&رحلة البحث *
1
الشيطان المدمر حنا يوسف، حفار القبور ذو السحنة المرعبة، وصديقته الخليعة التي كان يطلق عليها اسما توراتيا غريبا (نونو بهار)، هما من أغوياني بكتابة سيرة حياة الفيلسوف العراقي الذي كان يقطن محلة الصدرية ابان الستينات. في الواقع، لم يكن ينقص هذين الدجالين الفضائيين حب الفلسفة، ولا الفضائل المتحمسة، ولا النبوغ، انما كان ما ينقصهما حقا هو الشرف اذ كانا يعتمدان اعتمادا كليا على فساد الاخلاق. كنت تعرفت اليهما في الشتاء الماضي، فزرتهما في نزلهما المطل على قمبرة ملحقة بكنيسة |
(أم المعونة) خلف بارك السعدون، وهو نزل صغير كان قد استأجره لهما تاجر عراقي نصف مجنون، نصف معربد، وغير شريف بالمرة، يطلق على نفسه صادق زاده، أدركت فيما بعد انه هو الذي كان يموّل رحلة البحث عن حياة& الفيلسوف.
كان قد قدمني لهما صديم قديم في دار المخطوطات القديمة في بغداد، فسحرني حنا بصوته المتقطع ولهجته الحادة، وسحنة وجهه المقابرية، كان ذلك يوم تشريني مشمس، تذروه بعض الرياح الباردة، فقال لي بسحنته الرؤيوية ويده على كتف صديقته التي تعلك بصورة مستمرة: (منزلي في بارك السعدون، قرب بقالة الأثوري، سأنتظرك يوم الأحد في الضحى).
ضحة الأحد كنت انعطفت من مبنى البريد نحو الضاحية المسيحية المحيطة بحدائق بارك السعدون، كانت الأشجار صفاً أمام المنازل الخفيضة، فشممت رائحة تضوع من الاسفلت الصقيل المبلل بالمطر، وفي نهاية الجادة كنت رأيت بقالة الأثوري.
في الواقع لم تكن بقالة الأثوري كبيرة، انما متجر ضيق ببابين خشبيين مثبت وسطهما مصراعان نحاسيان كبيران كان يلصفان بصورة مكتومة، وواجهة البقالة مبلطة ببلاط ابيض، وهناك منصة رخامية تحمل أواني نحاسية، وسلال فواكه& مغسولة، وزجاجات ويسكي وعرق محلي ونبيذ فاخر موضوعة بصورة مرتبة خلف الواجهة الزجاجية، ووراء الأثوري صورة مثبتة على الحائط لوجه جامد يرتدي بذلة مطرزة بالنياشين.
فسألته:
- أين منزل الأب حنا يوسف؟
- "من قال لك انه أب". وانفجر الأثوري ضاحكا بشاربيه الأبيضين المستقرين على فمه مثل حليب، كانت عيناه الزرقاوان الغائرتان ووجهه الناتئ العظام تتهكم. لم يجبني. انما اجابتني زوجته التي كانت تجلس الى اجنبه، وهي تشير الى دوحة خضراء منتصبة في الساحة، قالت وهي تشير باصبعها النحيف:
- "هناك أمامك". ولم يبق من ذكرى وجهها الآن سوى جدائلها المصففة بشكل هالة منتصبة، واطارات نظارتها الطبية ووجهها الباكي الذي يذكّر بحواء بعد طردها من الجنة.
حين وصلت سياج المقبرة، رأيت المنزل الصغير الملحق بجانب مهدم& من الكنيسة، كان الماء يتحرك في منخفض صغير عند السياج، فيترك غشاء فضياً رقيقا في الهواء، كنت أسمع صوته وهو يجري بعذوبة، فتحولت نحو السور المصنوع من الطوب الأحمر، وهو يحيط بأرض واسعة ناعمة الحشيش، يبزغ حول سدر عجوز ناعم الأوراق بين صفوف من الزهر المتناثرة من غير نظام تحت العرائش العريضة، التي تهتز بفعل العصافير التي تجري وتنط من مكان لآخر.
كان هنالك رجل يلف رأسه بقماشة بيضاء، يرتدي بنطلونا حائل اللون، ويمسك سكيناً طويلة حادة، أخذ يذبح ديكاً ملوناً في الحديقة ثم رماه على الحشيش، وهو يتخبط بدمه، فسألته ان كان هذا البيت هو بيت حنا يوسف أم لا، فأجابني بالايجاب، وأنا أنظر الى بقعة من الدم حمراء على الحشيش تبرق في وهج الشمس.
كان لقاؤنا حميميا ووديا، فحنا الذي استقبلني، كان يبستم على الدوام فيتسع شاربه الصغير الذي يستقر على فمه مثل خط أحمر من النبيذ، أخذني نحو الصالة المقابلة للخوان، حيث الستائر مشغولة بنقوش صغيرة لأزهار وأوراق مصبوغة بلون وردي، وكنت اسمع وشيش الدوش في الحمام الذي يختلط مع صوت عجلة سيارة في الخارج تكشط الاسفلت.
فسألته ان كان هنالك شخص اخر في المنزل، فقال:
- "نونو في الحمام". وبعد ذلك أخذت أسألأه عن الفيلسوف، وعن كتبه التي صدرت في حياته، فقال لي وهو يهز رأسه الأحمر الصغير وعيناه الزرقاوان تلمعان:
- "لا... ل هذا الأرعن لم يكتب كتاباً واحداً في حياته".
- "أرعن..ّ" قلت.
- "كل فيلسوف أرعن" قلات نونو بهار وهي تسير أمامنا عارية بعد خروجها من الحمام.
- "لم أفهم". قلت وأنا أنظر الى نونو بهار، التي اعتدلت واقفة أمام الأريكة المغطاة بوسائد حريرية وشراشف متناثرة، وهي تزرر قميصها بيديها، ثم تناولت البنطلون فارتدته على لحمها العاري دون ان ترتدي كلسونا ونظرت بازائي.
كانت أبقت الزر العلوي محلولا فاستبان ثدياها المكتنزان تحت النسيج الناعم وقالت:
- "نعم! كل فيلسوف أرعن. لكن هنالك أرعن يكتب كتباً تسهّل الأمر على الذين يكتبون سيرته، وهنالك أرعن لا يكتب كتباً، فيقتضي أن ندفع مالاً لشخص ينقب ويكذب ويؤلف، ليصنع منه فيلسوفاً حقيقياً".
اندهشت من الطريقة التي واجهتني بها نونو، كان كلامها يشي بأن فكرة كتابة سيرة فيلسوف هي أمر هين، وقد أدركت بأني كنت متهيباً من عملية الكتابة، لذا فانها أرادت أن تدفعني بالاتجاه المعاكس بصورة ملتوية.
كان وجه نونو بهار يتصبب ماء، ويلتمع شعرها الأسود الفاحم تحت نور المصباح الموضوع في الزاوية، وحين اقتربت مني قالت:
- "تعرف... الفيلسوف ناعة، نعم ... صدقني! صناعة".
فأحسست بلحمها الحار وراء القميص المفتوح الذي يكشف عن صدرها الباذخ.
- "من يصنعه؟" قلت.
- "نحن" قال الدجالان كلاهما.
- "أنت ستكتب سيرة هذا الرجل ونحن نقوم بتغطية نفقات جمع المعلومات، والوثائق، ومن ثم سندفع لك". قال حنا، ثم أكملت نونو بهار:
- "سنعطيك اليوم وثائق أولية، وبعض الدلائل الجغرافية، ستكون نقاط انطلاقك، أرجوك، لا تتوقع ان تكون المهمة شاقة، حياته بسيطة غاية البساطة".
- " أتتوقعين ذلك؟" قلت.
- "نعم".
في الواقع كنت فرحاً فرحاً كبيراً بالمال الذي وعدوني به، لا سيما اني كنت مفلساً افلاساً لا يعرف مقداره إلا صديقي الذي يعمل محققاً في دار المخطوطات، وربما هذا ما أدركه الفضائحيان كلاهما، وحين أدركا فرحي وقبولي بهذا الأمر، بدآ بجمع أوراق مختلفة، وملفات ضخمة، ووثائق كانت موضوعة بشكل غير مرتب في المكتبة التي كانت تقابلنا.
كان حنا أكثر عنفا في تقليب الكتب الجلدية الحمراء، وازاحة المحابر الزجاجية العريضة، وهو يضعها على مكتب تتناثر عليه أقلام ملونة بالحبر، ودبابيس، ومرايش صغيرة، ودواة صغيرة من السائل الأحمر.
- "هذه وثائق مهمة تساعدك على معرفة طفولته، وأيام دراسته وبعض المعلومات عن الشخصيات التي كانت تتصل به".
أخرج حنا منديلاً من بنطلونه المربع المنقوش، وأخذ يمسح مكتبه، ثم جلس على مقعد من القش المهدب وأخذ ينظر نحوي بحذر، وناولني ملفاً مخططاً سميكاً.
- "هذا ملف بيت نادية خدوري الذين كانوا شركاء بيت لاوي تجار السيارات"، ثم أخرج مجموعة من أوراق مربعة وقال:
- "هذه الأوراق مهمة تخص شاؤول"، فقالت نونو بهار:
- "هذه المعلومات والوثائق لا تكفي، انما ستدلك فقط من أين تبتدئ، والأمكنة التي ستجد فيها المعلومات والوثائق الاخرى المهمة".
كانت نونو بهار تتكلم وهي تعلك، وعيناها تلصفان ببريق شهي ومثير، فحولت عيني الى الاوراق التي في يدي وأخذت اقلبها، لم تكن الوثائق وثائق بالمعنى الدقيق للكلمة، انما معلومات مكتوبة بأسلوب مبتذل وزائف، بعضها لم يكن سوى مراث تأبينية تنعم براحة البال لأولئك الذين عدوه في حياته أحمق، وتحاول أن تثبت بشيء من السخافة، ما كان يملكه من حكمة ونبوغ. لم تكن هذه الأوراق التي تتسم بالتذبذبات مصدر ازعاج... بل على العكس من ذلك، كانت مهمة في ايضاح بعض المشكلات الأولية التي تخص السيرة، لكن مشكلتها العسيرة، وهذا ما يمكننا أن ندركه من النظرة الأولى، انها أكداس عسيرة الهضم مكتوبة بأسلوب مبتذل، واطراء ممل، وفقر يرثى له من التجرد، بينما كا كنت أبحث عنه هو الوثيقة التي تحتوي على معلومات محايدة، حتى وان كانت وثيقة بليدة، فانها يمكنها ان تكون عوناً كبيراً مهما كانت تتسم بالبطء والفظاظة.
لكن هذه الوثائق التي زودوني بها هي وثائق مكتوبة بأسلوب مفتعل ومنحاز، ولم تكن، طوال فترة كتابتي للسيرة سوى عائق، كان عليّ أن أحييها بروح تهكمية وأن أسخر من سماجتها وضحالتها. وأنا أقلب الصفحات كان عليّ أن أدقق بحكايات مثل:
ما ان لامس الفيلسوف الغصن أمام حسنية حتى تفتحت أزهاره، أو ما ان مسك الدجاجة حتى باضت في حضنه بيضة تزن نصف كيلو.
هكذا كنت أقلب أوراقاً تجعل العربنجي عملاقاً هائلاً صامتاً وغامضاً، وهي قدرة بعض الشخصيات على التشويه والتقليد والتناقض دون الشعور بمراتب متميزة لمجافاتها العقل، لكن المهم هو الأسماء، أسماء الخدم والسادة والأدباء والتجار والأبناء والشخصيات التي كان عليّ أنا البحث عنها في مكان آخر، لا في هذه الأوراق المكتوبة بشكل بغيض ومحرض.
فسألت حنا ان كان للفيلسوف أصدقاء، فأجابت نونو بهار بصوتها الكسول:
- "سنعرفك الى التاجر غان زادة، فهو وحده الذي يعرف عن حياته الخاصة الكثير، والمحامي بطرس سمحيري، هذا أيضا عليك ان تلتقيه، فلديه هو الآخر وثائق رسمية تعينك على الكتابة". ثم جلسنا على كراسي موضوعة عليها وسائد من الساتان الأخضر، متحلقة حول المدخنة الرخامية، ومن العتمة ينبعث نور خفيف وقاتم، وحينما فتحت نونو بهار النافذة كنت شممت رائحة السدر مختلطة بالتراب وبقية عطر نسائي فائر.
- "متى ستبدأ العمل؟"، قال حنا يوسف بشبابه العارم المكتوم.
- "غداً".
- "هنالك رسائل أكتبها لك ربما تعينك وتسهل مهمتك، كما لديّ أيضا نصيحة".
- "ما هي ؟".
- "هل أنت أخلاقي؟".. كان يبتسم بينما كانت نونو تلعب بقلادة تستقر بين نهديها.
- "أنا رجل شريف"... قلت لهما في الحال.
- "هذا ما عليك أن تحذره" وضحك الاثنان ضحكات خفيفة مكتومة، فقامت نونو بهار من جانبي بشعرها الوحشي، وهي ترفع يدها حيث يظهر جانب صغير من صدرها بين الإبط والذدي.
- "نحن لا ندفع لك المال لأنك رجل شريف... لا.. لا على الاطلاق". قالت نونو بهار وانفجرت بضحكة ناعمة، وتابعت بصوت كسول:
- "كلنا شرفاء، ولكن شرفنا لا يصرف علينا".
- "لا أفهمك حنا! تريدني أكت أموراً حقيقية أم زائفة؟".
- شيء آخر، على العموم عليك ان تعرف ان الحقيقي والزائف ليست متنافضات في عملك، وأنت لا تقبض مالاً لأنك تكتب الحقيقي".
- "أنا سأكتب عظمته وحقارته في آن واحد".
- "اكتب ما تشاء وليكن هذا الحمار أعظم من جان بول سارتر، لا يهمني على الاطلاق، ما يهمني هو أني سأقرر معك بعض اتفاصيل المهمة في حياته".
- "حينما تصل الى النهاية ستفهم" قالت نونو.
في الواقع لم أفهم الكثير مما قالاه لي، ولكني أدركت ان العمل مع هذين الدجالين ليس بالأمر السهل، فلهما مطالب أخرى لا أعرف كيف يمكنني تسويتها معهما، ولكني بعد دقائق من الصمت أدركت بأن عليّ أن اغادر المكان، فاستأذنت على أمل اللقاء بهما& في الأيام الأخرى.
فتقدم حنا نحوي وأخذ بيدي، وكأنه يريد أن يخرجني بحنان وعاطفة صادقة من الباب، وكانت نونو بهار تجلس وراءه مباشرة على كرسي مصنوع من الخيزران، وتضع أقدامها الحافية على طابورية رخامية مغطاة بمفرش أبيض مخرم ومطرز من حرير، وقد فتحت ركبتيها باسترخاء واشتهاء.
خرجت في الظهيرة من المنزل، وأخذت أسير فغي شوارع بارك السعدون الضيقة، ذات الأرصفة المبللة والاعمدة المبنية بالآجر الخشن، كانت الفتيات المسيحيات يدخلن الكنيسة التي أخذت نواقيسها النحاسية الصلبة تدق فيتردد صداها بين المنازل، وقد غطت أسيجتها العرائش والسدر الضخم، كن يرتدين الملابس الافرنجية الناعمة النسيج، والاحذية وبالكعوب العالية، وعلى رؤوسهن البراقع الخفيفة المخرمة.
لم أكن أعرف حنا يوسف من قبل ولا نونو بهار، ولكني أدركت ان لهذين الدجالين أمراً خارج السيرة، أو لنقل أمراً بالسيرة، وهذا ما لا يفوت المرء أحياناً، انما يتجاوزه لسبب من الأسباب، أما سببي الحقيقي الذي تجاوزت به هذا الأمر فهو المال، لقد كنت مفلساًُ تماماً، فلم أجد نفسي ضائعاً أو متردداً انما كان عليّ أن أقرر الأشياء فيما بعد، وربما في اليوم التالي، وهو اليوم الذي أطلقت عليه (يوم رحلة البحث عن سيرة الفيلسوف) وهذا بطبيعة الحال أمر لا أخلاقي، فأنا لم أكن طوال حياتي أخلاقياً موسوساً، ولافضائحياً متحمساً، انما لم أدرك في ذلك الوقت ان للشرف والأخلاق هذا التأثير المسموم على بعض الناس.
لم أكن معنياً علىالاطلاق بانجاز شيء من الروائع الاخلاقية، كما لم أكن معنياً بتقليد هذا التشويه الذي طرحه عليّ حنا يوسف ونونو بهار، أو محاكاة وسائلهما، كما لم أكن مسكوناً بفكرة الخير أو النبل أو العفة او الصرامة على الاطلاق، كما اني لم أجعل من السيرة نوعاً من الاحساس بالخوف او الاعجاب المبالغ به، ولا العداء الذي يسربه هذان الدجالات لي، فأنا لم أكن - مثل أي شخص آخر- متحرراً من العواطف العنيفة، والقدرة على الاختراع، لكني لم أكن ذا نية في الدخول في التاريخ المأساوي للعالم، كان في روحي على الدوام نوع من التحرر، ولم يفسد الاحساس بالحب او الكراهية عواطفي الاخلاقية.
وهكذا كنت في اليوم التالي أفحص الوثائق والاوراق والصور والمعلومات، التي هيأها لي حنا ونونو بهار، وان كان عليّ ان أذكر شيئا مهما فعليّ أن أذكر:
بأني لم أكن أتوقع أن الأمر بهذه السهولة ولا بهذه الطلاقة، وان هذا الاسلوب الشتائمي الوقح الذي واجهني به هذان الدجالان لم يكن يخلو من مرح، وما كان عليّ ان اقوله أيضا ان هذين الشريرين قد جذباني بسحرهما الذي لا يقاوم، وقدرتهما على تسخيف الناس وتسطيحهم، واللعب الذي& يمكنهما من خلاله خلط الحقائق بالكذب، والتدقيق بالتزوير، دون الشعور بالتناقض أو بالمفارقة، وانهما مكناني من الشعور بغياب التدقيق أحياناً، وتقليل التمسك الصارم بالشروط الموضوعة.
لا أدري لماذا سحرتني براعة نونو بهار، فضائحيتها، تخنثها، ولا اخلاقيتها، ربما لأنها حررتني من شيء طالما احتقرته، وهو اسباغ نوع من الكمال وسمو المعرفة على الشخصية التي اصبحت اليوم رماداُ في قبر، فلولا الشتائم المجانية وهذا القدر الكبير من الاحتقار واللاأبالية لكنت كتبت شيئاً شبيهاً بما كتبه أدامنن عن حياة القديس كولومبا.
كان قد قدمني لهما صديم قديم في دار المخطوطات القديمة في بغداد، فسحرني حنا بصوته المتقطع ولهجته الحادة، وسحنة وجهه المقابرية، كان ذلك يوم تشريني مشمس، تذروه بعض الرياح الباردة، فقال لي بسحنته الرؤيوية ويده على كتف صديقته التي تعلك بصورة مستمرة: (منزلي في بارك السعدون، قرب بقالة الأثوري، سأنتظرك يوم الأحد في الضحى).
ضحة الأحد كنت انعطفت من مبنى البريد نحو الضاحية المسيحية المحيطة بحدائق بارك السعدون، كانت الأشجار صفاً أمام المنازل الخفيضة، فشممت رائحة تضوع من الاسفلت الصقيل المبلل بالمطر، وفي نهاية الجادة كنت رأيت بقالة الأثوري.
في الواقع لم تكن بقالة الأثوري كبيرة، انما متجر ضيق ببابين خشبيين مثبت وسطهما مصراعان نحاسيان كبيران كان يلصفان بصورة مكتومة، وواجهة البقالة مبلطة ببلاط ابيض، وهناك منصة رخامية تحمل أواني نحاسية، وسلال فواكه& مغسولة، وزجاجات ويسكي وعرق محلي ونبيذ فاخر موضوعة بصورة مرتبة خلف الواجهة الزجاجية، ووراء الأثوري صورة مثبتة على الحائط لوجه جامد يرتدي بذلة مطرزة بالنياشين.
فسألته:
- أين منزل الأب حنا يوسف؟
- "من قال لك انه أب". وانفجر الأثوري ضاحكا بشاربيه الأبيضين المستقرين على فمه مثل حليب، كانت عيناه الزرقاوان الغائرتان ووجهه الناتئ العظام تتهكم. لم يجبني. انما اجابتني زوجته التي كانت تجلس الى اجنبه، وهي تشير الى دوحة خضراء منتصبة في الساحة، قالت وهي تشير باصبعها النحيف:
- "هناك أمامك". ولم يبق من ذكرى وجهها الآن سوى جدائلها المصففة بشكل هالة منتصبة، واطارات نظارتها الطبية ووجهها الباكي الذي يذكّر بحواء بعد طردها من الجنة.
حين وصلت سياج المقبرة، رأيت المنزل الصغير الملحق بجانب مهدم& من الكنيسة، كان الماء يتحرك في منخفض صغير عند السياج، فيترك غشاء فضياً رقيقا في الهواء، كنت أسمع صوته وهو يجري بعذوبة، فتحولت نحو السور المصنوع من الطوب الأحمر، وهو يحيط بأرض واسعة ناعمة الحشيش، يبزغ حول سدر عجوز ناعم الأوراق بين صفوف من الزهر المتناثرة من غير نظام تحت العرائش العريضة، التي تهتز بفعل العصافير التي تجري وتنط من مكان لآخر.
كان هنالك رجل يلف رأسه بقماشة بيضاء، يرتدي بنطلونا حائل اللون، ويمسك سكيناً طويلة حادة، أخذ يذبح ديكاً ملوناً في الحديقة ثم رماه على الحشيش، وهو يتخبط بدمه، فسألته ان كان هذا البيت هو بيت حنا يوسف أم لا، فأجابني بالايجاب، وأنا أنظر الى بقعة من الدم حمراء على الحشيش تبرق في وهج الشمس.
كان لقاؤنا حميميا ووديا، فحنا الذي استقبلني، كان يبستم على الدوام فيتسع شاربه الصغير الذي يستقر على فمه مثل خط أحمر من النبيذ، أخذني نحو الصالة المقابلة للخوان، حيث الستائر مشغولة بنقوش صغيرة لأزهار وأوراق مصبوغة بلون وردي، وكنت اسمع وشيش الدوش في الحمام الذي يختلط مع صوت عجلة سيارة في الخارج تكشط الاسفلت.
فسألته ان كان هنالك شخص اخر في المنزل، فقال:
- "نونو في الحمام". وبعد ذلك أخذت أسألأه عن الفيلسوف، وعن كتبه التي صدرت في حياته، فقال لي وهو يهز رأسه الأحمر الصغير وعيناه الزرقاوان تلمعان:
- "لا... ل هذا الأرعن لم يكتب كتاباً واحداً في حياته".
- "أرعن..ّ" قلت.
- "كل فيلسوف أرعن" قلات نونو بهار وهي تسير أمامنا عارية بعد خروجها من الحمام.
- "لم أفهم". قلت وأنا أنظر الى نونو بهار، التي اعتدلت واقفة أمام الأريكة المغطاة بوسائد حريرية وشراشف متناثرة، وهي تزرر قميصها بيديها، ثم تناولت البنطلون فارتدته على لحمها العاري دون ان ترتدي كلسونا ونظرت بازائي.
كانت أبقت الزر العلوي محلولا فاستبان ثدياها المكتنزان تحت النسيج الناعم وقالت:
- "نعم! كل فيلسوف أرعن. لكن هنالك أرعن يكتب كتباً تسهّل الأمر على الذين يكتبون سيرته، وهنالك أرعن لا يكتب كتباً، فيقتضي أن ندفع مالاً لشخص ينقب ويكذب ويؤلف، ليصنع منه فيلسوفاً حقيقياً".
اندهشت من الطريقة التي واجهتني بها نونو، كان كلامها يشي بأن فكرة كتابة سيرة فيلسوف هي أمر هين، وقد أدركت بأني كنت متهيباً من عملية الكتابة، لذا فانها أرادت أن تدفعني بالاتجاه المعاكس بصورة ملتوية.
كان وجه نونو بهار يتصبب ماء، ويلتمع شعرها الأسود الفاحم تحت نور المصباح الموضوع في الزاوية، وحين اقتربت مني قالت:
- "تعرف... الفيلسوف ناعة، نعم ... صدقني! صناعة".
فأحسست بلحمها الحار وراء القميص المفتوح الذي يكشف عن صدرها الباذخ.
- "من يصنعه؟" قلت.
- "نحن" قال الدجالان كلاهما.
- "أنت ستكتب سيرة هذا الرجل ونحن نقوم بتغطية نفقات جمع المعلومات، والوثائق، ومن ثم سندفع لك". قال حنا، ثم أكملت نونو بهار:
- "سنعطيك اليوم وثائق أولية، وبعض الدلائل الجغرافية، ستكون نقاط انطلاقك، أرجوك، لا تتوقع ان تكون المهمة شاقة، حياته بسيطة غاية البساطة".
- " أتتوقعين ذلك؟" قلت.
- "نعم".
في الواقع كنت فرحاً فرحاً كبيراً بالمال الذي وعدوني به، لا سيما اني كنت مفلساً افلاساً لا يعرف مقداره إلا صديقي الذي يعمل محققاً في دار المخطوطات، وربما هذا ما أدركه الفضائحيان كلاهما، وحين أدركا فرحي وقبولي بهذا الأمر، بدآ بجمع أوراق مختلفة، وملفات ضخمة، ووثائق كانت موضوعة بشكل غير مرتب في المكتبة التي كانت تقابلنا.
كان حنا أكثر عنفا في تقليب الكتب الجلدية الحمراء، وازاحة المحابر الزجاجية العريضة، وهو يضعها على مكتب تتناثر عليه أقلام ملونة بالحبر، ودبابيس، ومرايش صغيرة، ودواة صغيرة من السائل الأحمر.
- "هذه وثائق مهمة تساعدك على معرفة طفولته، وأيام دراسته وبعض المعلومات عن الشخصيات التي كانت تتصل به".
أخرج حنا منديلاً من بنطلونه المربع المنقوش، وأخذ يمسح مكتبه، ثم جلس على مقعد من القش المهدب وأخذ ينظر نحوي بحذر، وناولني ملفاً مخططاً سميكاً.
- "هذا ملف بيت نادية خدوري الذين كانوا شركاء بيت لاوي تجار السيارات"، ثم أخرج مجموعة من أوراق مربعة وقال:
- "هذه الأوراق مهمة تخص شاؤول"، فقالت نونو بهار:
- "هذه المعلومات والوثائق لا تكفي، انما ستدلك فقط من أين تبتدئ، والأمكنة التي ستجد فيها المعلومات والوثائق الاخرى المهمة".
كانت نونو بهار تتكلم وهي تعلك، وعيناها تلصفان ببريق شهي ومثير، فحولت عيني الى الاوراق التي في يدي وأخذت اقلبها، لم تكن الوثائق وثائق بالمعنى الدقيق للكلمة، انما معلومات مكتوبة بأسلوب مبتذل وزائف، بعضها لم يكن سوى مراث تأبينية تنعم براحة البال لأولئك الذين عدوه في حياته أحمق، وتحاول أن تثبت بشيء من السخافة، ما كان يملكه من حكمة ونبوغ. لم تكن هذه الأوراق التي تتسم بالتذبذبات مصدر ازعاج... بل على العكس من ذلك، كانت مهمة في ايضاح بعض المشكلات الأولية التي تخص السيرة، لكن مشكلتها العسيرة، وهذا ما يمكننا أن ندركه من النظرة الأولى، انها أكداس عسيرة الهضم مكتوبة بأسلوب مبتذل، واطراء ممل، وفقر يرثى له من التجرد، بينما كا كنت أبحث عنه هو الوثيقة التي تحتوي على معلومات محايدة، حتى وان كانت وثيقة بليدة، فانها يمكنها ان تكون عوناً كبيراً مهما كانت تتسم بالبطء والفظاظة.
لكن هذه الوثائق التي زودوني بها هي وثائق مكتوبة بأسلوب مفتعل ومنحاز، ولم تكن، طوال فترة كتابتي للسيرة سوى عائق، كان عليّ أن أحييها بروح تهكمية وأن أسخر من سماجتها وضحالتها. وأنا أقلب الصفحات كان عليّ أن أدقق بحكايات مثل:
ما ان لامس الفيلسوف الغصن أمام حسنية حتى تفتحت أزهاره، أو ما ان مسك الدجاجة حتى باضت في حضنه بيضة تزن نصف كيلو.
هكذا كنت أقلب أوراقاً تجعل العربنجي عملاقاً هائلاً صامتاً وغامضاً، وهي قدرة بعض الشخصيات على التشويه والتقليد والتناقض دون الشعور بمراتب متميزة لمجافاتها العقل، لكن المهم هو الأسماء، أسماء الخدم والسادة والأدباء والتجار والأبناء والشخصيات التي كان عليّ أنا البحث عنها في مكان آخر، لا في هذه الأوراق المكتوبة بشكل بغيض ومحرض.
فسألت حنا ان كان للفيلسوف أصدقاء، فأجابت نونو بهار بصوتها الكسول:
- "سنعرفك الى التاجر غان زادة، فهو وحده الذي يعرف عن حياته الخاصة الكثير، والمحامي بطرس سمحيري، هذا أيضا عليك ان تلتقيه، فلديه هو الآخر وثائق رسمية تعينك على الكتابة". ثم جلسنا على كراسي موضوعة عليها وسائد من الساتان الأخضر، متحلقة حول المدخنة الرخامية، ومن العتمة ينبعث نور خفيف وقاتم، وحينما فتحت نونو بهار النافذة كنت شممت رائحة السدر مختلطة بالتراب وبقية عطر نسائي فائر.
- "متى ستبدأ العمل؟"، قال حنا يوسف بشبابه العارم المكتوم.
- "غداً".
- "هنالك رسائل أكتبها لك ربما تعينك وتسهل مهمتك، كما لديّ أيضا نصيحة".
- "ما هي ؟".
- "هل أنت أخلاقي؟".. كان يبتسم بينما كانت نونو تلعب بقلادة تستقر بين نهديها.
- "أنا رجل شريف"... قلت لهما في الحال.
- "هذا ما عليك أن تحذره" وضحك الاثنان ضحكات خفيفة مكتومة، فقامت نونو بهار من جانبي بشعرها الوحشي، وهي ترفع يدها حيث يظهر جانب صغير من صدرها بين الإبط والذدي.
- "نحن لا ندفع لك المال لأنك رجل شريف... لا.. لا على الاطلاق". قالت نونو بهار وانفجرت بضحكة ناعمة، وتابعت بصوت كسول:
- "كلنا شرفاء، ولكن شرفنا لا يصرف علينا".
- "لا أفهمك حنا! تريدني أكت أموراً حقيقية أم زائفة؟".
- شيء آخر، على العموم عليك ان تعرف ان الحقيقي والزائف ليست متنافضات في عملك، وأنت لا تقبض مالاً لأنك تكتب الحقيقي".
- "أنا سأكتب عظمته وحقارته في آن واحد".
- "اكتب ما تشاء وليكن هذا الحمار أعظم من جان بول سارتر، لا يهمني على الاطلاق، ما يهمني هو أني سأقرر معك بعض اتفاصيل المهمة في حياته".
- "حينما تصل الى النهاية ستفهم" قالت نونو.
في الواقع لم أفهم الكثير مما قالاه لي، ولكني أدركت ان العمل مع هذين الدجالين ليس بالأمر السهل، فلهما مطالب أخرى لا أعرف كيف يمكنني تسويتها معهما، ولكني بعد دقائق من الصمت أدركت بأن عليّ أن اغادر المكان، فاستأذنت على أمل اللقاء بهما& في الأيام الأخرى.
فتقدم حنا نحوي وأخذ بيدي، وكأنه يريد أن يخرجني بحنان وعاطفة صادقة من الباب، وكانت نونو بهار تجلس وراءه مباشرة على كرسي مصنوع من الخيزران، وتضع أقدامها الحافية على طابورية رخامية مغطاة بمفرش أبيض مخرم ومطرز من حرير، وقد فتحت ركبتيها باسترخاء واشتهاء.
خرجت في الظهيرة من المنزل، وأخذت أسير فغي شوارع بارك السعدون الضيقة، ذات الأرصفة المبللة والاعمدة المبنية بالآجر الخشن، كانت الفتيات المسيحيات يدخلن الكنيسة التي أخذت نواقيسها النحاسية الصلبة تدق فيتردد صداها بين المنازل، وقد غطت أسيجتها العرائش والسدر الضخم، كن يرتدين الملابس الافرنجية الناعمة النسيج، والاحذية وبالكعوب العالية، وعلى رؤوسهن البراقع الخفيفة المخرمة.
لم أكن أعرف حنا يوسف من قبل ولا نونو بهار، ولكني أدركت ان لهذين الدجالين أمراً خارج السيرة، أو لنقل أمراً بالسيرة، وهذا ما لا يفوت المرء أحياناً، انما يتجاوزه لسبب من الأسباب، أما سببي الحقيقي الذي تجاوزت به هذا الأمر فهو المال، لقد كنت مفلساًُ تماماً، فلم أجد نفسي ضائعاً أو متردداً انما كان عليّ أن أقرر الأشياء فيما بعد، وربما في اليوم التالي، وهو اليوم الذي أطلقت عليه (يوم رحلة البحث عن سيرة الفيلسوف) وهذا بطبيعة الحال أمر لا أخلاقي، فأنا لم أكن طوال حياتي أخلاقياً موسوساً، ولافضائحياً متحمساً، انما لم أدرك في ذلك الوقت ان للشرف والأخلاق هذا التأثير المسموم على بعض الناس.
لم أكن معنياً علىالاطلاق بانجاز شيء من الروائع الاخلاقية، كما لم أكن معنياً بتقليد هذا التشويه الذي طرحه عليّ حنا يوسف ونونو بهار، أو محاكاة وسائلهما، كما لم أكن مسكوناً بفكرة الخير أو النبل أو العفة او الصرامة على الاطلاق، كما اني لم أجعل من السيرة نوعاً من الاحساس بالخوف او الاعجاب المبالغ به، ولا العداء الذي يسربه هذان الدجالات لي، فأنا لم أكن - مثل أي شخص آخر- متحرراً من العواطف العنيفة، والقدرة على الاختراع، لكني لم أكن ذا نية في الدخول في التاريخ المأساوي للعالم، كان في روحي على الدوام نوع من التحرر، ولم يفسد الاحساس بالحب او الكراهية عواطفي الاخلاقية.
وهكذا كنت في اليوم التالي أفحص الوثائق والاوراق والصور والمعلومات، التي هيأها لي حنا ونونو بهار، وان كان عليّ ان أذكر شيئا مهما فعليّ أن أذكر:
بأني لم أكن أتوقع أن الأمر بهذه السهولة ولا بهذه الطلاقة، وان هذا الاسلوب الشتائمي الوقح الذي واجهني به هذان الدجالان لم يكن يخلو من مرح، وما كان عليّ ان اقوله أيضا ان هذين الشريرين قد جذباني بسحرهما الذي لا يقاوم، وقدرتهما على تسخيف الناس وتسطيحهم، واللعب الذي& يمكنهما من خلاله خلط الحقائق بالكذب، والتدقيق بالتزوير، دون الشعور بالتناقض أو بالمفارقة، وانهما مكناني من الشعور بغياب التدقيق أحياناً، وتقليل التمسك الصارم بالشروط الموضوعة.
لا أدري لماذا سحرتني براعة نونو بهار، فضائحيتها، تخنثها، ولا اخلاقيتها، ربما لأنها حررتني من شيء طالما احتقرته، وهو اسباغ نوع من الكمال وسمو المعرفة على الشخصية التي اصبحت اليوم رماداُ في قبر، فلولا الشتائم المجانية وهذا القدر الكبير من الاحتقار واللاأبالية لكنت كتبت شيئاً شبيهاً بما كتبه أدامنن عن حياة القديس كولومبا.
****
هنا& المقطع الاول من الفصل الاول، من رواية "بابا سارتر"&التي صدرت عن دار "رياض الريس للكتب والنشر"& في بيروت،& ايار (مايو) 2001،& 261 صفحة من القطع المتوسط.&








التعليقات