حياة الكاتب سلمان رشدي مهددة بأن تصبح غريبة وشاذة غرابة كتاباته الواقعية السحرية: فلقد أمضى رشدي عدة سنوات "واقعا في فخ استعارة"، مثلما عبّر عن ذلك مرة، بوصفه "محترقا في مجسم دمية" بيد الغرب وبوصفه مسؤولا بشكل غير مباشر عن عدة حوادث اغتيال، كان اغتيال مترجمه الياباني اكثرها غرابة. ولم يرف لرشدي جفن أسف أمام الانزعاج الذي أثاره تصريحه الاخير في بعض الدوائر الاميركية، بأن "لندن مثيرة للضجر، وبأنها مكان غير ملهم للكتابة، بالمقارنة مع نيويورك"، حيث يفضل رشدي اليوم ان يعيش. |
كتابه الجديد مهداة لصديقته عارضة الازياء
وبعدما ترك رشدي في لندن زوجة وطفلا، يظهر اليوم مترددا على الاماكن العامة في مانهاتن نيويورك، مع صديقته بالمالاكشمي التي تعمل عارضة أزياء والتي أهداها رشدي كتابه الجديد هذا. وفي مواجهة الاحداث التي رافقت حياته الكتابية، لم ينجح رشدي في التوصل الى نتائج ايجابية. ومع هذه الرواية الجديدة الغاضبة "الروح المنتقمة" بشخصية رشدي المركزية في الرواية، مالك سولانا، المتحولة الى استعارة تخيلية يبدو رشدي مدفوعا الى ولوج عالم من الحقد والقلق والألم، الذي يسببه ترك طفل بريء نتيجة لانفصال مؤلم عن الزوجة المتروكة لقدرها في لندن.
إلتهميني يا أميركا
تصور "الروح المنتقمة" رجلا انكليزيا من أصول هندية، جاء ليعيش في نيويورك. لكن هذا الرجل، البروفسور، مالك سولانا، لا يتميز الا بكونه روائيا. انه مؤرخ أفكار، أساسا، يشتغل مهنة تحريك دمى لها شهرة عالمية، الامر الذي يؤدي به الى الاحساس بالشكوى والتذمر من حفلاته، غير الناجحة، وبالمرارة من زواجه الفاشل، الى حد انه يرغب الآن في تذويب نفسه كليا في اميركا: "التهميني اميركا، وامنحيني السلام" هكذا يصلي مرارا سولانكا، وبصمت. ولكن، كلما حاول سولانكا تذويب نفسه في اميركا، كلما بدا اكثر اشمئزازا وقرفا منها! ويصف رشدي المقاهي التي تفتح أبوابها على مدار كل الساعات، حيث لا يتوقف الطلب على "مزيد من حبات الزيتون تلح عليه زبونات يرتدين شالات مصنوعة من جلود الماعز المنقرضة في أعالي الجبال"!
إلتهميني يا أميركا
تصور "الروح المنتقمة" رجلا انكليزيا من أصول هندية، جاء ليعيش في نيويورك. لكن هذا الرجل، البروفسور، مالك سولانا، لا يتميز الا بكونه روائيا. انه مؤرخ أفكار، أساسا، يشتغل مهنة تحريك دمى لها شهرة عالمية، الامر الذي يؤدي به الى الاحساس بالشكوى والتذمر من حفلاته، غير الناجحة، وبالمرارة من زواجه الفاشل، الى حد انه يرغب الآن في تذويب نفسه كليا في اميركا: "التهميني اميركا، وامنحيني السلام" هكذا يصلي مرارا سولانكا، وبصمت. ولكن، كلما حاول سولانكا تذويب نفسه في اميركا، كلما بدا اكثر اشمئزازا وقرفا منها! ويصف رشدي المقاهي التي تفتح أبوابها على مدار كل الساعات، حيث لا يتوقف الطلب على "مزيد من حبات الزيتون تلح عليه زبونات يرتدين شالات مصنوعة من جلود الماعز المنقرضة في أعالي الجبال"!
سياق هذياني غير محتمل
خلف هذا الخضم من وصف مظاهر الاستهلاك، تقبع امبراطورية معولمة من الغباء التام، انها بلاد جري سبرينغر وأوبراه وينفلي، التي يتقاتل ضيوفهما بعد كل عرض مسرحي، ضد بعضهم البعض، وبلاد الكوميديات الاكثر غباء المعروضة أمام مرأى شبان يجلسون في الظلام رامين بجهلهم نحو الشاشة الفضية".
تنتقل هجمات رشدي بسهولة من السخرية المحلية الى التصدي لظواهر عالمية، مثل، "انتصار العِلم"، حيث تصبح الفيزياء ميتافيزياء، وحيث يتم استبدال الأيديولوجيا "بالثقافة الصناعية" التي "أصبحت لها الاولوية" فيما صار عليه الاقتصاد. ويزدهر عند رشدي مفهوم يرى ان مرحلة الغنى اللغوي، قد أفسحت المجال للمرحلة الرقمية، والتي هي "الانتصار الاخير للرقمية على الحروفية" كل ذلك يبدو جميلا، في الواقع، بل وممتازا، ولكنه ليس بالضرورة مادة ملزمة لروايات منخرطة في سياقها. وكان من الأفضل لرشدي ان يطور هذه الافكار الى نوع من المقالات، بدلا من اقتلاعها من دفتر ملاحظاته، ووضعها في سياق هذياني غير محتمل ضمن هذا العمل الروائي.
الدمى
تغيرت حياة سولانكا، منذ زيارته لمتحف ريجكس ومنذ رؤيته لمجموعة الدمى المنزلية فيه. ومسحورا بالمنمنمات الصغيرة والعوالم الصغرى المجسمة، يبدأ سولانكا في صنع الدمى بنفسه، والتي بدورها، سرعان ما تسيطر على حياته. وضجرا من المصطلحات الريفية للأكاديميين، يستقيل سولانكا من عضويته الاكاديمية، ويقوم بمهمة استكشافية تمولها الB.B.C. لتطوير مسلسل عن الفلسفة، يبث في آخر الليل، مستعملا مجموعته من مشاهير الدمى.
تنتقل هجمات رشدي بسهولة من السخرية المحلية الى التصدي لظواهر عالمية، مثل، "انتصار العِلم"، حيث تصبح الفيزياء ميتافيزياء، وحيث يتم استبدال الأيديولوجيا "بالثقافة الصناعية" التي "أصبحت لها الاولوية" فيما صار عليه الاقتصاد. ويزدهر عند رشدي مفهوم يرى ان مرحلة الغنى اللغوي، قد أفسحت المجال للمرحلة الرقمية، والتي هي "الانتصار الاخير للرقمية على الحروفية" كل ذلك يبدو جميلا، في الواقع، بل وممتازا، ولكنه ليس بالضرورة مادة ملزمة لروايات منخرطة في سياقها. وكان من الأفضل لرشدي ان يطور هذه الافكار الى نوع من المقالات، بدلا من اقتلاعها من دفتر ملاحظاته، ووضعها في سياق هذياني غير محتمل ضمن هذا العمل الروائي.
الدمى
تغيرت حياة سولانكا، منذ زيارته لمتحف ريجكس ومنذ رؤيته لمجموعة الدمى المنزلية فيه. ومسحورا بالمنمنمات الصغيرة والعوالم الصغرى المجسمة، يبدأ سولانكا في صنع الدمى بنفسه، والتي بدورها، سرعان ما تسيطر على حياته. وضجرا من المصطلحات الريفية للأكاديميين، يستقيل سولانكا من عضويته الاكاديمية، ويقوم بمهمة استكشافية تمولها الB.B.C. لتطوير مسلسل عن الفلسفة، يبث في آخر الليل، مستعملا مجموعته من مشاهير الدمى.
حبكة تم معالجتها سابقا
من بين دمى سولانكا، هناك "العقل الصغير"، وهي فتاة تُجري حوارات تخترق الزمن مع دمى "العقول الكبيرة" مما يؤدي الى نتائج فكرية مدهشة احيانا. فمثلا، تتمادى "العقل الصغير" في حوارها مع غاليليو في التعبير عن مشاعرها الى حد كبير. اذ تبدو متضامنة مع عدم التسامح الذي يبديه رشدي نحو الشيع والاصولية، بل ويتعاظم السخط والغضب عند دمية "العقل الصغير" عندما يشدد البابا الحجر على غاليليو، وتتلفظ الدمية بألفاظ شاتمة من العيار الثقيل. وتبدو دمية "العقل الصغير" ظاهرة عالمية، تنتقل عبر الازمنة، مغنية أغاني "مادونا" الاميركية الذائعة الصيت!
اما باقي الحبكات في الرواية، فمن الصعوبة ان تحقق تصديقا او قبولا كافيا، ينصف رشدي. فمثلا، يظهر مرة سولانكا في وسط المسرح متورطا بعلاقة بامرأتين جميلتين في نيويورك، واحدة هندية طويلة القامة، تتمتع بجاذبية عالية تسبب لها الحوادث في الطرقات، كان سولانكا قد انتزعها من يد زنجي يُردى قتيلا باطلاق الرصاص عليه من جماعة شبان شاذين معادين للنساء تطلق على نفسها لقب "عازب، ومذكر"، الامر الذي يجعل حياة سولانكا في خطر دائم! ولكن، لا تبدو هذه الحبكة جديدة او متميزة، بل ان الروائي برت ايستون إلينر عالجها سابقا وبنجاح اكبر.
اما الحبكة التي تحتوي على اضطرابات إتنية في جزيرة ليليبوت بلافيسكو فهي اختراع مميز من مخيلة رشدي. تحكي الحبكة صراعا اندلع بين السكان الآسيويين الوافدين الى الجزيرة والمواطنين الإلبيز الاصليين. وعندما يذهب سولانكا الى تلك الجزيرة، يقع في الأسر في قلب المعمعة القائمة بين الرئيس كولبا ستوكيو وقائد الجماعات المتمردة آكاسز الذي يصر على الاعتقاد بأن الشمس تدور حول الارض، وكل رافض لهذا الاعتقاد ينبغي ان يعدم! (يرتدي آكاسز مرة احد أزياء دمى سولانكا!). في النهاية، يتمكن سولانكا من الهرب من الجزيرة، والعودة الى بريطانيا!
اما باقي الحبكات في الرواية، فمن الصعوبة ان تحقق تصديقا او قبولا كافيا، ينصف رشدي. فمثلا، يظهر مرة سولانكا في وسط المسرح متورطا بعلاقة بامرأتين جميلتين في نيويورك، واحدة هندية طويلة القامة، تتمتع بجاذبية عالية تسبب لها الحوادث في الطرقات، كان سولانكا قد انتزعها من يد زنجي يُردى قتيلا باطلاق الرصاص عليه من جماعة شبان شاذين معادين للنساء تطلق على نفسها لقب "عازب، ومذكر"، الامر الذي يجعل حياة سولانكا في خطر دائم! ولكن، لا تبدو هذه الحبكة جديدة او متميزة، بل ان الروائي برت ايستون إلينر عالجها سابقا وبنجاح اكبر.
اما الحبكة التي تحتوي على اضطرابات إتنية في جزيرة ليليبوت بلافيسكو فهي اختراع مميز من مخيلة رشدي. تحكي الحبكة صراعا اندلع بين السكان الآسيويين الوافدين الى الجزيرة والمواطنين الإلبيز الاصليين. وعندما يذهب سولانكا الى تلك الجزيرة، يقع في الأسر في قلب المعمعة القائمة بين الرئيس كولبا ستوكيو وقائد الجماعات المتمردة آكاسز الذي يصر على الاعتقاد بأن الشمس تدور حول الارض، وكل رافض لهذا الاعتقاد ينبغي ان يعدم! (يرتدي آكاسز مرة احد أزياء دمى سولانكا!). في النهاية، يتمكن سولانكا من الهرب من الجزيرة، والعودة الى بريطانيا!
كم هائل من الافكار الصاخبة والمتبجحة
وهناك ايضا حبكة سائق التاكسي المسلم في نيويورك الذي لا يتورع عن شتم راكبي الدراجات النارية بشتائم آيات الله الايرانيين، والذي يتواجد سولانكا، صدفة في سيارته.
هكذا، يجد سولانكا رشدي نفسه محاطا وباستمرار، بالحقد والغضب، الذي هو شريان الرواية والذي يعبر عن مجابهة غريبة مع الدمى: هناك القليل من الذاتية العفوية التي يقوم سولانكا بتحريكها في الدمى، وهناك العفوية الاكثر شذوذا التي تحتوي الشياطين الداخلية التي تحرك سولانكا نفسه. وهي كلها تستعيد كاريكاتورات القرن التاسع عشر حول التفكير العبقري أم المجنون، كاريكاتورات يصورها رشدي مخلوقات خرجت من ثنايا عقله، تستعرض نفسها فوق طاولته، تقفز فوق كتفيه، وتتسلل بين طيات ثيابه.
ومع هذا الكم الكبير من الافكار الصاخبة والمتبجحة التي تفقد قيمتها في أي عمل روائي منسوج بمهارة، ومع سياق سردي يصل أقصاه الى لب العملية الابداعية من جهة، والى الانقطاع الناتج عن انهيارات متتالية، من جهة ثانية، تبقى هناك عناصر قوية تقوم بعملها في هذا الكتاب. ولكنها تبقى غير منخرطة في الجسم الروائي، ملتفة على نفسها، ومبالغ في تكثيفها بشكل مهموم. ان ما يعج به تفكير رشدي، ويقذف به بعيدا، هو ما يمسرحه بالضبط هذا الكتاب. ولكن نتائج الخوف المرضي من الاماكن الضيقة الذي يعاني منه رشدي، يمكننا رؤيتها كما لو انها مزيج من كوابيس مرعبة وإشارات الى "محنة حياة" يعيشها مؤلف روائي.
هكذا، يجد سولانكا رشدي نفسه محاطا وباستمرار، بالحقد والغضب، الذي هو شريان الرواية والذي يعبر عن مجابهة غريبة مع الدمى: هناك القليل من الذاتية العفوية التي يقوم سولانكا بتحريكها في الدمى، وهناك العفوية الاكثر شذوذا التي تحتوي الشياطين الداخلية التي تحرك سولانكا نفسه. وهي كلها تستعيد كاريكاتورات القرن التاسع عشر حول التفكير العبقري أم المجنون، كاريكاتورات يصورها رشدي مخلوقات خرجت من ثنايا عقله، تستعرض نفسها فوق طاولته، تقفز فوق كتفيه، وتتسلل بين طيات ثيابه.
ومع هذا الكم الكبير من الافكار الصاخبة والمتبجحة التي تفقد قيمتها في أي عمل روائي منسوج بمهارة، ومع سياق سردي يصل أقصاه الى لب العملية الابداعية من جهة، والى الانقطاع الناتج عن انهيارات متتالية، من جهة ثانية، تبقى هناك عناصر قوية تقوم بعملها في هذا الكتاب. ولكنها تبقى غير منخرطة في الجسم الروائي، ملتفة على نفسها، ومبالغ في تكثيفها بشكل مهموم. ان ما يعج به تفكير رشدي، ويقذف به بعيدا، هو ما يمسرحه بالضبط هذا الكتاب. ولكن نتائج الخوف المرضي من الاماكن الضيقة الذي يعاني منه رشدي، يمكننا رؤيتها كما لو انها مزيج من كوابيس مرعبة وإشارات الى "محنة حياة" يعيشها مؤلف روائي.
&ترجمة: "السفير"- صفوان حيدر&عن ثقافة، "الصنداي تايمز"

















التعليقات