&
كتب غسان تويني في النهار فقال :" مرة أخرى، نريد أن نبدأ مقالنا باستشهاد ...
ولكنه ، هذه المرة، ليس "سوريالياً" كالاسبوع الماضي وكان فيه هذا القول الى حاكم يتذمّر من المعارضة: "لماذا لا ننتخب شعباً جديداً"؟
هذه المرة نستشهد بالأمر اليومي الذي وجهه عسكري كبير هو الجنرال "بوفور" (قائد الحملة الفرنسية التي جاءت عام 1860 للمساهمة في وضع حد للحرب المشؤومة المعلومة) الى ضباط القوة وجنودها في يومهم الأول في لبنان: "حذار المحاولات التي سيبذلها البعض للحؤول دون التقارب بين الفريقين المتنازعين (...) يجب ان تتعاونوا مع الزعماء الحكماء من الفريقين لازالة قلة الثقة المتبادلة (...) قولوا للمسيحيين: كنتم ضحية التفرقة التي سادت في البلد خلال عشرين سنة من التآمرية (...) الهادفة الى جعلكم اعداء الدروز الذين يشاطرونكم المؤسسات نفسها والمصالح نفسها، فقدركم ان تعيشوا واياهم معاً في الوطن ذاته، وهم ليسوا أعداءكم، بل صُوِّر لهم ذلك (...) فاذا استعاد لبنان وحدته وامتيازاته واستقلاله، صار في وسع اوروبا عندئذ ان تساعده...".
نسوق هذا الكلام الى العسكري الكبير رئيس الجمهورية اللبنانية، في الاسبوع الذي يدخل خلاله الحوار الوطني الذي عاد بحق وتمركز حوله شخصياً، وفي قصره، علّه يتعظ به ويوجهه - وهو القائد اللبناني، وليس اجنبياً - لا الى محاوريه فحسب، بل الى قادة جيشه وجنودهم، داعياً اياهم للتصرف وفق ما طلب الجنرال بوفور من جنوده !!!
* * *
ننقل له، ولهم ذلك، رجوعاً الى صورة الحاكم الذي ساءته، في مسرحية برخت، معارضة الشعب، لنقول له ان ليس في وسعنا "انتخاب شعب جديد"... ولا هو ذلك في متناوله هو، ولا في وسع اي مسرحي ولا، خصوصاً، في متناول "السحرة الصغار" المتدرجين في المكيافيلية - محترفين وهواة! - و"يجرّبونها" بهذا الشعب... حتى لو مضى بعضهم، كما يحاولون الآن، في اعادة تكييف مؤسسات المجتمع الشعبي واحزابه لتنتخب القيادات التي يدّعون لها أنها ترضي الحاكم (وكأنهم "ينتخبون له شعباً جديداً").
كل ذلك له اسم واحد لا اسمان في السياسة، وفي علومها وتاريخها: تزوير الارادة الشعبية!
وهي لعبة كلما مارسها حاكم، او مارستها اجهزته، واسوأها "المخابراتية" التي تلجأ - ساعة تغتاظ من حقائق الرأي العام عندما لا تتطابق وهواياتها ومصالحها وتنظيراتها الخنفشارية - تلجأ، نقول، الى محاولة افتعال المواقف و"اصطناع" الشخصيات وابتكار الحزبيات التي تصاقب مخططاتها وطموحاتها للحاكم ونيابة عنه في بعض الاحيان، ولمصلحة سواه في غالبها...
وقد سبق لنا ان قلنا، ونكرر، اننا نعرف ان رئيس الجمهورية براء من مثل هذه التصرفات التي كان لها لبنان مسرحاً، وهو في قمة السعي الى المصالحة... وحذّرنا الرئيس، ونكرر، من الوقوع في مثل ما وقع فيه سلف له هو الرئيس اللواء فؤاد شهاب، فهدرت المخابرات التي صوّرت له انها حزبه الوحيد الذي يخدمه ويحميه - هدرت النظرة الاجتماعية والتطلع السلمي التقدمي الذي كان يريده.
* * *
ونستطرد لنقول ان سقوط الشهابية، بعد سلوكها هذا المنحى، وسقوط تطلعاتها الاصلاحية لم يكن صدفة، بل مردّه الى كون لبنان، بطبيعته التكوينية التي لا يلائمها نظام سوى الديمقراطية، رفض "العسكرة" وكان يريد ان يبعد عن مذاقه كأس الانقلابات العسكرية التي ظنت بعض الدول العربية (بتشجيع اجنبي صار معلوماً) انها طريق التغلّب على هزيمة عام 1948 وطريق مكافحة فساد الحكم المسؤول عنها... فاذا بالانقلابات تتوالى، الواحد يستولد الآخر، واذا بالجيوش تتسربل بالعقائديات التي تتوسلها، فيتوسل القادة الانقلابيون عسكراً لا يحسن سوى محاربة العسكر الذي منه وله... بينما العدو يتوسع احتلاله، والفساد يستشري، انما متخفياً مخفياً خلف ستائر الخوف والجهل الناجم عن منع حرية النقد فحرية المحاسبة... إلا بانقلاب على انقلاب.
وها نحن - ولنتصارح - امام المشهد، "المأزقي - المأسوي": انظمة انقلابية عقائدية بالية تريد، ويريد المجدّدون من قادتها، "التغيير" في سبيل المزيد من الحرية، لان الحرية هي طريق التقدم والحضارة والازدهار، فيكتشفون أكثر فأكثر كل يوم ان انظمتهم ومجتمعاتهم "المدنية" صارت اسيرة اللعبة الجهنمية& اياها (ويخترعون لها كل يوم اسماً مهذبا جديدا!...) ... وساعة لا تكون أسيرة السجون، نجدها أسيرة المصالح الخاصة التي يجنيها "ابطال" السيطرة على اجهزة الحكم!
وهكذا يتسربل التغيير، كما تتسربل الناس... والناس كلها تعرف كل شيء، ولو لم تتكلم بذلك الا همساً، انما الهمس بدأ يصير بالامر ضجيجاً ، وغاضبا.
* * *
فيا ايها المدعوون الى الحوار، ويا ايها الذين انفتح الرئيس، عقلاً وقلباً، وليحاورهم، وكأنه يردد الكلام الكلام: "والحكم شورى بينهم"...
طالبوا الرئيس بالشورى هذه، في معناها العميق وفي بعدها المطلق.
وذكّروه بامره اليومي الوداعي للجيش، اثر انتخابه:
"انني على ثقة بان الجيش سيبقى بعيداً عن السياسة، كما ستكون السياسة ممنوعة من التدخل في الجيش الذي سيستمر ملتزما أوامر السلطة السياسية الممثلة دستوريا بمجلس الوزراء".
واسألوه، وقد كاد لبنان ينفجر ويتهوّر ويفلس نتيجة محاولة فرض دولة الامن المعسكر التي سميت بحق "محاولة إنقلاب رئاسي - امني"... اسألوه - وهو فوق المحاولة حكماً، وقد اختار الحوار - اسألوه لماذا لا يعيد العسكر الى ثكناتهم، بمن فيهم القائد الذي خرجت به دمشق فجأة إلى الواجهة وكأنها تتوِّجه، ولا نخاله هو الذي سعى الى ذلك!... ولكن بدأت مع ذلك بيانات القيادة العسكرية تنهمر على نحو لم يكن معهوداً، ولا هو مقبولاً.
* * *
بل اكثر: لماذا لا يسأل دمشق - حتى ولو بقي عسكرها منتشراً وفق الضرورات الستراتيجية التي لا يريد لبنان مناقشتها - ليسأل دمشق هل تدخّل ضباطها علناً في الشؤون اللبنانية هو جزء من ضرورات التصدي الستراتيجي للعدو؟ وكيف لا تدرك دمشق انه مخالف للنظام اللبناني ولخطاب القسم الذي اداه رئيس لبنان امام مجلس النواب، فضلاً عن مخالفة امره اليومي للعسكر اللبناني؟
اسألوه لماذا لا يجرّب الديمقراطية فعلاً لا قولاً، لماذا لا يعطي للشعب حظه وحقه في التعبير عن ارادته بدون قولبة المقولبين ودوزنة المدوزنين، الى آخر الاغنيات الساحرات.
لماذا لا يقلع عن تبني النظريات الصبيانية في الاقتصاد خصوصاً، كما في السياسة، والخارجية منها بنوع أخص، وقد آن لنا ان نعترف انها تكاد تودي بنا الى هاوية اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن فقدان الثقة العالمية بلبنان، واكثر واكثر...
وحتّام، يظل يسمح بان يُعتبر كل ذي رأي حر متآمرا، وكل ذي نظرة مختلفة عدواً...
اسألوه، والناس بمن فيهم أهل الانظمة التي اختبرت "العسكرة" نادمون يريدون الخروج منها... اسألوه كيف يسمح بان يحاول اهل السوء، وقد فتح الرئيس ابواب الحوار مشرعة، التهيئة والتخطيط لاحباط الحوار و"التبشير" سلفاً بانه فاشل؟... ثم التدبير لاعادة لبنان الى قفص يفقد فيه آخر حقوقه، اي حقه الاقتصادي في الحياة... كل ذلك باسم شعارات صارت بالية ولا تنطلي دهانات آرماتها& و"يافطاتها" على أحد !
* * *
حسبنا، نحن، ختاما، ان نعيد على مسامع الرئيس العماد صدى الحكاية التي رواها هو في أول عهده لصديق صدوق:
ان والده الجنرال جميل اصطحبه ذات مساء، وهو بعد ضابط مبتدئ، الى بيت متواضع في بلدته بعبدات... وفتح باب قبو معتم، فاذا به يشاهد رجلاً مديد القامة ممدداً على فراش على الارض يئن من الوجع... وقال له والده هذا فلان، تعرفه، من جيراننا...& وقد خرج اليوم من السجن حيث كان متهماً... وهذا ما فعلت به الشهابية، فتعلَّم.
وختم الرئيس الرواية (كما بلغتنا) وهو يرويها: هذا المشهد وحده الذي لا يزال يسكن ذاكرتي يكفيني امثولة لأمنع زج الجيش في السياسة.
نحن لا نزال نعتقد ان الرئيس، عندما روى الواقعة، كان صادقاً. ونعتقد انه لا يزال على اقتناعه، وعلى ذاكرته الحيّة... ومتى اقتدى بالامثولة، سيكون هو الاقوى، وستكون له من قوة الديمقراطية اذا جرّبها - بعد ان ترك الآخرين يمسخرونها - وسيكون له من انفراج الناس، ومن الهوس الشعبي معه اذذاك، مناعة لا قدرة لاحد على اختراقها.
واذذاك، تعود ثقة العالم بلبنان، ويخلص من شِباك الفقر والتقهقر التي يلفّونه بها.
كتب غسان تويني في النهار فقال :" مرة أخرى، نريد أن نبدأ مقالنا باستشهاد ...
ولكنه ، هذه المرة، ليس "سوريالياً" كالاسبوع الماضي وكان فيه هذا القول الى حاكم يتذمّر من المعارضة: "لماذا لا ننتخب شعباً جديداً"؟
هذه المرة نستشهد بالأمر اليومي الذي وجهه عسكري كبير هو الجنرال "بوفور" (قائد الحملة الفرنسية التي جاءت عام 1860 للمساهمة في وضع حد للحرب المشؤومة المعلومة) الى ضباط القوة وجنودها في يومهم الأول في لبنان: "حذار المحاولات التي سيبذلها البعض للحؤول دون التقارب بين الفريقين المتنازعين (...) يجب ان تتعاونوا مع الزعماء الحكماء من الفريقين لازالة قلة الثقة المتبادلة (...) قولوا للمسيحيين: كنتم ضحية التفرقة التي سادت في البلد خلال عشرين سنة من التآمرية (...) الهادفة الى جعلكم اعداء الدروز الذين يشاطرونكم المؤسسات نفسها والمصالح نفسها، فقدركم ان تعيشوا واياهم معاً في الوطن ذاته، وهم ليسوا أعداءكم، بل صُوِّر لهم ذلك (...) فاذا استعاد لبنان وحدته وامتيازاته واستقلاله، صار في وسع اوروبا عندئذ ان تساعده...".
نسوق هذا الكلام الى العسكري الكبير رئيس الجمهورية اللبنانية، في الاسبوع الذي يدخل خلاله الحوار الوطني الذي عاد بحق وتمركز حوله شخصياً، وفي قصره، علّه يتعظ به ويوجهه - وهو القائد اللبناني، وليس اجنبياً - لا الى محاوريه فحسب، بل الى قادة جيشه وجنودهم، داعياً اياهم للتصرف وفق ما طلب الجنرال بوفور من جنوده !!!
* * *
ننقل له، ولهم ذلك، رجوعاً الى صورة الحاكم الذي ساءته، في مسرحية برخت، معارضة الشعب، لنقول له ان ليس في وسعنا "انتخاب شعب جديد"... ولا هو ذلك في متناوله هو، ولا في وسع اي مسرحي ولا، خصوصاً، في متناول "السحرة الصغار" المتدرجين في المكيافيلية - محترفين وهواة! - و"يجرّبونها" بهذا الشعب... حتى لو مضى بعضهم، كما يحاولون الآن، في اعادة تكييف مؤسسات المجتمع الشعبي واحزابه لتنتخب القيادات التي يدّعون لها أنها ترضي الحاكم (وكأنهم "ينتخبون له شعباً جديداً").
كل ذلك له اسم واحد لا اسمان في السياسة، وفي علومها وتاريخها: تزوير الارادة الشعبية!
وهي لعبة كلما مارسها حاكم، او مارستها اجهزته، واسوأها "المخابراتية" التي تلجأ - ساعة تغتاظ من حقائق الرأي العام عندما لا تتطابق وهواياتها ومصالحها وتنظيراتها الخنفشارية - تلجأ، نقول، الى محاولة افتعال المواقف و"اصطناع" الشخصيات وابتكار الحزبيات التي تصاقب مخططاتها وطموحاتها للحاكم ونيابة عنه في بعض الاحيان، ولمصلحة سواه في غالبها...
وقد سبق لنا ان قلنا، ونكرر، اننا نعرف ان رئيس الجمهورية براء من مثل هذه التصرفات التي كان لها لبنان مسرحاً، وهو في قمة السعي الى المصالحة... وحذّرنا الرئيس، ونكرر، من الوقوع في مثل ما وقع فيه سلف له هو الرئيس اللواء فؤاد شهاب، فهدرت المخابرات التي صوّرت له انها حزبه الوحيد الذي يخدمه ويحميه - هدرت النظرة الاجتماعية والتطلع السلمي التقدمي الذي كان يريده.
* * *
ونستطرد لنقول ان سقوط الشهابية، بعد سلوكها هذا المنحى، وسقوط تطلعاتها الاصلاحية لم يكن صدفة، بل مردّه الى كون لبنان، بطبيعته التكوينية التي لا يلائمها نظام سوى الديمقراطية، رفض "العسكرة" وكان يريد ان يبعد عن مذاقه كأس الانقلابات العسكرية التي ظنت بعض الدول العربية (بتشجيع اجنبي صار معلوماً) انها طريق التغلّب على هزيمة عام 1948 وطريق مكافحة فساد الحكم المسؤول عنها... فاذا بالانقلابات تتوالى، الواحد يستولد الآخر، واذا بالجيوش تتسربل بالعقائديات التي تتوسلها، فيتوسل القادة الانقلابيون عسكراً لا يحسن سوى محاربة العسكر الذي منه وله... بينما العدو يتوسع احتلاله، والفساد يستشري، انما متخفياً مخفياً خلف ستائر الخوف والجهل الناجم عن منع حرية النقد فحرية المحاسبة... إلا بانقلاب على انقلاب.
وها نحن - ولنتصارح - امام المشهد، "المأزقي - المأسوي": انظمة انقلابية عقائدية بالية تريد، ويريد المجدّدون من قادتها، "التغيير" في سبيل المزيد من الحرية، لان الحرية هي طريق التقدم والحضارة والازدهار، فيكتشفون أكثر فأكثر كل يوم ان انظمتهم ومجتمعاتهم "المدنية" صارت اسيرة اللعبة الجهنمية& اياها (ويخترعون لها كل يوم اسماً مهذبا جديدا!...) ... وساعة لا تكون أسيرة السجون، نجدها أسيرة المصالح الخاصة التي يجنيها "ابطال" السيطرة على اجهزة الحكم!
وهكذا يتسربل التغيير، كما تتسربل الناس... والناس كلها تعرف كل شيء، ولو لم تتكلم بذلك الا همساً، انما الهمس بدأ يصير بالامر ضجيجاً ، وغاضبا.
* * *
فيا ايها المدعوون الى الحوار، ويا ايها الذين انفتح الرئيس، عقلاً وقلباً، وليحاورهم، وكأنه يردد الكلام الكلام: "والحكم شورى بينهم"...
طالبوا الرئيس بالشورى هذه، في معناها العميق وفي بعدها المطلق.
وذكّروه بامره اليومي الوداعي للجيش، اثر انتخابه:
"انني على ثقة بان الجيش سيبقى بعيداً عن السياسة، كما ستكون السياسة ممنوعة من التدخل في الجيش الذي سيستمر ملتزما أوامر السلطة السياسية الممثلة دستوريا بمجلس الوزراء".
واسألوه، وقد كاد لبنان ينفجر ويتهوّر ويفلس نتيجة محاولة فرض دولة الامن المعسكر التي سميت بحق "محاولة إنقلاب رئاسي - امني"... اسألوه - وهو فوق المحاولة حكماً، وقد اختار الحوار - اسألوه لماذا لا يعيد العسكر الى ثكناتهم، بمن فيهم القائد الذي خرجت به دمشق فجأة إلى الواجهة وكأنها تتوِّجه، ولا نخاله هو الذي سعى الى ذلك!... ولكن بدأت مع ذلك بيانات القيادة العسكرية تنهمر على نحو لم يكن معهوداً، ولا هو مقبولاً.
* * *
بل اكثر: لماذا لا يسأل دمشق - حتى ولو بقي عسكرها منتشراً وفق الضرورات الستراتيجية التي لا يريد لبنان مناقشتها - ليسأل دمشق هل تدخّل ضباطها علناً في الشؤون اللبنانية هو جزء من ضرورات التصدي الستراتيجي للعدو؟ وكيف لا تدرك دمشق انه مخالف للنظام اللبناني ولخطاب القسم الذي اداه رئيس لبنان امام مجلس النواب، فضلاً عن مخالفة امره اليومي للعسكر اللبناني؟
اسألوه لماذا لا يجرّب الديمقراطية فعلاً لا قولاً، لماذا لا يعطي للشعب حظه وحقه في التعبير عن ارادته بدون قولبة المقولبين ودوزنة المدوزنين، الى آخر الاغنيات الساحرات.
لماذا لا يقلع عن تبني النظريات الصبيانية في الاقتصاد خصوصاً، كما في السياسة، والخارجية منها بنوع أخص، وقد آن لنا ان نعترف انها تكاد تودي بنا الى هاوية اقتصادية واجتماعية، فضلاً عن فقدان الثقة العالمية بلبنان، واكثر واكثر...
وحتّام، يظل يسمح بان يُعتبر كل ذي رأي حر متآمرا، وكل ذي نظرة مختلفة عدواً...
اسألوه، والناس بمن فيهم أهل الانظمة التي اختبرت "العسكرة" نادمون يريدون الخروج منها... اسألوه كيف يسمح بان يحاول اهل السوء، وقد فتح الرئيس ابواب الحوار مشرعة، التهيئة والتخطيط لاحباط الحوار و"التبشير" سلفاً بانه فاشل؟... ثم التدبير لاعادة لبنان الى قفص يفقد فيه آخر حقوقه، اي حقه الاقتصادي في الحياة... كل ذلك باسم شعارات صارت بالية ولا تنطلي دهانات آرماتها& و"يافطاتها" على أحد !
* * *
حسبنا، نحن، ختاما، ان نعيد على مسامع الرئيس العماد صدى الحكاية التي رواها هو في أول عهده لصديق صدوق:
ان والده الجنرال جميل اصطحبه ذات مساء، وهو بعد ضابط مبتدئ، الى بيت متواضع في بلدته بعبدات... وفتح باب قبو معتم، فاذا به يشاهد رجلاً مديد القامة ممدداً على فراش على الارض يئن من الوجع... وقال له والده هذا فلان، تعرفه، من جيراننا...& وقد خرج اليوم من السجن حيث كان متهماً... وهذا ما فعلت به الشهابية، فتعلَّم.
وختم الرئيس الرواية (كما بلغتنا) وهو يرويها: هذا المشهد وحده الذي لا يزال يسكن ذاكرتي يكفيني امثولة لأمنع زج الجيش في السياسة.
نحن لا نزال نعتقد ان الرئيس، عندما روى الواقعة، كان صادقاً. ونعتقد انه لا يزال على اقتناعه، وعلى ذاكرته الحيّة... ومتى اقتدى بالامثولة، سيكون هو الاقوى، وستكون له من قوة الديمقراطية اذا جرّبها - بعد ان ترك الآخرين يمسخرونها - وسيكون له من انفراج الناس، ومن الهوس الشعبي معه اذذاك، مناعة لا قدرة لاحد على اختراقها.
واذذاك، تعود ثقة العالم بلبنان، ويخلص من شِباك الفقر والتقهقر التي يلفّونه بها.
&













التعليقات