&
&
بقلم سليم الحص
خيّمت على لبنان في الآونة الأخيرة أجواء أزمة مركبة حادة.
نقول إنها أزمة مركبة بمعنى أنها كانت نتاجا لتقاطع جملة أزمات: أزمة اقتصادية ومعيشية مستعصية، وأزمة سياسية تجلت في تصدع التضامن الحكومي، وأزمة صدقية تولدت عن تخلف مجلس النواب عن محاسبة الحكومة في الشأنين الأمني والاقتصادي، وإقدامه على تصديق قانون كان قد وافق على خلافه قبل أقل من أسبوعين. فاللافت غياب مجلس النواب، ولا نقول النواب، عن مسرح المعالجات بعد موجة التوقيفات وعمليات القمع التي تمت، علما بأن مجلس النواب هو المؤسسة الأم المنوط بها أمر مراقبة الحكومة وبالتالي محاسبتها. وهذا من دون الانتقاص من صلاحية القضاء في ملاحقة المتعاملين مع العدو الإسرائيلي.
لو كان في لبنان بقية من ديموقراطية، ماذا كان سيحصل؟
الديموقراطية هي تعريفا حكم الشعب بالشعب ومن الشعب. ولبّ الديموقراطية خضوع السياسيين عموما والحكم خصوصا للمساءلة والمحاسبة. ففي ظل نظام ديموقراطي فاعل من المفروض أن تتحرك آليات الديموقراطية كلما نشأت مشكلة في الممارسة فتحسمها قبل أن تتفاقم إلى حجم الأزمة الوطنية. هكذا نسمع، عندما تنشأ مشكلة في الديموقراطيات الأكثر تقدما، بتنحي الوزير المسؤول، أو باستقالة الحكومة، أو بحل مجلس النواب، أو إجراء استفتاء عام. هكذا تنتهي المشكلة ديموقراطيا قبل أن تغدو أزمة وطنية محتدمة. ومن هنا القول إن النظام الديموقراطي يقوم بدور صمام الأمان الذي يحول دون نشوب أزمات وطنية مهما تكاثرت المشاكل.
لو كان في لبنان ديموقراطية فاعلة لاستقالت الحكومة عند بروز عجزها عن حل الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وعند تصدعها تحت وطأة مشكلة أمنية بدت فيها مقصّرة في الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، ولكان مجلس النواب قد تعرض لاحتمال الحل أمام اهتزاز صدقيته إذ بدا في موقع المغلوب على أمره في المصادقة على قانون خلافا لاقتناع أعضائه، كما بدا عاجزا عن محاسبة الحكومة على إجراءات أمنية واسعة ذات أبعاد سياسية نُفذت من دون علمها أو إرادتها.
لماذا لم يحصل شيء من ذلك؟
قد يكون ذلك بكل بساطة لأن الديموقراطية غير موجودة في لبنان، أو هي غير موجودة على وجه فاعل. إن وجود الديموقراطية متلازم مع مبدأ المساءلة والمحاسبة ومبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين. أما في لبنان، فغياب المساءلة والمحاسبة من جهة وغياب تكافؤ الفرص من جهة ثانية يشهدان على ضمور الممارسة الديموقراطية لا بل على غيابها.
ينزع الكثيرون إلى القول بوجود الديموقراطية حيث تُجرى انتخابات نيابية، كأنما الديموقراطية، في نظر هؤلاء، مرادفة لعملية الانتخاب. أما في لبنان فالانتخابات النيابية لا تعني بالضرورة محاسبة النائب أو المسؤول عن أدائه السابق. فكم من مجرمي الحرب حملتهم الانتخابات في لبنان إلى مقاعد نيابية ومنها إلى مناصب سياسية رفيعة. وكم من مرشح اتهم علانية في نزاهته أو استقامته أو أمانته، فإذا به يستقطب العدد الأعلى من أصوات المقترعين في منطقته.
يشق علينا القول إن الحرب اللبنانية عبر خمسة عشر عاما أفرزت زعامات وقيادات ارتكبت كل ألوان المعاصي والمخالفات والآثام، ثم جاء قانون العفو العام عن جرائم الحرب ليبيّض صفحتهم ويؤهلهم للتنافس على مراكز المسؤولية. ولقد فقدت إفادات السجل العدلي معناها، أو كادت، إذ هي تُمهر بعبارة <<لا حكم عليه>>، في الوقت الذي ينبغي أن تختم في حالات كثيرة بعبارة <<قتل ولا حكم عليه>> أو <<سرق ولا حكم عليه>>.
لا غضاضة في إصدار عفو عام بعد حرب داخلية متمادية كالتي كان لبنان مسرحا لها، ولكن ليس ما يوجب على الناخب اللبناني الشريف مكافأة المرتكبين بالاقتراع لهم وحملهم الى سدة المسؤولية العامة بأكثريات ساحقة. ولعل الطائفية هنا أيضا، هي العلة. فكما ارتكب مجرمو الحرب الفظائع خلال الحرب باسم الطائفة أو المذهب، فقد استطاعوا الإبقاء على شحنة من العصبية المذهبية والطائفية في نفوس كثرة من الناس مكنتهم من الاحتفاظ بولاء هؤلاء في الانتخابات النيابية.
وكما نفتقد في ما يسمى ديموقراطية في لبنان ركيزة المساءلة والمحاسبة، نفتقد أيضا مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتبر أيضا من سمات الديموقراطية الفاعلة. فلا تكافؤ فرص في كنف المذهبية والطائفية والعشائرية والمناطقية والمحسوبية.
والحكومة، في أي نظام ديموقراطي، تخضع لمساءلة مجلس النواب ومحاسبته. إلا أنه لم يحدث أن سقطت الحكومة في لبنان مرة بحجب مجلس النواب ثقته عنها. فكانت الحكومات ترحل عندما تشعر بانكشاف ظهرها سياسيا. ثم إن ضعف المساءلة والمحاسبة للحكومة نيابيا يتأتى
أيضا، كما هي الحال في الوقت الراهن، عن استناد الحكومة الى تكتلات نيابية تهيمن عمليا على قرار مجلس النواب. فالواقع هذه الأيام أن تحالف الكتل التي يتزعمها رئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء، والنائب وليد جنبلاط، وكلها ممثلة في حكومة موسعة، يقوم بدور حاسم في لعبة التوازنات في مجلس النواب، الأمر الذي كان من شأنه إلى حد ما تعطيل آلية المساءلة والمحاسبة التي يفترض أن تخضع لها الحكومة.
سبق أن ذكرنا أن من آليات الديموقراطية إمكانية حل مجلس النواب. إن الدستور لا يسمح بحل مجلس النواب إلا في حالتين يندر أن يتحقق أي منهما، وهما حالة رد مجلس النواب لمشروع الموازنة بقصد شل يد الحكومة، وحالة عدم انعقاد مجلس النواب ولو لمرة واحدة طوال عقد عادي أو عقدين استثنائيين. لذا القول إن إمكانية حل مجلس النواب غير متاحة عمليا، ولا يمكن حل مجلس النواب تاليا إلا بقرار منه. وإذا كان حل مجلس النواب يندرج في عداد الآليات الديموقراطية في الأنظمة الأكثر تطورا في العالم، فإن هذه الآلية تبدو في لبنان معطلة عمليا. هذا مع العلم بأن إمكانية حل مجلس النواب تبقى من مقومات المحافظة على التوازن بين السلطات، وهو موجب دستوري، فكما يستطيع مجلس النواب إسقاط الحكومة ساعة يشاء بحجب الثقة عنها، يجب أن يكون في قدرة السلطة الإجرائية حل مجلس النواب عند الاقتضاء ولو بشروط محددة.
بدأنا بالتساؤل: لو كان في لبنان ديموقراطية ماذا كان سيحصل؟ الجواب هو تحرك الآليات الديموقراطية المتمثلة من جهة، بمحاسبة الحكومة، ومن جهة ثانية بتحميل مجلس النواب مسؤولياته. هذه الآليات تبدو اليوم معطلة، لا بل لعل تعطلها هو شاهد على شحوب التجربة الديموقراطية في لبنان حتى لا نقول غيابها(السفير اللبنانية)
خيّمت على لبنان في الآونة الأخيرة أجواء أزمة مركبة حادة.
نقول إنها أزمة مركبة بمعنى أنها كانت نتاجا لتقاطع جملة أزمات: أزمة اقتصادية ومعيشية مستعصية، وأزمة سياسية تجلت في تصدع التضامن الحكومي، وأزمة صدقية تولدت عن تخلف مجلس النواب عن محاسبة الحكومة في الشأنين الأمني والاقتصادي، وإقدامه على تصديق قانون كان قد وافق على خلافه قبل أقل من أسبوعين. فاللافت غياب مجلس النواب، ولا نقول النواب، عن مسرح المعالجات بعد موجة التوقيفات وعمليات القمع التي تمت، علما بأن مجلس النواب هو المؤسسة الأم المنوط بها أمر مراقبة الحكومة وبالتالي محاسبتها. وهذا من دون الانتقاص من صلاحية القضاء في ملاحقة المتعاملين مع العدو الإسرائيلي.
لو كان في لبنان بقية من ديموقراطية، ماذا كان سيحصل؟
الديموقراطية هي تعريفا حكم الشعب بالشعب ومن الشعب. ولبّ الديموقراطية خضوع السياسيين عموما والحكم خصوصا للمساءلة والمحاسبة. ففي ظل نظام ديموقراطي فاعل من المفروض أن تتحرك آليات الديموقراطية كلما نشأت مشكلة في الممارسة فتحسمها قبل أن تتفاقم إلى حجم الأزمة الوطنية. هكذا نسمع، عندما تنشأ مشكلة في الديموقراطيات الأكثر تقدما، بتنحي الوزير المسؤول، أو باستقالة الحكومة، أو بحل مجلس النواب، أو إجراء استفتاء عام. هكذا تنتهي المشكلة ديموقراطيا قبل أن تغدو أزمة وطنية محتدمة. ومن هنا القول إن النظام الديموقراطي يقوم بدور صمام الأمان الذي يحول دون نشوب أزمات وطنية مهما تكاثرت المشاكل.
لو كان في لبنان ديموقراطية فاعلة لاستقالت الحكومة عند بروز عجزها عن حل الأزمة الاقتصادية والمعيشية، وعند تصدعها تحت وطأة مشكلة أمنية بدت فيها مقصّرة في الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، ولكان مجلس النواب قد تعرض لاحتمال الحل أمام اهتزاز صدقيته إذ بدا في موقع المغلوب على أمره في المصادقة على قانون خلافا لاقتناع أعضائه، كما بدا عاجزا عن محاسبة الحكومة على إجراءات أمنية واسعة ذات أبعاد سياسية نُفذت من دون علمها أو إرادتها.
لماذا لم يحصل شيء من ذلك؟
قد يكون ذلك بكل بساطة لأن الديموقراطية غير موجودة في لبنان، أو هي غير موجودة على وجه فاعل. إن وجود الديموقراطية متلازم مع مبدأ المساءلة والمحاسبة ومبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين. أما في لبنان، فغياب المساءلة والمحاسبة من جهة وغياب تكافؤ الفرص من جهة ثانية يشهدان على ضمور الممارسة الديموقراطية لا بل على غيابها.
ينزع الكثيرون إلى القول بوجود الديموقراطية حيث تُجرى انتخابات نيابية، كأنما الديموقراطية، في نظر هؤلاء، مرادفة لعملية الانتخاب. أما في لبنان فالانتخابات النيابية لا تعني بالضرورة محاسبة النائب أو المسؤول عن أدائه السابق. فكم من مجرمي الحرب حملتهم الانتخابات في لبنان إلى مقاعد نيابية ومنها إلى مناصب سياسية رفيعة. وكم من مرشح اتهم علانية في نزاهته أو استقامته أو أمانته، فإذا به يستقطب العدد الأعلى من أصوات المقترعين في منطقته.
يشق علينا القول إن الحرب اللبنانية عبر خمسة عشر عاما أفرزت زعامات وقيادات ارتكبت كل ألوان المعاصي والمخالفات والآثام، ثم جاء قانون العفو العام عن جرائم الحرب ليبيّض صفحتهم ويؤهلهم للتنافس على مراكز المسؤولية. ولقد فقدت إفادات السجل العدلي معناها، أو كادت، إذ هي تُمهر بعبارة <<لا حكم عليه>>، في الوقت الذي ينبغي أن تختم في حالات كثيرة بعبارة <<قتل ولا حكم عليه>> أو <<سرق ولا حكم عليه>>.
لا غضاضة في إصدار عفو عام بعد حرب داخلية متمادية كالتي كان لبنان مسرحا لها، ولكن ليس ما يوجب على الناخب اللبناني الشريف مكافأة المرتكبين بالاقتراع لهم وحملهم الى سدة المسؤولية العامة بأكثريات ساحقة. ولعل الطائفية هنا أيضا، هي العلة. فكما ارتكب مجرمو الحرب الفظائع خلال الحرب باسم الطائفة أو المذهب، فقد استطاعوا الإبقاء على شحنة من العصبية المذهبية والطائفية في نفوس كثرة من الناس مكنتهم من الاحتفاظ بولاء هؤلاء في الانتخابات النيابية.
وكما نفتقد في ما يسمى ديموقراطية في لبنان ركيزة المساءلة والمحاسبة، نفتقد أيضا مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتبر أيضا من سمات الديموقراطية الفاعلة. فلا تكافؤ فرص في كنف المذهبية والطائفية والعشائرية والمناطقية والمحسوبية.
والحكومة، في أي نظام ديموقراطي، تخضع لمساءلة مجلس النواب ومحاسبته. إلا أنه لم يحدث أن سقطت الحكومة في لبنان مرة بحجب مجلس النواب ثقته عنها. فكانت الحكومات ترحل عندما تشعر بانكشاف ظهرها سياسيا. ثم إن ضعف المساءلة والمحاسبة للحكومة نيابيا يتأتى
أيضا، كما هي الحال في الوقت الراهن، عن استناد الحكومة الى تكتلات نيابية تهيمن عمليا على قرار مجلس النواب. فالواقع هذه الأيام أن تحالف الكتل التي يتزعمها رئيس المجلس النيابي ورئيس مجلس الوزراء، والنائب وليد جنبلاط، وكلها ممثلة في حكومة موسعة، يقوم بدور حاسم في لعبة التوازنات في مجلس النواب، الأمر الذي كان من شأنه إلى حد ما تعطيل آلية المساءلة والمحاسبة التي يفترض أن تخضع لها الحكومة.
سبق أن ذكرنا أن من آليات الديموقراطية إمكانية حل مجلس النواب. إن الدستور لا يسمح بحل مجلس النواب إلا في حالتين يندر أن يتحقق أي منهما، وهما حالة رد مجلس النواب لمشروع الموازنة بقصد شل يد الحكومة، وحالة عدم انعقاد مجلس النواب ولو لمرة واحدة طوال عقد عادي أو عقدين استثنائيين. لذا القول إن إمكانية حل مجلس النواب غير متاحة عمليا، ولا يمكن حل مجلس النواب تاليا إلا بقرار منه. وإذا كان حل مجلس النواب يندرج في عداد الآليات الديموقراطية في الأنظمة الأكثر تطورا في العالم، فإن هذه الآلية تبدو في لبنان معطلة عمليا. هذا مع العلم بأن إمكانية حل مجلس النواب تبقى من مقومات المحافظة على التوازن بين السلطات، وهو موجب دستوري، فكما يستطيع مجلس النواب إسقاط الحكومة ساعة يشاء بحجب الثقة عنها، يجب أن يكون في قدرة السلطة الإجرائية حل مجلس النواب عند الاقتضاء ولو بشروط محددة.
بدأنا بالتساؤل: لو كان في لبنان ديموقراطية ماذا كان سيحصل؟ الجواب هو تحرك الآليات الديموقراطية المتمثلة من جهة، بمحاسبة الحكومة، ومن جهة ثانية بتحميل مجلس النواب مسؤولياته. هذه الآليات تبدو اليوم معطلة، لا بل لعل تعطلها هو شاهد على شحوب التجربة الديموقراطية في لبنان حتى لا نقول غيابها(السفير اللبنانية)
&










التعليقات