&
عاش اجدادنا رحلة طويلة مع الكفاح والمثابرة في بحثهم عن لقمة العيش داخل حدود الوطن وخارجه قبل أكثر من ثمانين عاما، حيث كانت الظروف في
&ذلك الحين مختلفة جدا عما تشهده بلادنا من نمو وازدهار في كافة مناحي الحياة.. واضطرتهم تلك الظروف الصعبة إلى البحث عن فرص جديدة ومجالات ممكنة لكسب الرزق كانت تتوافر غالبا في بلاد الغربة بالحل والترحال.
ولكي نكون أقرب فيما أشرنا إليه في مقدمتنا تلك نتناول في هذا التحقيق قصة انسانية نتعرف خلالها كيف شاء الله لأحد الأجداد أن يحط رحاله في بلاد الغربة ومن بعده بنوه واحفاده مروا ويمرون بمصاعب عديدة في تلك البلاد تحكيها شخصيات تحقيقنا التالي ومعها من الشواهد والزوايا التي تؤكد حاجة المجتمع إلى المزيد من الاتصالات واللقاءات لحل ما يواجهه من مشكلات وصعوبات.
* يقول الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن بن محمد بن عبدالله العتيق "75" عاما: ان والدي عبدالرحمن رحمه الله كان منذ أكثر من ثمانين عاما أحد التجار الذين واصلوا التنقل بين عدة دول لبيع التمور وجلب سلع غذائية مختلفة كما هو في التوابل ودهن العود والعطورات وغيرها وكانت محطاته عديدة في الهند وإيران ودول افريقية مختلفة كانت كينيا آخرها، حيث اشترى حمولة باخرتين من البضائع والاغنام لكنهما غرقتا في البحر ليظل بعدها مصرا على استجماع قواه في العاصمة الكينية "نيروبي" التي أمضى فيها بقية عمره حتى توفي بعد ان خلف أربعة ابناء من زوجته الكينية "رقية" توفوا ولم اقابل منهم واحدا وهم سعد وصالح وعلي وناصر واعطوا الجنسية الكينية من مواليد "ممباسا" ولا اعرفهم ولا اعرف ملامحهم سوى من بعض الصور التي وصلتني من ابناء أخي صالح وابنة أخي سعد العام الماضي بعد فترة فقدان طويلة لازمت فيها الهم والحزن على فقدان والدي وانقطاع جميع اخباره.
إضافة إلى ان اخي رحمه الله كان الوحيد من بيننا الذي كانت لديه معلومات مفصلة عن ظروف والدي في كينيا منذ سبعين عاما، حيث سافر معه عندما كان في العشرين من عمره وعاد بعدها إلى المملكة ليرعى شؤوننا فإنه وللأسف لم يتحدث أو يفصح بشيء عن والدي سوى بكلمات بسيطة كان يرددها علينا ومنها انه سيعود قريبا ومعه الخير والسعادة لنا ولا يضيف معلومات أخرى ولا أدري ما هي الأسباب لذلك حتى اليوم؟!.
ولكون أخي عثمان المقيم في ذلك الوقت بالبحرين كان يتمتع بعلاقات جيدة مع أخي محمد ويعلمه أولا بأول بأخبار والدي فقد اتصلت به وطلبت منه اخباري بما لديه من معلومات فقال ان والدي افتتح محلا تجاريا في كينيا ومتزوج من احدى الكينيات ويواصل مشواره التجاري بنجاح ويتوقع ان يعود في القريب إلى المملكة، وقد ذكر لي انه يرسل لنا أموالا بين فترة وأخرى لإعانتنا على مواجهة الصعاب وقد استمرت هذه الأحوال والظروف التي تحيط بنا مفتقدين أي معلومات وافية وأكيدة عن والدي حتى عام 1370هجرية حيث كانت المفاجأة السارة والغالية في ذلك العام عندما علمت من ابن اخي عبدالله "فهد" ان لنا أقارب في كينيا من اسرة العتيق يسألون عنا وهم أربعة اخوان "صالح، سعد، علي، ناصر" ولم يرزق منهم بأبناء سوى اثنين هما سعد الذي خلف شيخة وصالح الذي خلف ثمانية أولاد هم عبدالله وعلي وعبدالرحمن وفريد وفيصل واحمد ومحمد وعبدالعزيز وخمس بنات هن زينب ونهيدة وفاطمة وعائشة وحسناء، وقد توفى من ابناء صالح محمد وعبدالعزيز وخلفا ابناء وبنات يعيشون حاليا في تنزانيا.
وعندما علمت بهذه الأنباء التي عرفتني باخوتي وابنائهم وبناتهم سعدت جدا وسعد ابنائي وبناتي واقاربي كافة بذلك وقام ابن اخي عبدالله "فهد" منذ عام 1370ه وحتى العام الماضي قبل وفاته بارسال مساعدات مادية إلى ابناء وبنات اخوي صالح وسعد وواصلنا سؤالنا وتقصينا للمعلومات وكنتيجة لذلك اتصل بي عام 1373ه رجل كيني جاء إلى المملكة عاملا في احدى الشركات يدعى صالح العبودي وقال انه يعرف اقاربي وذكر ان حالتهم سيئة جدا ويحتاجون إلى المساعدة والعون.. وقد حاولت الاتصال بريديا بأخي سعد في كينيا حسب العنوان الذي اعطانيه العبودي إلا انني لم أجد وللأسف أي اجابة لذلك ودعوت الله ان تتحقق امنيتي فأرى ابناء اخوتي وبناتهم قبل ان يوافيني الأجل وقد تحقق شيء من ذلك بالفعل ولله الحمد العام الماضي عندما وصل محمد سالم أحمد سالم ابن بنت اخي سعد "شيخة" للعمل في المملكة سائقا بإحدى الشركات في الرياض ومعه محمد عبدالله باثواب ابن بنت اخي صالح "زينب" للعمل موزعا في احدى الشركات بمحافظة جدة وكان اللقاء حادا جدا انهمرت فيه دموعي فرحا وسعادة ان أرى اثنين من اقاربي الغائبين بعد هذا العمر الطويل، وبعثت ابني عبدالرحمن إلى كينيا للاتصال ببقية الاسرة الأحياء والتعرف على أحوالهم.
السفر إلى كينيا
ولكون الشيخ عبدالله العتيق تحمس لمواصلة مشوار البحث عن اقاربه فقد كلف ابنه عبدالرحمن بذلك، وفي اجابة لسؤالنا عن ذلك قال عبدالرحمن: انني سافرت إلى كينيا العام الماضي بناء على رغبتي وإلحاح من والدي بعد لقائي بمحمد بن عبدالله باثواب ابن بنت عمي "زينب" في مدينة الرياض حيث أوضح لي معلومات كافية عن وضع اسرة العتيق هناك واطلعني على صور فوتوغرافية لبعض افرادها وعنوانها الكامل وكان حصولي على المعلومات منه سهلا كونه يتحدث اللغة العربية بطلاقة خلافا لابن شيخة محمد سالم الذي التقيت به وكان لا يتحدث سوى اللغة السواحلية والانجليزية، وعليه سافرت إلى نيروبي بعد ارسال رسالة سبقتني إلى ابناء عمي صالح وفيها صورتي ومعلومات كافية عني. ونتيجة لذلك تعرفوا علي بسهولة في المطار وكان اللقاء حارا سعدت فيه بالوقوف على وضع عمي علي وابناء عمي صالح وبنت عمي شيخة الذين لا زالوا في ذلك العام على قيد الحياة حيث توفى الله الآخرين من أقاربي وكان لقائي الأول بأبناء عمي صالح في مدينة "لامو" تلاه اللقاء بعمي علي الذي تمنى ان يزور المملكة قبل وفاته العام الماضي حيث ألح عليّ وقال خذني معك إلى هناك أريد ان أرى أخي عبدالله وقد طمأنته إلى امكانية ذلك ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوقت والاجراءات التي يلزم اتباعها وقد انهمرت دموعي قبل ركوبي طائرة العودة وأنا أرى أبناء عمي صالح وهم يودعوني ويحملوني السلام إلى أقاربهم في الرياض والدمام وغيرها من المدن.. ولا اخفي عليك ان وضع الاسرة هناك سيء جدا حيث تظهر علامات الفقر والقلق والبؤس في كافة ملامح عيشهم وأحوالهم وهم حاليا يقطنون مساكن بدائية قذرة وينامون على أرض صلبة والديون تتراكم عليهم في كل يوم.
إلحاح الوالدة
وفي لقاء مع محمد سالم أحمد سالم ابن شيخة بنت سعد العتيق ابنة أخ الشيخ عبدالله العتيق قال انه جاء إلى المملكة بعد إلحاح والدته الشديد لزيارة المملكة والتعرف على أقاربه، وذكر ان تواصل ابن عمه فهد بن عبدالله كان قويا مع الأسرة منذ أكثر من ثلاثين عاما وقد جاء إلى المملكة للعمل كسائق لدى احدى الشركات حيث يحمل الجنسية الكينية وكان لقاؤه بالأسرة في الرياض مثمرا تعرف خلاله على اعمامه واخواله وقال انه عندما شاهد عمه عبدالله تذكر صورة جده عبدالرحمن الذي كان يشبهه تماما.
وقال ان اقاربي من العتيق بنين وبنات في ممباسا ونيروبي وتنزانيا يعيشون وضعا سيئا حيث يسكنون بيوتا شعبية مستأجرة ولا يعملون سوى في بيع المواد الغذائية المعدة داخل منازلهم.
وتمنى ان يوفقوا في الفوز بتأشيرات عمل في المملكة لمعالجة أوضاعهم الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها منذ سنين داخل كينيا، ويذكر محمد انه لم يقابل سعوديا واحدا في كينيا ولم يتصل بأي مسؤول لطرح موضوع زيارته للمملكة ودعا الله التوفيق في حضور والدته واخوته واخوانه وبقية اسرة العتيق إلى المملكة، ذلك ان المعيشة هناك كما يقول صعبة ويمكن ان تتحسن أحوالهم بإذن الله بعد قدومهم للعمل في المملكة.(الرياض السعودية)
&