحبة القرار. فالوزراء مثلا قد يكونون في نفس الرتبة من الناحية الشكلية والبروتوكولية، لكنهم ليسوا كذلك في حقيقة الأمر، فهناك وزراء "سوبر"، أو قل "فرز أول""، وهناك فرز ثان، وثالث وهكذا. وموقع الواحد ونفوذه ومن ثم الحصانة التي يتمتع بها، ذلك كله يتحدد طبقا لدرجة القبول والرضا التي يحظى بها، وهذه التصنيفات ليست ثابتة ومطلقة، ولكنها مؤكدة. فالوزير "السوبر" قد يهبط في الدرجة تحت أي ظرف، لكي ينضم إلى شريحة الفرز الثاني أو الثالث، ومن ثم تضعف الحصانة الممنوحة ويمكن استباحة الهجوم عليه.
"2"
هذا التحليل يفسر لنا بعض الظواهر التي يرصدها المراقبون للخطاب الإعلامي في مصر، ومنها "الاستفراد" بمسئولين دون آخرين، وتسليط الأضواء على الفساد في موقع والسكوت عليه في موقع مماثل. ومن تلك الظواهر أيضا التوقف المفاجئ لبعض الحملات التي تشنها الصحف في مرفق، والسماح باستمرارها فيما يتعلق بمرفق أخر.. وهكذا.
رصد اتجاهات الريح في طبقات السياسة العليا لا يستطيعه كل أحد، وإنما ذلك متاح فقط للقريبين من معامل ومختبرات صناعة القرار وتحديد أو الصحفي في هذه الحالة لا تقاس بمقدار تثبته من وقائع الفساد أو شجاعته في ملاحقته والتصدي له حيثما وجد، وإنما تقاس بمقدرته على التقاط الإشارات وحسن قراءته لتضاريس الخريطة السياسية، ومن ثم مدى معرفته باتجاهات الريح ومتغيراتها، الأمر الذي يمكنه من ضبط التصويب في اتجاه الإشارات الخضراء، ومعرفة حدود الإشارات الصفراء والحمراء.
الذين لا يتمتعون بموهبة التقاط الإشارات وهى طائرة، والبعيدون عن المرصد المعنية بالأمر كثيرا ما يقعون في الغلط، ومنهم من يكسر الإشارات الحمراء غير عالم بأنه خاض في المحظور، ووضع قدمه- قلمه أن شئت الدقة - في منطقة ملغومة، الأمر الذي لابد أن يكون له ثمنه، الذي يختلف باختلاف حجم ومدى اللغم الذي يصادفه الكاتب "الغشيم".
"3"
قد تفيدنا تلك الخلفية في الإجابة على السؤال: من أين يستمد المسئول شرعيته؟ في الأوضاع السياسية العادية تستمد الشخصية العامة شرعيتها من مصدرين أساسيين هما: الكفاءة والإنجاز الشخصي، أو التعبير عن قوة سياسية موجودة في المجتمع، وفي السنوات الأخيرة أضافت ثورة الاتصالات مصدرا ثالثا للشرعية تمثل في الإعلام، الذي أصبح يتمتع بقدرة متنامية على صناعة الشخصية السياسية أو اغتيالها.
الأمر مختلف بصورة نسبية في بلادنا ففي غياب الشفافية فإن الخريطة الحقيقية للقوى السياسية غير معروفة. والنتائج المعلنة لأي انتخابات نيابية مشكوك في صدق تعبيرها عن الحرية السياسية الحقيقية، بالتالي فإن العمل السياسي مستبعد كمصدر لإضفاء الشرعية على المسئول. صحيح أن العمل السياسي لا يزال بمقدوره أن يقدم شخصيات عامة في المجتمع، لكن هذه الشخصية العامة لا تستطيع أن تتبوأ موقع المسئولية من أي باب، وفي حالات استثنائية جدا فإن ذلك قد يحدث إذا ما توفرت لتلك الشخصية درجة من الرضا أو القبول، أو إذا ما كان استدعاؤها مطلوبا لاعتبارات الملاءمة السياسية، أن شئت الصراحة فقل لاعتبارات استكمال الديكور الديمقراطي، كما هو الحاصل أحيانا في عملية تعيين الأعضاء العشرة بمجلس الشعب.
ولنا أن نقول الكثير عن موت السياسة في مصر، لكن المقام لا يسمح بذلك. غير أن ما يعنينا في السياق الذي نحن بصدده هو إدراك تلك الحقيقة المتمثلة في استبعاد العمل السياسي كمصدر لشرعية المسئول.
في غيبة السياسة فإن الإنجاز أو الكفاءة العلمية يغدو أن مصدرا معتبرا لشرعية المسئول، الأمر الذي رشح الجامعة كوعاء مهم لتقديم الوزراء في مصر. وقد سمعت من الدكتور جمال حمدان رحمه الله ذات مرة قوله أنه ليس صحيحا أن الحكم في مصر يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة، وهو ما أعتبره "أكذوبة كبرى"، إذ الحقيقة أنه تحالف بين الضباط وأساتذة الجامعات. وهو رأي يؤيده الواقع، لأنه بعد إلغاء الأحزاب السياسية رسميا بعد الثورة، لم يجد قادة الثورة مصدرا مدنيا يستعينون به في تولى المسئوليات العامة سوى الجامعة. وقد استمر ذلك الوضع حتى الآن، أي رغم وجود 16 حزبا أو 17 ، لأن تلك الأحزاب مقطوعة الصلة بالمشاركة في القرار السياسي ناهيك عن أن أغلبها مقطوع الصلة بالجماهير ذاتها.
النتيجة التي ترتبت على التوسع في الاستعانة بأساتذة الجامعات في تولى المسئوليات العامة، إننا أصبحنا نشهد نموا متصاعدا بصورة نسبية لطبقة "التكنوقراط"، توازى مع التراجع المستمر لطبقة السياسيين.
"4"
الإعلام في مصر ليس بالقوة التي يتمتع بها في الولايات المتحدة أو أوروبا، ناهيك عن أنه ليس له استقلاله الذي يسمح له بالتصرف بعيدا عن توجيه الدولة وحساباتها وإذا كانت "صناعة الرئيس" فنا له أدبياته في الولايات المتحدة، وله مؤسساته وشركاته التي أسهمت في إيصال شخصيات لا علاقة لها بالسياسة إلى البيت الأبيض مثل رونالد ريجان وقد تكرر النموذج في إيطاليا مؤخرا، حين أوصلت تلك المؤسسات بيرلسكونى إلى رئاسة الوزارة هناك.
إزاء ذلك فالإعلام في مصر الخاضع لسيطرة الدولة وتوجيهها. مصدر تابع وليس أصيلا. أعني أنه لا يصنع المسئولين ولكنه يساعد في تلميعهم أو في سحب الأضواء بعيدا عنهم. ثم فإن درجة الحضور الإعلامي، في التليفزيون أولا وفي الصحف القومية بعد ذلك، مرتبطة بدرجة القرب أو البعد السياسي.
إذا صح ذلك الذي قدمناه فشرعية المسئول في مصر لا تتم من خلال تمثيله لأي قوة سياسية، ولا تتأتى عبر قوة الإعلام، ويبقي الإنجاز العلمي هو المصدر الأكثر بلورة ووضوحا لإضفاء تلك الشرعية، وذلك ينحصر في التكنوقراط دون غيرهم. والمفاضلة بين الشخصيات ذات الإنجاز العلمي لا تتم في حقيقية الأمر استنادا إلى المعايير الموضوعية وحدها، وإنما تتداخل فيها الاعتبارات الشخصية (لا تنس مجموعة الدكتور عاطف صدقي الذين شاركوه في لعب الطاولة ثم زاملوه في وزارته)، إضافة إلى الاعتبارات الأمنية الطبيعية.
ومن طريف ما يذكر في هذا الصدد أن كثيرين من الوزراء الفنيين الذين يدخلون الوزارة في مصر ينضمون إلى الحزب الوطني بعد تعيينهم، لكي تصبح الحكومة ممثلة لحزب الأغلبية، وذلك أن دل على شئ فإنما يدل على أن الانتماء السياسي مسألة هامشية وأن الأمر ليس مأخوذا على محمل الجد.
"5"
الحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها أن شرعية المسئول في مصر مصدرها الأول هو القرار السياسي، ولا يستطيع مسئول في أي نوع أن يدعى أنه احتل مكانه لأنه يمثل رصيدا شعبيا رفعه إلى المكانة التي بلغها. وبعض الذين تقدموا الصفوف بعد فوزهم في الانتخابات، ومنهم من شارك في الحوارات الأخيرة التي فتحت ملف الشرعية، لم يتحقق نجاحهم إلا بعد تدخل جهات معينة لصالحهم.
ينطبق ذلك أيضا على التكنوقراط، الذي يظل القرار السياسي مصدرا أصيلا لتوليهم مناصبهم، بينما تأتى خبراتهم في المقام الثاني، كعنصر مساعد على الترشيح.
إذا أردنا أن نذهب في المصارحة إلى أبعد فلا مفر من الاعتراف بأن أغلب المسئولين لم يلتحقوا بالسياسة إلا بقرارات فوقية، وأن علاقة هؤلاء بالسياسة تنقطع إذا تغيرت طبيعة تلك القرارات وأقرب شاهد على ذلك أن الوزراء الذين ينضمون إلى الحزب الوطني بعد توليهم الوزارة، يطلقون الحزب والسياسة بمجرد خروجهم منها.
ولماذا نذهب بعيدا، ونحن نجد في الصحافة نفس الظاهرة. ذلك أن بعض القيادات الصحفية لم تبدأ علاقتها بالسياسة إلا بعد أن نصبت في مواقعها، وهناك كتاب "سياسة كبار ممن أصبحوا يتحدثون في أمور ومصائر القوى الكبرى والعالم العربي، ويلقون علينا دروسا في السياسة الداخلية، لم يخط الواحد منهم سطرا واحدا في الشأن السياسي طيلة حياته. وأي كطلع على ملفات الأرشيف يلمس هذه الحقيقة دون عناء، حيث يلاحظ تلك الهجرة الدائمة للسياسة في كتاباتهم، ويفاجأ باكتشاف مواهبهم في التحليل السياسي والرؤى الاستراتيجية العميقة. فور صدور قرارات تعيينهم في مناصبهم وجلوسهم على الكراسي السحرية.
"6"
السياسي عندنا يولد بقرار، ويختفي بمجرد تغير القرار ، ومن ثم ففترة صلاحية أي واحد منهم معلقة على استمرار قرار الإبقاء. لذلك فلست أري مبررا لادعاء بعضهم بأنه أكثر شرعية من الآخر، لأن شرعية الجميع مستمدة من مصدر واحد ، بالمثل فإن أحدا لا يستطيع أن يقرر انتهاء شرعية مسئول أو حتى يطالب بذلك، لأن قرارات من هذا القبيل تتجاوز حدود أي كاتب، ناهيك عن أن تلك المطالبة لا قيمة لها.
ثم لا ننسي أن شرعية هؤلاء المطالبين ليست أفضل كثيرا من غيرهم، لأنها بدورها مستمدة من قرار، يمكن أن يتغير في أي لحظة .
صحيفة الوفد المصرية













التعليقات